يبدأ جزء كبير من معاناة الإنسان، وسعادته أيضًا في حياته، بنظرة ثم قُبلة، ثم صراع يستمر مدى الحياة لفهم كلمة "الحب". يثق المرضى بأن أطباءهم يمكنهم علاج العظام المكسورة في أجسامهم أو وصف علاج ما لضبط ضغط الدم، لكن الشعراء والفلاسفة وعلماء النفس على حد السواء كانوا دائمًا يرون أن الحب شيء غامض وغير ملموس يفوق قدرتنا على وضع تعريف محدد له. وكما قال شاب كان يعمل معي: "لا أعتقد أن أي شخص لديه فكرة حقيقية عن كُنه ذلك الشعور الذي نطلق عليه الحب، ولا أنتِ أيضًا". فالحب شيء غامض وملآن بالعجائب والروائع. ويتساءل الناس كيف يمكنني أنا أو أي شخص آخر أن نقدم نصيحة حول أمور القلب المبهمة تلك؟

من واقع خبرتي كباحِثة ومعالِجة متخصِّصة في تقديم الاستشارات للأزواج، قابلت الكثير والكثير من الأشخاص الذين يحاولون فك طلاسم ذلك اللغز. لقد سمعت عددًا لا حصر له من المرات جملة: "لا أدري ماذا أصاب علاقتنا، وليس لديَّ أدنى فكرة عن كيفية إعادتها إلى مسارها الصحيح".

في الواقع، ثمة العديد من الطرق الواقعية التي تدعمها الأبحاث التي تساعد الأشخاص على فهم الحب وجعله أقوى وأكثر ثباتًا. وعلى مدار عدة عقود أحدث علم التعلُّق طفرة هائلة في هذا السياق. إننا نعلم -على سبيل المثال- أن أنماط السلوك التي يتعلمها الإنسان في طفولته تشكل قالبًا لعلاقاته في الكبر، وعلى مستوى أعمق يمكننا أن نرى الثراء التطوُّري والبيولوجي للحب والعاطفة، وعلاقات الإنسان تكون لها آثار واضحة يمكن قياسها على الجسم والصحة. وربما يكون الشيء الأكثر إثارة للاهتمام أننا قد درسنا طرقًا لإرشاد الأزواج حول الوصول إلى علاقات صحية أكثر. من ناحية، تطوَّرَ علم التعلق، الذي كان في يوم من الأيام يركز على الروابط بين الأم والطفل، واتسعت آفاقه وألقى الضوء على العديد من المؤشرات القوية التي تتنبأ بتحقيق النجاح في العلاقات الزوجية.

ونحن بحاجة إلى هذه المعرفة، ففي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث ونُشر في عام 2012، على سبيل المثال، 84% من الأشخاص رأوا أن الزواج هدف حياتي شديد الأهمية، وكشف استطلاع أجراه مركز بيو ونُشر في عام 2010 أن معظم الأشخاص يرون أن الحب هو أساس الزواج. ويبدو أن معظم الأشخاص يتفقون في الرأي مع روبرت والدنجر -الطبيب النفسي بكلية الطب بجامعة هارفارد الذي يدرس السعادة- بأن الوصفة المُثلى للحياة الجيدة والصحة والسعادة هي علاقة قائمة على الحب. ونتيجة طبيعية لهذه المعتقدات، فإن مشكلات العلاقات العاطفية اليوم هي السبب الرئيسي في أن الأشخاص يطلبون العون والمساعدة من المتخصصين في الصحة النفسية مثلي.

وعلى مدار سنوات، حقق علم التعلُّق تطورًا ملحوظًا، حتى أصبح بإمكانه أن يمنحنا خريطة مادية إلى "تطبيق وممارسة" الحب، لتحقيق الفائدة القصوى من علاقات الإنسان في كبره، وهذا يشمل حتى العلاقات الرومانسية الملأى بالتحديات. وفي عملي، قمت بتطوير واختبار نهج علاجي يمكن أن يساعد على إرشاد الأزواج لبناء علاقات أقوى تقدم لطرفيها الدعم والمساعدة التي يحتاجون إليها. وأحدث الأبحاث التي أجريت في هذا المضمار تؤكد، وتتحدى أيضًا، بعض أكثر المعتقدات التي نحتفي بها حول طبيعة الحب، والأهم من ذلك أن لديها الكثير من المعلومات التي تخبرنا بها حول كيف يمكننا تحسين علاقاتنا الرومانسية.

حب الأم

انظر إلى الرابطة العاطفية القوية التي تربط بين الطفل ووالديه. على مدار جزء كبير من القرن العشرين، تغافلنا عن حاجة الأطفال إلى الارتباط الآمن، حتى إن الآباء كانوا عادةً ما يلقون بأطفالهم المرضى في المستشفيات كي يعتني بهم غرباء دون التفكير في أن هذا الأمر قد يسبب لهم أذًى هائلًا. وكان المتخصصون المحترفون في الصحة النفسية يؤمنون بنظريات ترى أن العائلات غير السعيدة ضحايا العلاقات شديدة القرب وعدم وجود مساحة فاصلة كافية، وكان يُنظَر إلى فصل الآباء عن الأطفال على أنه ضرورة لبناء القوة.

وقد بدأ الخلل وبدأت مساوئ هذا الأسلوب في التفكير تظهر قبل نصف قرن بفضل سلسلة من التجارب التي أجراها عالِما النفس جون بولبي وماري إينسورث. وفي محاولة لفك شفرة الارتباط البشري، عمِلا على مراقبة التفاعُلات بين الأمهات وأطفالهن الرضع، ثم شاهدا كيف تتغير السلوكيات عندما يتم فصل الطرفين في بيئة غير مألوفة.

Credit: altrendo images Getty Images

وقد كشفت تجارب "الموقف الغريب" هذه أن بعض الإشارات والنظرات المتبادلة بين الرضع وأمهاتهم تؤدي -كما هو متوقع- إلى سلوكيات هادئة وإيجابية لدى الطفل، في حين أن هذا لم يحدث لدى البعض الآخر. وكما كشف بولبي في كتابه بعنوان "التعلق والخسارة" Attachment and Loss الذي صدر في عام 1969، مثل هذه السيناريوهات يمكن أن تلقي بالضوء على أنماط في سلوكيات الأطفال ترتبط بعلاقتهم بأمهاتهم. وقد حددت أينسورث لاحقًا ثلاثة "أنواع" أساسية من التعلُّق يمكن أن تفسر هذه الأنماط.

إن الفراق، بصورة عامة، يتسبب في تولُّد مشاعر الحزن والتعاسة، ولكن بالنسبة لبعض الأطفال فإن طبيعة علاقتهم بأمهاتهم تجعلهم إذا تُركوا وحدهم لا يفزعون، بدلًا من هذا تظهر لديهم النزعة الفضولية ويمكنهم استكشاف البيئة الجديدة المحيطة بهم دون خوف. والأمهات في هذه العلاقات يكنَّ قد عبَّرن بوضوح عن مشاعر الحب والاهتمام وأوصلنَها إلى الأطفال، فيشعر الأطفال بالارتياح لاهتمام أمهاتهم بهم وانتباههن إليهم. وقد وصفت أينسورث هذا النوع من التعلق بأنه تعلق "آمن"، فالأطفال الذين يشعرون بالأمان يظهر لديهم توازن عاطفي وثقة وقدرة على الاستكشاف والتعلُّم. وقد أدى شعورهم بأن أمهاتهم يقدمن لهم ملجأً وملاذًا آمنًا إلى تنشئتهم أطفالًا أقوياء يمكنهم التواصل بحرية وانفتاح مع الآخرين في أثناء نموهم.

غير أن الأطفال الرضع الآخرين ظهرت عليهم مجموعة مختلفة من السلوكيات، فالأطفال "الذين يشعرون بعدم الأمان ويتعلقون بأمهاتهم تعلقًا قلقًا" استحوذ عليهم الشعور بالألم والحيرة من هذا الفراق. وعندما كانت الأمهات يحضرن في التجارب كن غالبًا أقل تجاوبًا ومشاركة للأطفال. وقد كانت الاستجابات العاطفية للأطفال انفعالية، فكانوا يتقلبون ما بين الغضب والفزع عندما ينادون أمهاتهم، وعندما تلجأ الأمهات إلى تهدئتهم كانوا يتمسكون بهن بقوة، كما لو أنهم لا يريدون الثقة بأن كل شيء على ما يرام.

وثمة مجموعة أخرى من الأطفال الذين لا يشعرون بتعلُّق آمن بأمهاتهم أظهروا عاطفةً محدودة عندما كانت أمهاتهم تغادر أو تعاود. فكانوا يركزون بدلًا من ذلك على اللعب والأشياء الأخرى، فلم يطلبوا أمهاتهم ولم يستجيبوا لمحاولاتهن لطمأنتهم، بل كانوا يتجنبون القرب الشديد. وقد كشفت الأبحاث منذ ذلك الوقت أن الكثير من أولئك الأطفال الذين "يتجنبون التواصل" يشعرون بالقدر نفسه من الغضب مثل أقرانهم القلقين ولكنهم ماهرون في حجب ردود أفعالهم، وذلك على الأرجح نتيجة لكون آبائهم لا يتجاوبون معهم بل وربما يسيئون معاملتهم، فليس لديهم توقعات بالحصول على ارتباط يبث فيهم الشعور بالأمان.

وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، بدأ الباحثون يدركون أن تلك الأنماط يمكن أن تُثري العلاقات في الكبر، وهذا يشمل العلاقات الرومانسية. وتصبح الاستجابات المرتبطة بكل نوع من أنواع التعلق أوتوماتيكية مع تقدُّم الإنسان في العمر ويمكن أن تُضفي صبغة محددة على الطريقة التي يفكر بها ويشعر بها تجاه نفسه فيما يتعلق بالآخرين. على سبيل المثال، ربما يواجه الإنسان صعوبةً في الثقة بالآخرين إذا لم يكن بإمكانه الاعتماد على والديه، كما أن الافتقار المبكر إلى الاهتمام ربما يترك بعض الأشخاص غير واثقين في ما إذا كان من حقهم من الأساس الحصول على رعاية شخص آخر واهتمامه.

على غرار الذاكرة العضلية، فإن هذه الأنماط تتدخل في لحظات الضعف في أية علاقة رومانسية. فالشخصيات ذات التعلُّق الآمن تميل لأن تكون لديها علاقات أفضل وصحة نفسية أفضل بصورة عامة؛ إذ إنهم يتوقعون أن يتجاوب معهم الآخرون ويبادلونهم الحب. أما الشخصيات التي تعاني من التعلُّق القلِق فلديها خوف من الرفض وتميل لتتبُّع شريك حياتها بمتطلبات عاطفية ملحة. أما الشخصيات التي تتجنب التواصل مع الآخرين فتبتعد عن شريك حياتها، لا سيما في لحظات ضعفهم أو ضعف مَن يحبون؛ إذ إنهم يتجاهلون احتياجات التعلق لديهم أو لدى أحبائهم.

وبالفعل، أكدت دراسة طولية نشرها علماء النفس بجامعة مينيسوتا عام 2007 أن هذه الأنماط تعيش طويلًا. فقد عمل الفريق البحثي مع 78 شابًّا خضعوا للدراسة منذ الطفولة. وفي تلك الدراسة، كان الأشخاص الذين لديهم تعلُّق آمن وهم في عمر عام واحد أكثرَ كفاءةً على المستوى الاجتماعي في مرحلة الدراسة الابتدائية أكثر من الأشخاص الذين افتقدوا التعلق الآمن. وهذه الكفاءة بدورها تنبأت لهم بتكوين صداقات أفضل في مرحلة المراهقة، كما أن العلاقات الاجتماعية القوية في عمر 16 عامًا اقترنت بعلاقات رومانسية أفضل عندما كان المشاركون بين عمر 20 و23 عامًا. وفي الوقت نفسه، أوضحت أبحاث أخرى بشكل قاطع أن الأشخاص الذين تعرضوا للعنف ولخلل حاد في العلاقات في بداية حياتهم ليس فقط من المحتمل أن يطوروا تعلقًا غير آمن، بل إنهم أيضًا أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية والتورط في سيناريوهات متكررة من سوء المعاملة في كبرهم.

تميل الأنماط المترسخة من التعلق القلق أو المتجنب للتواصل لأن تغرس عدم الارتباط والحزن والتعاسة في العلاقات العاطفية، مما يجعل من الصعب على شركاء حياتهم البقاء على انسجام والقدرة على التجاوب معهم. ولكن ثمة بريق أمل، إذ إن الموجة الأخيرة من الأبحاث، والتي شاركتُ في إجرائها، درست طرقًا لتعديل هذه الأنماط وكيف أن تحقيق هذا الأمر يمكن أن يغير حياة شخص ما تغييرًا جذريًّا.

معًا أفضل

بدأتُ في دراسة علم التعلُّق منذ ثمانينيات القرن العشرين، في ذلك الوقت، كنت أرى الأزواج في الجلسات العلاجية، وما إن أصبحت على دراية بمخاوفهم القوية واحتياجاتهم والمعضلات في حياتهم، بدأت أسعى سعيًا حثيثًا للتوصل إلى طريقة لفهم صراعاتهم. واستنادًا إلى الفهم الحديث للتعلق في الكبر، قمتُ مع زملائي بتطوير علاج يركز على العواطف (أو علاج عاطفي) ليكون علاجًا قصير الأجل قائمًا على ذلك العلم.

ولفهم كيفية عمل هذا العلاج، نحتاج في البداية إلى دراسة مبدأ أساسي في أبحاث التعلق، وهو أن الحب الذي نشعر به من شخص آخر له تأثير هائل علينا، على المستوى الجسدي والعاطفي. وقد أكدت العديد من الدراسات هذه النتيجة في السنوات الأخيرة.

وفي تجربة محورية في هذا المضمار نشرها جيمس إيه. كون، عالِم الأعصاب بكلية الطب بجامعة فيرجينيا، في عام 2006، وضع 16 امرأة متزوجة على جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، وعرَّضهنَّ لتهديد التعرُّض لصاعقة كهربائية في ثلاثة مواقف مختلفة، وهي الإمساك بيد زوجها، أو الإمساك بيد شخص آخر غريب، أو أن تكون وحدها على الجهاز. وفي كل حالة، كانت علامة X كبيرة تظهر أمام كل سيدة لتحذيرها من أن الصاعقة الكهربائية قد تكون قادمة، ولم يتعرضن لتلك الصاعقة سوى 20% من المرات فقط.

وقد وجد كون أن الإمساك بيد شريك الحياة يقلل بنسبة كبيرة من تنشيط الجهاز العصبي في الدماغ المرتبط بالاستجابة للتهديد العاطفي والسلوكي، مثل الجزيرة الدماغية والتلفيف الجبهي العلوي والوطاء. وهذا التصرف قلَّل من حجم الألم الذي شعرت به السيدات نتيجة التعرض لتلك الصدمة، في حين أن بقاء المشتركة وحدها أو الإمساك بيد شخص غريب لم يقدم فائدة تذكر. بالإضافة إلى هذا، كانت السيدات أصحاب الزيجات الناجحة التي يحصلن فيها على دعم أزواجهن -كما أوضحت استبانة- يشعرن براحة ومواساة أكبر.

تجربة كون والنتيجة التي توصل إليها هي واحدة بين عدة دراسات توصلت إلى أن وجود الأحباء يمكن أن يعدِّل الاستجابات العصبية الفسيولوجية، مثل معدل ضربات القلب وإفراز هرمونات التوتر. ومن المثير للاهتمام أن سلسلة من التجارب نُشرت في عام 2012 كشفت أن مجرد تخيُّل صورة شخص يتعلق به المرء يمكن أن تكون له آثار عميقة. ففي تلك التجارب، شجع إيمري سيلتشوك، الذي كان آنذاك عالِم نفس بجامعة كورنيل، وزملاؤه 105 سيدات على تحديد نمط التعلق الخاص بهن من خلال استبانة. ثم كتبت أولئك المشارِكات باستفاضة عن اثنتين من الذكريات الشخصية المثيرة للغضب التي لا تزال حية في ذاكرتهن. ولكل قصة، قمن باختيار كلمات محفزة تتراوح من كلمة إلى ثلاث كلمات، واستعدن المشاعر والعواطف المرتبطة بتلك اللحظات باستخدام الكلمات المحفزة تلك فقط. ثم طلب سيلتشوك بعد ذلك من السيدات استعادة تلك الذكريات مع تخيل أنهن يتلقين المواساة من قبل أمهاتهن أو أحد معارفهن، ثم قيمت المشاركات بعد ذلك استجابتهن العاطفية من حيث مدى الإيجابية والسلبية التي شعرن بها على مقياس من 1 إلى 7، إذ تعني 1 عدم التأثر على الإطلاق، في حين تعني 7 التأثر الشديد. وقد ساعد تخيل صورة الأم -وليس أحد المعارف- المشارِكات على الانتقال من الشعور بالألم والحزن من ذكرياتهن التعيسة، شريطة أن يكون ارتباطهن بأمهاتهن ارتباطًا آمنًا. وفي نسخة ثانية من تلك التجربة، وجد سيلتشوك أن هذا الشعور يحدث أيضًا عندما يرى المشارك في التجربة صورة لوالدته في مقابل صورة لوالدة شخص آخر. وتوضح الدراستان أنه يمكن للإنسان اكتساب قوة عاطفية هائلة من مجرد التفكير في الأشخاص الذين لديه إحساس بالتعلق تجاههم.

وفي نسخة ثالثة من الدراسة، طلب سيلتشوك وزملاؤه من مجموعة تتكون من ثلاثين من الأزواج أن ينظروا إلى صورة لشريك حياتهم في أثناء تذكُّر تجربة صعبة. وكما هو متوقع، فإن الأفراد الذين تربطهم علاقة تعلُّق آمن بأزواجهم استفادوا أكثر من الآخرين من هذا التدريب. ولكن في ملحوظة غريبة ومثيرة للاهتمام، اكتشف الباحثون أن الأزواج الذين عادت عليهم التجربة بفائدة عاطفية أكبر كانوا أيضًا في صحة جسدية أفضل بناءً على ملحوظات بعد شهر من التجربة، فعلى سبيل المثال، كانوا يشعرون بألم وتوتر أقل، وكانت احتمالات تغيُّبهم عن العمل لأسباب متعلقة بالصحة أقل.

وقد كانت تلك النتيجة مجرد نتيجة ملازمة، إذ تُظهر أنه ثمة علاقة بين الصحة الجسدية والعلاقات العاطفية القوية، ولذا لا يمكن أن تثبت أن أحد العاملَين قد تسبب في الآخر. ورغم ذلك، فإن الجزء الأكبر من الأبحاث التي أجريت على التعلق تشير إلى أن العلاقات الصحية تدعم الحياة الصحية. وكما كشفت النتائج التي توصل إليها كون، فإننا نشعر بارتياح أكثر في وجود أشخاص بعينهم، ومن ثم فإن تكوين تلك العلاقات الخاصة وتوطيدها ربما يساعدنا على التغلب على مصاعب الحياة، وهو ما يجعلنا أفضل على مستوى الصحة بصورة عامة.

وهكذا، فإن علاقات الإنسان تُعَدُّ جزءًا من شفرة البقاء على قيد الحياة التي ساعدت نوعنا على الاستمرار. فالتعلق الآمن يوفر للإنسان إحساسًا قويًّا بالأمان وطريقةً للحفاظ على التوازن في ظل وجود الأخطار أو التهديدات. كما تتيح لنا تلك الروابط تقبُّل ضعفنا البشري والتعايُش معه. وعندما ننظر إلى الآخرين على أنهم شخصيات موثوق بها، فإن هذا المنظور يغير إدراكنا للخطر والكوارث والألم تغييرًا جوهريًّا. ومن ثم، يبدو أن ذلك القول المأثور بأن الحب يجعلنا أقوى يتسم بالدقة.

مساعدة الأزواج على التواصل

إن المشكلة الأكثر انتشارًا التي تواجهها العلاقات هي الانفصال العاطفي، على سبيل المثال، الخلافات يمكن أن تدفع أحد الطرفين إلى الانسحاب أو إبعاد الآخر، ونتيجة لذلك يخلق أحد الزوجين مسافة تفصله عاطفيًّا عن الآخر. وهذا الانفصال يتسبب في ميلاد مشاعر الحزن والتعاسة التي يتسبب فيها الفراق –على غرار تجربة "الموقف الغريب" إلى حد كبير– والتي بدورها يمكن أن تحفز متسلسلة من الاعتراض والتشبث والألم لدى الطرف الذي يشعر أنه مهجور. ومما يجعل الأمور أسوأ، أن هذه المواقف يمكن أن تكون ذات طبيعة دورية؛ إذ تدفع المسافة العاطفية أحد الطرفين لأن يكون غاضبًا أو محبطًا، مما يدفع الطرف الآخر بعيدًا أكثر.

وفي الوقت الحالي، قد تبدو تلك الأنماط وكأنها اختلافات بسيطة، غالبًا ما تثيرها مشكلة بسيطة وعادية، غير أن نظرية التعلق تشير إلى أن هذه الخلافات ما هي أيضًا إلا معضلات من عدم الارتباط، فتهديد العزلة العاطفية يمكن أن يولِّد الغضب كرد فعل (كما لو أن أحد الطرفين يقول: "سأرغمك على التجاوب معي") أو انغلاق على الذات (كما لو أن أحدهم يقول: "حسنًا، لا يمكنني أن أجعلك سعيدًا، لذا فقط سأبتعد وأخرجك من حياتي).

وفي عملي، وجدتُ أن هذه المواقف المتأزمة الصعبة تتعلق بألم الانفصال العاطفي والمحاولات الخطأ لإعادة توطيد العلاقات أكثر من كونها تتعلق بالخلاف في حد ذاته أو حتى الاختلافات في الشخصية. ووجهة النظر هذه تتحدى فكرة أن العلاقات الرومانسية هي ببساطة سهم يخترق القلب أو يخرج منه دون تدخُّل منَّا، بل إن علم التعلق بدلًا من هذا يشير إلى أن الحب شيء يقع في نطاق سيطرتنا، لكننا فقط نحتاج إلى فهم كيف تعمل آلية التعلق.

ومن ثَم، فإن الهدف الأول للعلاج العاطفي هو مساعدة الأزواج على أن يروا كيف وقع كلاهما في دائرة مفرغة من الانفصال العاطفي، مما يدفع كلًّا منهما إلى مطالبة الآخر بعدوانية بالتجاوب معه، أو أن يلجأ إلى تجميد مشاعره أو الانغلاق على ذاته والابتعاد. ونتيجة لذلك، يمكنهما البدء في تكوين منظور متغير عن الحب، ورؤية كيف ترتبط نقاط ضعفهما بأدمغتهما نظرًا لأنهما من الثدييات القادرة على تكوين علاقات، ومساعدة بعضهما بعضًا على الخروج من "دوائر الخلافات الهدامة" تلك التي تتركهما غارقَين في الشعور بالوحدة والعجز. والهدف الثاني هو مساعدة الأزواج، عند الحاجة إلى الدعم والتواصل، على التحرُّك للدخول في تجارب إيجابية من التواصل الآمن؛ أي أننا نحتاج لأن نريهم كيف يمكنهم بدء محادثات تساعد على تحقيق الترابط، والتي يحدد فيها الزوجان ويتشاركان مخاوف واحتياجات محددة مرتبطة بالتعلق بطريقة تجعل كلًّا منهما يقترب أكثر من الآخر. وربما يتشارك الزوجان بصراحة -في هذه المحادثات الهادفة إلى ترسيخ الترابط- الخوفَ من الرفض أو الوحدة، ويطلب كلٌّ منهما من الآخر أن يبثه شعورًا بالطمأنينة بطريقة تجعل من السهل على الآخر أن يتجاوب معه. وقد لاحظت أنا وزملائي تلك الخطوات ثم وضعناها بصورة نظامية في محادثة لتقييم عمق المشاركة العاطفية وكيف يتواصل الأزواج مع بعضهم ويتجاوب كلٌّ منهما مع الآخر، وقد أتاح لنا هذا تحديد اللحظات الفارقة التي ينجح فيها ترسيخ الروابط، وكذلك اللحظات التي تتوقف فيها عملية تحقيق التوافق والتجاوب هذه.

وكما لاحظنا في مراجعة نقدية أجريت في عام 2013، فإن ملحوظاتنا تقدم العديد من الإشارات المتعلقة بمتى وكيف يساعد العلاج العاطفي الأزواج على حل مشكلاتهم. لا يحرز الجميع تقدمًا في هذا الشأن، غير أن مَن ينجحون في إحراز تقدُّم يتشاركون القواسم المشتركة المهمة. على سبيل المثال، وجدنا أن العلاج العاطفي يفيد الأزواج الذين يأخذون وقتًا في أثناء جلسات العلاج لسبر أغوار تجاربهم العاطفية واستكشافها، إذ إنهم يكشفون المزيد عن نظرتهم للأمور. كما أن الأفراد الذين يحدون من رغبتهم في إلقاء اللوم يتحسن لديهم الرضا عن علاقتهم بأزواجهم بعد الخضوع للعلاج. فيبدو أن ذلك المزيج من الحميمية والضعف وتبنِّي وجهة نظر أكثر تسامحًا مزيج ضروري.

وتساعد هذه المرحلة من العملية الأشخاص على بناء ثلاث من المهارات الأساسية في العلاقات، ألا وهي الانفتاح والتجاوب والمشاركة. والانفتاح يشير إلى المصارحة والاستعداد للجوء لبعض والاهتمام ببعض، في حين أن التجاوب هو القدرة على الإحساس بالإشارات العاطفية لشريك الحياة والاستجابة لها، أما المشاركة فهي القدرة على البقاء بالقرب من شخص وفهم مشاعره فهمًا كاملًا والبقاء إلى جواره. وفي العمل الإكلينيكي، نرى هذه الصفات تتلخص في السؤال الشائع: "هل سأجدك دائمًا إلى جواري؟" وفي جوهر الأمر، عندما يعلم المرء أن الإجابة القاطعة على هذا السؤال هي "نعم"، فإنه يشعر بالارتباط الآمن.

الخروج عن النمط المألوف

يُعَد العلاج العاطفي الآن المقياس الذهبي لأساليب التدخل التي خضعت للاختبار في التعامل مع مشكلات الأزواج. ورغم أنه ليس النهج الوحيد الذي يستخدمه المعالجون، فإنه فريد في أنه يحقق التكامل مع علم التعلق. ويستفيد بعض علماء النفس من الأساليب السلوكية التي تهدف إلى التعامل مع أعراض الحزن والتعاسة، مثل إلقاء اللوم المتبادل، من خلال تعليم مهارات مثل الاستماع النشط للطرف الآخر والتفاوض العقلاني. ولكن عددًا قليلًا فقط من الأساليب العلاجية قائم على أساس قوي من البراهين مثل العلاج العاطفي، وحتى اليوم أثبت الباحثون فاعلية هذا الأسلوب العلاجي في العديد من الدراسات، مع أنواع مختلفة من الأزواج ومشكلات مختلفة في العلاقات. والأفضل من هذا، أن الآثار الإيجابية لهذا العلاج يبدو أنها تستمر بمرور الوقت.

في واحدة من أكثر النتائج التي توصلنا إليها إثارةً للاهتمام اكتشفنا أن العلاج العاطفي يمكنه تغيير نمط التعلق لدى شخص ما تغييرًا ملحوظًا. وفي عام 2016، نشرنا دراسة تضم مجموعة من 32 من الأزواج في حالة من التعاسة حضروا 20 جلسة من العلاج العاطفي. وفي بداية تلك الدراسة، قال المشاركون إنهم كانوا غير سعداء مع أزواجهم، بالإضافة إلى أنهم كانوا يعانون انفصالًا عاطفيًّا مزمنًا، مما يعني أنهم لا يمكنهم الثقة والبوح بما في أنفسهم وهم يشعرون بالأمان، أو الثقة بأن الطرف الآخر سيكون إلى جوارهم ويدعمهم عندما يحتاجون إليه.

وبالإضافة إلى أننا طلبنا من المشاركين تقييم أنفسهم في استبانة، طلبنا منهم مناقشة خلاف محدد في علاقتهم بأزواجهم في بداية العلاج ونهايته. وبالاعتماد على تلك المعلومات، حددنا نمط التعلُّق لدى كلٍّ منهم، وعلى الرغم من أنهم بدأوا بنمط تعلق غير آمن (سواء تعلق قَلِق أو متجنب للتواصل)، فقد كان تقييمهم لأنفسهم وتقييم بعضهم لبعض في نهاية العلاج يقع في نطاق التعلق الآمن؛ إذ نجحوا في اكتساب المهارات العاطفية الثلاث: الانفتاح والتجاوب والمشاركة. كما أنهم شعروا أن بإمكانهم الاعتماد على الطرف الآخر في تلبية احتياجاتهم للتواصل. وفي دراسة متابعة، نُشرت هذا العام، وجدنا أنه بعد عامين لا يزال هؤلاء الأزواج يرون علاقتهم آمنةً وقائمةً على الحب.

وتكشف هذه الدراسات أن أنماط الارتباط التي نتعلمها في مرحلة الطفولة المبكرة ليست ثابتة، بل يمكننا تغييرها إلى الأفضل. بالإضافة إلى هذا، فإن هذه العملية مهمة وجديرة بالاهتمام. وتشير الأبحاث التي أجريناها كذلك إلى أنه نظرًا لكون العلاج العاطفي يحسِّن من جودة العلاقات الرومانسية، فإن ما بإمكانه ليس فقط تقليل الشعور بالحزن والتعاسة الذي تسببه الخلافات التي يعاني منها الطرفان، بل المساعدة على بناء مقاومة الطرفين للحزن والتعاسة أيضًا. على سبيل المثال، في ورقة بحثية نُشرت في عام 2013، طلبنا من مجموعة تتكون من 24 من الأزواج المشاركة في تصوير دماغي، واستخدمنا الطرق نفسها التي استخدمها كون في تجربته التي تعتمد على الإمساك بيد شخص في أثناء التصوير الدماغي. وقد وجدنا أن الإمساك بيد الزوج قبل العلاج لم يَحمِ النساء من الشعور بالخوف أو الألم من الصدمة الكهربائية، ولكن بعد العلاج نجح في ذلك.

وقد أكدت فرق بحثية أخرى أن تحسُّن جودة العلاقات الذي يثمر عنه العلاج العاطفي يمكن أن يدعم شعور المرء بالسعادة بصورة أوسع نطاقًا. وفي دراسة تجريبية أُجريت في عام 2017 في مركز بالتيمور الطبي للمحاربين القدماء، وصف الباحثون العلاج العاطفي لمدة 36 أسبوعًا لمجموعة تتكون من 25 من الأزواج، إذ كان أحد الزوجين من المحاربين القدماء الذين عانوا من اضطراب ما بعد الصدمة. وقد توصلوا إلى أن الطرفين حققوا تحسنًا في الصحة النفسية بعد الخضوع للعلاج، وأن المحاربين القدماء ظهرت عليهم أعراض أقل بكثير من ذلك الاضطراب.

إن العلاج العاطفي يساعد الأشخاص على اكتساب المهارات التي يحتاجون إليها لتشكيل الحب والحفاظ عليه، إذ إنه يوضح كيف يمكن لعلم التعلُّق حديث العهد أن يكون بمنزلة دليل إرشادي إلى إصلاح العلاقات والوصول بها إلى بر الأمان والاستقرار. وعلى الرغم من أن الحب سيظل دائمًا عقارًا سحريًّا، يمكننا الآن تحديد الخطوط العريضة لتلك الرابطة العاطفية وأن نعرف حقيقتها جيدًا. وهذه المعرفة استثنائية في حد ذاتها وتمثل جزءًا من صرح الاكتشافات العظيم الذي يقدمه لنا العلم كي نسعى لعيش حياة ليست فقط أطول عمرًا وإنما أيضًا أكثر صحة وسعادة وإشباعًا لاحتياجاتنا. وفي نهاية الأمر، فإن العلاقات الأفضل في حياتنا هي التي تساعدنا على النجاة في خضم الأوقات العصيبة. وكما جاء في القول الذي نُسب إلى موتسارت: "الحب يحمي القلب من السقوط في الهاوية"، وهو أكثر من مجرد قول شِعري.