هل تَعرِف الحيوانات حقًّا ماهية نفسها؟ ظل هذا السؤال يحير الخبراء عقودًا من الزمن، وكانت الإجابات تختلف وفق شخصية مَن تسأله، ووفق تعريفه الخاص لمفهوم "إدراك الذات".

على مدار سنواتٍ، كان الاختبار الفاصل هو ذلك المعروف باسم اختبار البقعة الحمراء، والذي طَوَّرَه عالِمُ النفسِ جوردون جالوب. وفي هذا الاختبار، يضع الباحث بقعةً حمراء اللون عديمة الرائحة على جبين الحيوان وهو تحت تأثير مهدئ، ثم يراقِب ما يحدث عندما يواجِه الحيوانُ صورتَه في المرآة بعد إفاقته التامة من تأثير المهدئ. إذا حَرَّكَ الحيوان كَفَّه تجاهَ البقعة، فعندئذٍ يفترض الباحث أن الحيوان يتعرَّف نفسَه، وأنّه يمتلكُ درجةً من درجات إدراك الذات.

بيد أن اختبار البقعة الحمراء هذا في الواقع محدودٌ لدرجة تجعله غيرَ كافٍ للتوصل إلى هذا الاستنتاج. أولًا: لأنه يعتمد على فكرة أن الحيوانات تعرف أن المرايا تعكس الصور، وهو ما قد لا تفهمه إذا لم يكن لها خبرة سابقة بالمرايا. وثانيًا: -وربما كان الأمر الأكثر إشكاليةً- لأن الكثير من الحيوانات لا تعرف كيف يبدو مظهرُها، فالذي تتعرف عليه فقط هو رائحتُها وصوتُها. فالكلاب والذئاب، على سبيل المثال، تعتمد بقوة في تجولها في العالم على الإشارات الشميَّة أكثر من اعتمادها على الإشارات البصرية. وفي التجربة التي أطلقتُ عليها "الجليد الأصفر"، اكتشَفْتُ أن كلبي، واسمه "جيثرو"، يستطيع تمييز بوله الخاص ويستجيب لرائحة بوله بطريقة مختلفة عن استجابته لبول الكلاب الأخرى. ربما تفشَلُ حيوانات مثل "جيثرو" في اختبار البقعة الحمراء، لكنها مع ذلك تملِكُ بعضَ الإحساس بالذات، أو لديها شعور بملكية أجسامها وروائحها.

وقد كان عالِمُ التاريخ الطبيعي الأسطوري تشارلز داروين يرى أن البشر ليسوا الكائنات الوحيدة التي لديها إدراك للذات. ففي نظريته الخاصة بالاستمرارية التطورية، أكد أن الاختلافات بين الأنواع المختلفة من الكائنات هي اختلافات في الدرجة أكثر من كونها اختلافات في النوع. ومن ثَم، فإذا كان لدى البشر إدراك للذات، فالكائنات الأخرى على الأرجح أيضًا لديها صورة من هذه السمة. وفي خلال عملي المكثَّف في مراقبة الحيوانات البرِّيَّة والمستأنسة، وجَدتُ بالفعل أن كثيرًا من الحيوانات تُبدي مستويات مختلفة من إدراك الذات.

إن كون الفرد مدركًا لذاته لا يُترجَم بالضرورة إلى الإحساس بما أطلق عليه "الأنوية". فعندما يرى الحيوان انعكاس صورته مثلًا، قد لا يفهم أن "هذا هو أنا!" بنفس الطريقة التي يفهمها البشر، لكنه قد يعرف أن جسمه ملكه وأنه لا يخصُّ أحدًا آخر. وإن الأمثلة على هذا النوع من المعرفة بالذات كثيرة، فكثير من الحيوانات تعرف أين يكون جسمها في المكان المحيط بها عندما تجري أو تقفز، أو تتجول كمجموعةِ صيدٍ أو قطيع أو سربٍ مهاجر. كما قد تُبدي الحيوانات أيضًا سلوكًا ينُمُّ عن "امتلاكها" للغذاء ولمنطقة معينة ولعائلتها ولأجزاء جسمها.

ورغم أنه لا إجابة سهلة ومباشرة عن سؤال إدراك الذات في الحيوانات، فإن هذا الخط البحثي يقود إلى أفكار ثاقبة مدهشة حولَ ماهية الحيوانات، وماذا تعرف، وبِمَ تشعر. وربما لا نتوصل إلى فهمٍ تام لمستوى الوعي بالذات عند الحيوانات، لكنني أعتقد أن إدراك الحيوان لجسمه ولملكيته يساوي في نهاية المطاف الإحساس بالنفس.