وفق النظرية التطورية، انقسم –قبل مليارات السنين– السَّلَف المشترك وحيد الخلية لكل أشكال الحياة على الأرض إلى بكتيريا وعتائق. الآن تمكَّن العلماء من اصطناع ميكروب مُهندس وراثيًّا يجمع بين بعض خصائص كلا النطاقين، الأمر الذي يوفر نظرةً متعمقةً على الكيفية التي تم بها هذا الحدث المحوري.

تُعَد كل من البكتيريا والعتائق كائنات وحيدة الخلية وعديمة الأنوية، إلا أن هناك تكوينًا جينيًّا وكيميائيًّا متباينًا في كلٍّ منهما. على سبيل المثال، تتكون أغشية خلاياهما من نوعين مختلفين من الجزيئات الدهنية التي تُعرف بالليبيدات. وثمة فرضية قديمة بشأن سبب الفصل بين هذين النطاقين تقول بأن غشاء سلفهما المشترك كان يحوي كلا نوعي الليبيدات، الأمر الذي جعله غشاءً غير مستقر وربما راشحًا، وكذا أقل ملاءمةً من الناحية التطورية.

قرر فريق من علماء الأحياء الدقيقة في هولندا اختبار هذا التصور عن طريق إعادة تصنيع كائن حي بدائي بغشاء ذي ليبيدات هجينة. قام الفريق بتوصيل الجين المسؤول عن ليبيدات العتائق إلى بكتيريا Escherichia coli، وبعدها قام الباحثون بتعديل استقلاب هذه الكائنات لتعزيز إنتاج الجزيئات اللازمة لتكوُّن هذه الليبيدات. وفي أبريل الماضي أفاد الباحثون في دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز، يو إس إيه" Proceedings of the National Academy of Sciences, USA أن سلالة E. coli التي نتجت عن هذا اتسمت بأغشية خلوية محتوية على نسبة تصل إلى 30% من ليبيدات العتائق و70% من ليبيدات البكتيريا.

ولدهشة الفريق البحثي، نمت هذه الخلايا الجديدة بنجاح، كما أن الأغشية المختلطة كانت مستقرة. ووفق يوجين كونين -اختصاصي البيولوجيا التطورية والحوسبية بالمعاهد الوطنية للصحة، والذي قام بمراجعة الورقة البحثية لأغراض النشر في الدورية- فإن هذا ’’يُرجِّح كفة وجود أسباب تاريخية أخرى دعت إلى الفصل بين العتائق والبكتيريا‘‘.

يقول المؤلف المشارك في الدراسة أرنولد دريسن -الذي يعمل في جامعة خرونيجن- إن أحد التفسيرات البديلة هو أنه لم يكن هناك سلف مشترك وحيد، ’’بل خليط من أشكال الحياة المتعددة‘‘. ويتابع دريسن قائلًا إن أحد السيناريوهات الأكثر غرابةً هو أن السلف المشترك كان بلا غشاء، وكان ’’محض حساء مَحمي بجزيئات من الطين‘‘.

............................

نُشر هذه المقال في الأصل تحت عنوان ’’لغز الميكروب‘‘.