في نهائيات كأس العالم لكرة البيسبول عام 1954، حقق ويلي مايز -لاعب فريق نيويورك جاينتس- ما يعتبره الكثيرون أفضل التقاط للكرة في تاريخ لعبة كرة بيسبول، وذلك عندما التقط كرةً طويلةً مباشرةً إلى وسط الملعب أطلقها فيك ويرتز، لاعب فريق كليفلاند إنديانز. وقد تحدث المذيع بوب كوستاس عن الالتقاط الذي قام به مايز في سلسلة كين برنز الوثائقيّة بعنوان "البيسبول" قائلًا: "كان أكثر من مجرد التقاط رائع. كان التقاطًا لم يسبق لأحد أن رأى مثله من قبل.. لقد كانت حركةً تتجاوز –حتى ذلك الحين– حدود الممكن في كرة البيسبول". في تلك اللحظة، مد مايز آفاق عالم كرة البيسبول إلى أبعاد لم يسبق وجودها، تمامًا كما تتسع آفاق الكون -لكنها لم تتسع إلى شيء محدد؛ إذ لم يكن ثمة شيء هنالك قبل ذلك.

من ناحية أخرى، كان لبوب فيلر -رامي فريق إنديانز الذي شاهد اللعبة من مخبأ اللاعبين- رأيٌ آخر، إذ قال عندما ظهر في الوثائقي بعد كوستاس: "هذا الالتقاط أبعد ما يكون عن أفضل التقاط رأيته في حياتي، لقد كان رائعًا، لكننا كنا نعرف أن ويلي قادر على التقاط الكرة منذ البداية".

فكرتُ في هذه الحلقة أكثر من مرة حينما حضرتُ في شهر أبريل مؤتمرًا في مركز جامعة نيو سكول للمنح الدراسية العموميّة في نيويورك، وكان عنوان المؤتمر "المجهولية: كيف نعرف ما لا يمكن معرفته؟ Unknowability: How Do We Know What Cannot Be Known?". ونظرًا لأن الشك كان يملأني، شعرت بأني سعيد الحظ للعثور على قاعة المحاضرات بسهولة.

في مناقشته للمجهول، اقتبس ستيوارت فايرستاين -عالِم البيولوجيا بجامعة كولومبيا- ما اعتبره مقولةً مشكوكًا فيها، تفيد بأنه "من الصعب للغاية العثور على قط أسود في غرفة مظلمة، خاصةً إن لم يكن هناك قط أصلًا". وأضاف قائلًا: "أعتقد أن هذه بالضبط هي طريقة عمل العلم وتعامله مع ما نعتبره أمورًا لا سبيل إلى معرفتها؛ إذ إننا نخطو بحذر في الغرف المظلمة، وقد نجد هذا المخلوق، أو نجد مخلوقًا آخر مختلفًا تمامًا. لكن بمجرد أن نقرر ما إذا كانت الغرفة خالية أو فيها قط، فإننا ببساطة ننتقل إلى الغرفة المظلمة التالية".

كذلك اقتبس فايرستاين مقولة جيمس كليرك ماكسويل: "إن الجهل الواعي هو مقدمة كل تقدم حقيقي في العلوم"، وأضاف: "هذا هو نوع الجهل الذي أتحدث عنه، ولا أعني الاستخدام الشائع لكلمة "جهل"، ليس الغباء ولا عدم الاكتراث المتعمد للحقائق أو المنطق، إنكم تعلمون مَن الذي أتحدث عنه بالطبع، ولكن ما أقصده هو هذا النوع من الجهل الواعي الذي يمكن أن يتطور… السؤال الحقيقي بالنسبة لي هو أننا اكتسبنا بعض المعرفة، فماذا ينبغي على المرء أن يفعل بهذه المعرفة؟ والهدف من هذه المعرفة في رأيي هو خلق جهلٍ أفضل، إن سمحتم لي بالتعبير. ونظرًا إلى أن هناك جهلًا رديء الجودة وجهلًا عالي الجودة، فإن العلم في رأيي هو رحلة البحث عن جهلٍ أفضل". ومن المفترض أنه مع زيادة جودة الجهل، يرتفع مستوى ما يصاحبه من نعيم ورخاء.

وبعد أن أشار جون بارو -عالِم الرياضيات بجامعة كامبريدج- إلى أن "المجهول هو بطبيعة الحال مجال شاسع لم يستكشفه بشر- أشبه بدراسة كل شيء لا ينطبق عليه أنه موز"، قال إن وراء هذه المجهولات المجهولة تقبع الأمور التي لا يمكن معرفتها حقًّا. وقد قال كورت جودل… إنه إذا كان لدينا نظامٌ يحوي عددًا محدودًا من المُسَلَّمات… وإذا كان هذا النظام معقدًا بما يكفي ليحتوي على علم الحساب… وإذا كان هذا النظام متسقًا… فإن هناك عباراتٍ حسابيّةً لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها باستخدام قواعد علم الحساب ومُسَلَّماته".

وبسبب براعة جودِل في استنباط الرؤى العميقة، اشتهرت عنه قصة حول المقابلة الشخصية التي أجراها للحصول على الجنسية الأمريكيّة، إذ قيل إنه أعلن في مرح أنه اكتشف طريقة لتطبيق الدستور تُحَوِّل الولايات المتحدة إلى ديكتاتوريّة، (انظر أعلاه "إنكم تعلمون مَن الذي أتحدث عنه بالطبع") وتقول القصة إن صديقه آينشتاين، الذي كان حاضرًا في ذلك اليوم السعيد، قد أسرع بتغيير الموضوع.

قد يكون الغموض والمجهوليّة مُثَبِّطَيْن للهمم، إلا أن فايرستاين رأى أنهما قد يكونان مصدرًا للتفاؤل، كما في قصة السجين المحكوم عليه بالإعدام الذي أقنع الملك بتأخير حكم الإعدام لمدة عام، على وعد بأن يقوم بتعليم حصان الملك الكلامَ.

وقد سأل سجينٌ آخر زميلَه الذي نجا من الإعدام عما مسَّه من جنون دفعه لعقد صفقة جنونيّة كتلك. فأجاب السجين: "الكثير قد يحدث خلال عام؛ فقد يموت الحصان أو يموت الملك أو أموتُ أنا، أو قد يتعلم الحصان الكلام". وقد يبدو ذلك الخيار الأخير مفرطًا في التفاؤل، إلا أنه بطبيعة الحال أفضل من الإعدام.