• "لا بد أنكِ تمزحين أيتها الطبيبة، فأنا بالكاد أستطيع إبقاء عينيَّ مفتوحتين، وأنتِ تريدينني أن أقضي الليل بطوله مستيقظة!".
  • ارتسمت ابتسامة على وجهي وقلت لها: "نعم، بالضبط، بل وربما لليلتين أو ثلاث".

بدأ الأمر بشكل بسيط للغاية؛ كانت جودي (وهو ليس الاسم الحقيقي للمريضة) تشعر بمزيد من التوتر والإجهاد نتيجة للمسؤوليات الملقاة على عاتقها؛ ما بين تلبية المطالب المتزايدة لوظيفتها عالية المخاطر في إدارة الأعمال ومسؤولية الاضطلاع بمزيد من الأعمال المنزلية عندما كان زوجها يضطر إلى السفر في رحلات عمل. ونظرًا لضيق الوقت، بدأت جودي تهمل بعض الطقوس المعتادة للعناية بالنفس: مثل تناول الطعام الصحي وممارسة التمرينات الرياضية والاسترخاء لبعض الوقت. لذا لم يكن من المستغرب أن تسوء حالتها المزاجية مع الوقت.

وسرعان ما تدهورت الأمور أكثر؛ فلم تعد جودي تستمتع بالأنشطة المعتادة التي كانت تمثل لها أبرز ما في أحداث حياتها اليومية، مثل الوقت الذي كانت تقضيه مع أطفالها لتقص عليهم الحكايات، والحديث في الهاتف مع والدتها، وقراءة الكتب. ورغم أن جودي كانت تشعر دائمًا بالإرهاق الشديد، فإنها لم تكن تستطيع الاستمتاع بليلة من النوم العميق، بل كانت تظل تتقلب في فراشها وهي لا تزال تشعر بالتعب، حتى في الأيام التي كان يغلبها النعاس حتى تتأخر عن ميعاد استيقاظها. وبدأ أداء جودي في العمل يتأثر، فبدأت تتغيب في بعض الأيام لأنها لم تكن تستطيع النهوض من الفراش.

تدرك جودي الآن أنه كان ينبغي التعرف على تلك الإشارات التحذيرية في وقت مبكر، فقد كانت أصيبت بالاكتئاب الشديد مرتين من قبل، الأولى عندما كانت لا تزال تدرس في الجامعة، والثانية في أواخر العشرينيات من عمرها بعد انتهاء إحدى علاقاتها العاطفية بالانفصال. والآن وبعد أن وصلت جودي إلى أواخر الثلاثينيات، كانت قد توقفت عن تعاطي مضادات الاكتئاب لسنوات طويلة. ولكنها وجدت نفسها تعود من جديد إلى تلك البقعة المظلمة، فهي بالكاد تأكل وغير قادرة على التركيز بما يكفي حتى لقراءة فقرة قصيرة. وكانت أفكارها تدور حول نفس الذكريات الأليمة والمخاوف المزعجة، ومشاعر اليأس والإحساس بالذنب تسيطر عليها.

وعندما جاءت جودي لمقابلتي، أكدتُ لها الشكوك التي كانت تراودها: أنها قد تعرضت لانتكاسة وأصيبت بنوبة اكتئاب شديدة. ولحسن الحظ أن جودي لم يكن يراودها التفكير في إيذاء نفسها، ولأنها كانت تحظى بدعم ومساندة جيدة من أفراد عائلتها وأصدقائها لم تكن هناك حاجة لدخولها المستشفى. نصحتُ جودي بأن تبدأ في تعاطي أحد مضادات الاكتئاب على الفور، فوافقت على ذلك ولكنها أصيبت بخيبة أمل عندما علمت أن مفعول ذلك الدواء ربما يتأخر لفترة تتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع من بدء العلاج؛ فقد كانت قد قصرت في عملها بالفعل، وكان موسم الأعياد على وشك أن يبدأ، ولم تعد جودي ترغب في أن توقف حياتها بسبب الاكتئاب. فسألتني جودي في ألم: "أما من وسيلة أسرع تأثيرًا؟".

أجبتها: "حسنًا، هناك استراتيجية واحدة يمكننا تجربتها. ما رأيك في أن تتنازلي عن النوم لبضع ليالٍ؟".

ارتسمت الدهشة في أوضح صورها على وجه جودي وقالت: "لا بد أنكِ تمزحين أيتها الطبيبة، فأنا بالكاد أستطيع إبقاء عينيَّ مفتوحتين، وأنتِ تريدينني أن أقضي الليل بطوله مستيقظة!".

ارتسمت ابتسامة على وجهي وقلت لها: "نعم، بالضبط، بل وربما لليلتين أو ثلاث".

تتميز العلاجات المعتادة باستخدام مضادات الاكتئاب في أغلب الأحيان بفاعليتها في علاج الاكتئاب، ولكنها تستغرق بعض الوقت حتى يبدأ مفعولها. وفي السنوات الأخيرة، ركزت الأبحاث على محاولة التوصل إلى علاجات يمكنها تخفيف الأعراض في غضون أيام في مقابل العلاج الذي يستغرق أسابيع. ورغم أن الأمر قد يبدو معارضًا للمنطق، فثمة نهج قديم -وغالبًا ما يطويه النسيان- لتحسين الحالة المزاجية بسرعة، يتضمن الحرمان من النوم لفترة قصيرة. وكما يوضح تحقيق نشرته دورية "كارانت سايكايتري ريبورتس"Current Psychiatry Reports  في عام 2015، فإن العلاجات التي تعتمد على التحكم في النوم يمكنها أن تُسهم إسهامًا كبيرًا في تحسين أعراض الاكتئاب. ولكن هذا النوع من العلاج ليس مناسبًا للجميع -فلا يُنصَح على سبيل المثال باستخدامه مع المرضى من كبار السن والأشخاص المصابين بحالات التدهور الإدراكي- كذلك لا ينبغي للمرضى تجربته من دون استشارة الطبيب وإشرافه. غير أن هذا العلاج بإمكانه أن يجعل المريض يشعر بالراحة قبل أن يبدأ مفعول الأدوية في الظهور.

إن مشكلات النوم تعد من الأعراض الأساسية للاكتئاب؛ إذ تؤدي إلى تفاقم الشعور بالتعب وتزيد من أوجه الضعف الإدراكي، وهي أيضًا من الأعراض الرئيسية للاكتئاب، مما يجعل أداء المرء لمهام حياته اليومية أكثر صعوبة. يحاول المرضى في أغلب الأحيان التأقلم مع ذلك الوضع من خلال الحصول على بضع ساعات من النوم نهارًا، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة الخلود إلى النوم في الليل، ومن ثَم يغذي اختلال دورة النوم واضطرابها. وقد قادت تلك الملحوظات الكثير من الباحثين إلى التساؤل عن العلاقة بين النوم والحالة المزاجية، وكذلك عن ماهية المحددات البيولوجية التي تقف وراء تلك العلاقة.

جميع المخلوقات تحتاج إلى النوم، أو على الأقل تتبع إيقاعًا بيولوجيًّا يعتمد على دورة الضوء والظلام لكوكب الأرض. وفي الحيوانات، تقوم تجمعات من الخلايا العصبية بنشاط إيقاعي يُعتقد أنه يمثل أساس الساعة البيولوجية الداخلية، وهذه الساعة الرئيسية يمكن العثور عليها في النواة فوق التصالبية في الدماغ. فإذا تعرضت هذه المنطقة للضرر، تصبح الإيقاعات الجسدية اليومية غير منتظمة. كذلك أظهرت الأبحاث أيضًا أن التنظيم الجيني للإيقاعات البيولوجية يكون غير متوازن لدى الأشخاص الذين يعانون نوبات الاكتئاب الشديد.

تتأثر الدوائر الحساسة للإيقاعات البيولوجية اليومية بإشارات خارجية، أهمها ضوء الشمس. إذ تتلقى تلك الدوائر من العين المعلومات الخاصة بموعد ظهور ضوء الشمس ومدته؛ فتعمل مجموعة فرعية خاصة من الخلايا في شبكية العين -توجد تحديدًا في مؤخرة مقلة العين- على نقل تلك المعلومات، حتى لدى الأشخاص المصابين بفقد البصر.

وقد شعر الكثيرون منا بمدى قوة الاختلال الذي يصيب الإيقاعات البيولوجية عند السفر إلى منطقة زمنية أخرى. والاسم الشائع لعدم التوافق بين دورة الضوء والظلام البيئية ودورة المُنظِّمات العصبية البيولوجية لدينا بشكل عام هو "اضطراب الرحلات الجوية الطويلة". (ويتعرض الإنسان لتلك التجربة ولكن بدرجة أقل مرتين في العام في أثناء الانتقال إلى التوقيت الصيفي). قد يستغرق الأمر عدة أيام حتى تتمكن الدوائر العصبية من مواكبة الجدول الزمني الجديد لدورة الضوء والظلام، ولكن في تلك الأثناء تتعرض دورة النوم للاضطراب ولا يحدث توافق بين الشهية لتناول الطعام ومواعيد الوجبات، كما يمكن أن تتأثر الحالة الذهنية كذلك.

ويبقى السؤال: هل يمكن لضبط إيقاع هذه الدورات أن يعيد ضبط الحالة المزاجية، ومن ثَم يعالج الاضطرابات المزاجية؟ في الواقع، لقد كان معروفًا على مدار مئتي عام أن الحرمان من النوم يمكن أن يعالج الاكتئاب بشكل سريع. (في عام 1818 قدم الطبيب النفسي الألماني يوهان كريستيان أوجست هاينروث وصفًا لهذا الأسلوب العلاجي في كتابه الذي يحمل عنوان "كتاب اضطرابات الحياة النفسية" Textbook of Disturbances of Mental Life). ومنذ ستينيات القرن العشرين، أظهرت دراسات إكلينيكية متعددة أن الحرمان من النوم ولو لليلة واحدة فقط يمكنه تخفيف الأعراض، كما سجلت ورقة بحثية نُشرت في عام 2015 حدوث تحسن سريع لدى نسبة تتراوح بين 50% و80% من الأشخاص المشاركين في التجربة.

من المُعتقد بصفة عامة أن النوم يُعَد من القوى المُسهِمة في استقرار الحالة المزاجية، وهو بالطبع أحد الأعراض الأولى التي يستهدفها الأطباء المعالجون، غالبًا عن طريق الأدوية، من أجل مساعدة المريض على الشعور بتحسن. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسات أن الحرمان من النوم يؤثر على نشاط النواقل العصبية عبر شتى أنحاء الدماغ، بالضبط مثل مفعول بعض الأدوية. في عام 2015، اكتشف علماء من المركز الطبي بجامعة فرايبورج في ألمانيا، وجامعة بون في ألمانيا، وجامعة نابولي فيدريكو الثاني في إيطاليا، ومعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، أن تأثيرات الحرمان من النوم ومضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات وعقار الكيتامين على الحالة المزاجية ربما تركز جميعها على نفس الهدف الجزيئي، وهو مُستَقبِل يقع في الفصوص الجبهية للدماغ والذي ربما يؤثر نشاطه في نهاية الأمر على الروابط الدماغية ذات الصلة بضبط الحالة المزاجية.

ولكن لسوء الحظ، فإن التقدم الذي يحققه العلاج بالحرمان من النوم بمفرده ليس طويل الأمد، فعادةً ما تعود أعراض الاكتئاب في غضون أسبوع واحد، وهو ما يترك فترة تتراوح بين 4 أسابيع إلى 6 قبل أن يبدأ مفعول مضادات الاكتئاب في العمل.

وعلى أية حال، ربما تكون هناك وسيلة للحفاظ على فوائد هذا العلاج باستخدام مقياس الإيقاع البيولوجي اليومي المطلق، ألا وهو ضوء الشمس. في واحدة من أولى الدراسات التي جمعت بين العلاج بالنوم والعلاج بالضوء كامل الطيف، طلب الأطباء النفسيون بجامعة فيينا من عشرين مريضًا -لديهم أعراض الاكتئاب، وكانوا قد تعرضوا للحرمان من النوم- تعاطي العلاجات المضادة للاكتئاب بالتزامن مع التعرض إما للضوء الخافت أو للضوء الساطع. وقد أظهرت النتائج التي نُشرت في عام 1996 أن المرضى الذين استجابوا على نحو جيد للحرمان من النوم أسهم تلقيهم لجرعة يومية من الضوء الساطع في الحفاظ على الأثر المضاد للاكتئاب لفترة النوم المحدود طوال مدة التجربة التي استمرت سبعة أيام.

في الوقت الراهن أبحث مع زملائي في مدى إمكانية الحفاظ على ذلك التقدم الذي أحرزه العلاج لمدة أطول. لذا عُرضت على جودي فرصة المشاركة في دراسة جديدة "للعلاج بقلة النوم" والتي تجمع بين الحرمان من النوم والنوم المحدد بوقت (بمعنى اتباع جدول زمني يتم فيه تغيير وقت النوم على مدار عدة أيام) والعلاج بالضوء. وقد كانت جودي مترددة في البداية ولكنها تذكرت أنها بالفعل لا تنال قسطًا كافيًا من النوم، ومن ثَم فلم يكن لديها ما تخسره.

لكي تتجنب جودي الإصابة بالإرهاق في مكان عملها، بدأت العلاج في عطلة نهاية الأسبوع، والتزمت بجدول زمني صممناه خصيصًا ليتناسب معها وخاضت فترة من الاستيقاظ الممتد "طوال الليل". وبعد هذه المرحلة بدأت جودي تتبع روتينًا محددًا يتضمن مواعيد معينة للنوم والاستيقاظ من أجل تغيير دورة النوم الخاصة بها. كذلك كانت جودي تجلس أمام صندوق ينبعث منه ضوء كامل الطيف وقت الإفطار كل صباح.

عندما قابلت جودي في الأسبوع التالي أخبرتني أنه رغم أن قضاء الليل بطوله مستيقظة كان أمرًا شاقًّا، فقد لَحَظت تحسنًا جوهريًّا في أعراض الاكتئاب، بل إنها لم تعد تشعر بالاكتئاب وأصبحت قادرة على العودة إلى العمل، كما أنها كانت أكثر نجاحًا في التعامل مع ضغوط الحياة اليومية. استمرت الجلسات العلاجية، وفي غضون بضعة أسابيع، وبمساعدة بعض الأدوية والعلاج بقلة النوم والعلاج النفسي، عادت جودي إلى طبيعتها مجددًا، وفي الوقت المناسب للاحتفال بموسم الأعياد.