هل تعاني من مشاعر المنافسة بين أطفالك؟ إننا نتحدث عن ذلك في كل وقت، ولكن ما يقلقنا حقًّا هو المشاحنات المستمرة التي يمكن أن تحول أي بيت سعيد إلى ما يشبه ساحة الحرب. في هذه الحالة يتخطى الأمر المنافسة إلى ما يمكن وصفه بحالة الصراع بين الأطفال.

بعد الفصل بين أطفالنا مرارًا وتكرارًا، وتذكيرهم للمرة الألف بضرورة محاولة أن يكونوا ألطف قليلًا بعضهم مع بعض، يراود الكثيرين منّا شعور بأننا لن نتمكن مطلقًا من وضع حد لمعاركهم.

ولكن تقليل عدد هذه الصراعات وحدتها أمر ممكن؛ وذلك إذا ما توصلنا إلى الاتفاق المناسب معهم.

وهنا يأتي دور المعرفة بالسلوك البشري، وتصبح الاستفادة من نظرية الألعاب ممكنة. فقد اكتشف علماء النفس أن الطريقة التي ينتهجها الأطفال في المفاوضات -سواء كانوا يتميزون بالمشاركة أو تحولوا إلى أشخاص حاقدين- تعتمد في جزء كبير منها على مفاهيم اللعب العادل، وقد ابتكر خبراء نظرية الألعاب وسائل مختلفة للمُضيّ في أي تفاوض؛ قد ينتج عن بعضها نتائج أكثر عدالة من البعض الآخر. ويتطلب تنفيذ بعض الخطط وجود سلطة ما، مثل سلطة الأب أو الأم، في حين أن بعض الخطط الأخرى مصمم بحيث ينظم التفاوض دون الحاجة إلى أي شخص ذي سُلطة لتنفيذها، ويعني هذا أن بإمكاننا، مع الحوافز المناسبة، تعليم الأطفال التوصل إلى اتفاقات عادلة معتمدين على أنفسهم.

سيفوز الجميع إذا أدرك الأطفال بأنفسهم أن التعاون يهزم الصراع، وإذا قرروا التعاون فيما بينهم دون تهديدات من السُّلطة الأبوية. والعامل الأساسي هنا ليس الصراع الدائم بين الأطفال في كل مرة يشتركون فيها في أداء أمر ما؛ فهم لن يفعلوا ذلك، ولكن إذا عرف الأطفال أنهم يجب أن يلتقوا في مفاوضات مرة أخرى -ربما بعد خمس دقائق ليقرروا مثلاً أي فيلم سيشاهدونه- فقد يدركون أن التعاون هذه المرة سيجعلهم يظفرون من أشقائهم بمعاملة أفضل في المرات القادمة.

تعلُّم قيمة التعاون

التعاون جزء من تكويننا البيولوجي، وهو لا يقتصر على البالغين أو حتى على البشر؛ إذ يحدث التعاون بين كثير من الكائنات الحية ؛ بدءًا من الأسماك والخفافيش ووصولاً إلى الطيور والقردة، وقد بحثت أخصائية علم النفس في جامعة هارفارد "إليزابيث إس. سبيلك"، وهي رائدة في دراسة الإدراك لدى الأطفال، طريقة تعليم الأطفال التعاون، حيث تشير إلى أن الأشخاص البالغين يفضلون التشارك مع ثلاث مجموعات: الأشخاص الذين يرتبطون معهم بعلاقات وثيقة، والأشخاص الذين بدءوا بالتشارك معهم قبل ذلك؛ حيث يرغبون في مكافأتهم بأن يكونوا كرماء معهم في المقابل، والأشخاص الذين تشاركوا مع الآخرين؛ لأننا نحب مكافأة الكرم حتى ولو لم يكن موجهًا لنا (يطلق خبراء نظرية الألعاب على هذا اسم "المعاملة بالمِثل غير المباشرة" indirect reciprocity).

وتكمن المشكلة في أننا لا نعرف كيف اكتسبنا تلك التفضيلات. هل تم غرسها فينا خلال تطورنا؟ هل تعلمناها من خلال خبرتنا مع الآخرين، أو في تعليمنا الديني، أو من خلال عائلاتنا؟

في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، أجرت سبيلك وأخصائية علم النفس كريستينا ر. أولسون -التي تعمل الآن في جامعة واشنطن- سلسلة من التجارب في عام 2008؛ إذ حققتا في البداية رغبة الأطفال في التشارك مع أفراد العائلة. وعملت سبيلك وأولسون مع مجموعة مكوَّنة من 20 ولدًا وبنتًا في عُمر الرابعة تقريبًا، حيث قامتا بتمثيل كل طفل باستخدام دمية، أطلقوا عليها اسم البطل، وقد مُنح كل طفل الدمية البطل الخاصة به، وأعطوا الدمية أشياء لكي تتشاركها مع الدمى الأخرى، مثل الموز والبرتقال البلاستيكي والبط المطاطي والحلوى وغيرها، وقد قُدِّمت هذه الدمى للأطفال بوصفها تمثل الأشقاء أو الأصدقاء أو الغرباء، وقد ظهر أنه، حتى في هذه السن المبكرة، قام الأطفال بتوجيه الدمى الأبطال الخاصة بهم لإعطاء هدايا للأشقاء أكثر من الأصدقاء، وإعطاء الأصدقاء أكثر من الغرباء.

وفي تجربة مماثلة، قرأت العالِمتان للأطفال قصة تروي أن بعض الدمى الأخرى قدمت هدايا للدمى الأبطال الخاصة بهم، ولذا أعطى الأطفال بدورهم توجيهات إلى دماهم الأبطال لتوزيع كمية أكبر من الهدايا على الدمى التي منحتهم أشياء أكثر، مما يثبت مبدأ المعاملة بالمِثل. وفي التجربة الختامية، أعطى الأطفال الدمى التي كانت كريمة مع الآخرين أكثر مما أعطوا الدمى التي لم تكن كريمة مع أي أحد.

وقد استنتجت أولسون وسبيلك أن الدراسات مجتمعة "تقدم الدليل على أن ثلاثة مبادئ محددة هي التي تنظم شبكات التعاون المعقدة الناضجة، التي تظهر في مرحلة الطفولة المبكرة"، ولا يبدو أن الأطفال يتعلمون هذه المبادئ من خبرة الاحتكاك بالكبار أو من التعليم الديني أو الأخلاقي؛ إذ قد تنشأ هذه المبادئ خلال نمو ذواتهم أو من خلال تفاعلهم مع غيرهم من الأطفال. الأهم من ذلك، هو أنه يمكنهم تعلم هذه المبادئ من بيئاتهم الأسرية أيضًا.

إن هذا النوع من الكرم -والاهتمام الخاص بالأشقاء- يتعلق باهتمام الطفل بالتعاون وحس اللعب العادل. وقد صرحت الأخصائية النفسية كاثرين ماكوليف -وتعمل الآن في كلية بوسطن- قائلة: "ربما تطورت قيمة العدالة بشكلٍ ما لتدعم قيمة التعاون، لكننا لا نعرف حتى الآن كيف يعمل ذلك بالتحديد". ولكن، ووفق ماكوليف، كان يراودها وزملاءها عددٌ من الأفكار. إحداها أننا نحتاج إلى معرفة ما سنحصل عليه مقابل التعاون مقارنة مع ما نقدمه، وتوضح كاثرين قائلة: "إنك ترغب في تجنب المواقف التي يتم استغلالك فيها"، فإذا كنّا جميعًا نحاول زيادة الربح الذي نحصل عليه في أي موقف، فسنصبح أكثر استعدادًا للتعاون عندما يمنحنا ذلك الربح.

تنفيذ اللعب العادل

فكر في معضلة صغيرة: ماذا لو أزحت مكعبات لعبة الليجو والألغاز جانبًا، وأبعدت الأزياء ومجموعة "ماي ليتل بوني"، التي تتراكم على أرضية غرفة نوم الأطفال. (من أين كل هذه الأشياء؟). لقد حان وقت التنظيف، ولكن أيًّا من أطفالك لن يتزحزح من مكانه، فكل واحد منهم ينتظر الآخر كي يبدأ، ويبدو التعاون أملًا بعيد المنال.

إن النجاح في هذا النوع من السيناريوهات لا يأتي عادةً إلا بعد تفاوض الأشقاء بعضهم مع بعض مرارًا وتكرارًا، مما يصقل فهمهم لمعاني العدالة.

ولتحقيق ذلك، تحتاج إلى إجراء تغيير في معضلة السجينين Prisoner's Dilemma الكلاسيكية في نظرية الألعاب، وسوف نطلق عليها معضلة السجينين التكرارية Repeated (or Iterated) Prisoner's Dilemma. ففي معضلة السجينين، يجري الفصل بين اثنين من السجناء، ومنحهما خيار الاعتراف أو الصمت، فإذا صمتا كلاهما، سيُحكم على كل منهما بعقوبة قصيرة عن جريمة بسيطة، وإذا اعترف أحدهما فقط، ينال العفو، ويُحكم على الآخر بالسجن لمدة أطول، أما إذا اعترف كلاهما على الآخر، فسيُحكم عليهما بعقوبات متوسطة.

إن الصمت هو الخيار الأفضل لكليهما، إذ لن يُحكم عليهما سوى بعقوبات قصيرة، لكن أول الإنجازات وأكثرها استمرارية في نظرية الألعاب تبين أن كليهما سوف يعترف دائمًا، فمن دون معرفة ما سيفعله الآخر، لا يكون لديهما خيار سوى الاعتراف، فكل سجين يريد حماية نفسه من تلقي عقوبة أشد.

في معضلة السجينين التكرارية، يواجه السجينان -أو دعنا نقل الشقيقان- مرارًا وتكرارًا فرصة التزام الصمت أو الاعتراف على الآخر، والآن تصبح اللعبة أكثر تشويقًا؛ فقد يختار ابنك أن يعترف على ابنتك، وقد ترد هي بأن تعترف عليه أيضًا، ولكن إذا ظل ابنك صامتًا، فربما تقدم له ابنتك في المرة القادمة نفس المراعاة في المقابل. لماذا؟ لأنها ترى أن اللطف قد يكون جيدًا لكليهما. إذا كنا نستطيع جعل الشقيقين يسيرون على هذا الدرب، فسوف يزيد التعاون بينهما على الأرجح، وسيؤدي السلوك الجيد لأحدهما إلى دعم الآخر.

وقد أثبت خبراء نظرية الألعاب أن هذا صحيح، وأطلقوا على هذه الاستراتيجية اسم "tit for tat" أو "واحدة بواحدة". إننا ندرك أن مبدأ "واحدة بواحدة" قد يبدو آخر شيء نريد أن نشجع أطفالنا عليه، ولكنه في نظرية الألعاب يعني أنه إذا بدأ ابنك خطوة نحو التعاون، فقد تتعاون ابنتك معه أيضًا، سواء من خلال التزام الصمت، أو قد تتخلى عن أخيها من خلال الوشاية به؛ ولكن كل ما ستفعله سوف يفعله شقيقها بالضبط من الآن فصاعدًا، فإذا تعاوَنَتْ معه فسوف يتعاون معها في المرة القادمة، وإذا تخلت عنه فسوف يفعل هو ذلك. أليس هذا منطقيًّا؟ إن استراتيجية "واحدة بواحدة" هي "القاعدة الذهبية" كما يراها خبراء نظرية الألعاب.

وفي حين يقول البعض إن الأطفال لن يتعاونوا أبدًا في ظل عدم وجود سُلطة، فإن روبرت أكسلرود -وهو أحد الرواد في مجال البحوث عن التعاون، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة ميشيجان- لديه رؤية أكثر تفاؤلاً عن الطبيعة البشرية، فهو يؤمن بأن الأفراد يمكن أن يتعاونوا حتى ولو لم يشعروا بالاهتمام إزاء رفاهية الآخرين أو رفاهية جماعتهم ككل.

وفي حوالي عام 1980، برهن أكسلرود على هذه النقطة من خلال إنشاء منافسة حاسوبية مُحاكية، يلعب فيها خبراء نظرية الألعاب معضلة السجينين التكرارية بعضهم ضد بعض، وقد طلب أكسلرود من أصحاب نظرية الألعاب الفعليين تقديم الاستراتيجيات التي يظنون أنها الأكثر نجاحًا، وتقدم أربعة عشر خبيرًا بحلول مقترحة.

"دهشتي كبيرة"... كانت هذه هي كلمات أكسلرود، عندما أجرى محاكاة الكمبيوتر باستخدام الإدخالات الـ14 الأولى؛ إذ فازت استراتيجية واحدة بواحدة "tit for tat" -التي قدمها عالِم علم النفس الرياضي الراحل أناتول رابوبورت، من جامعة تورونتو- على جميع الاستراتيجيات الأخرى الأكثر تعقيدًا، وقد كانت هذه الطريقة هي الأكثر فاعلية في تشجيع التعاون في معضلة السجينين. كانت هذه أخبارًا عظيمة، فقد ظهر التعاون في غياب أي تهديد من أي سلطة، أو كما قال أكسلرود: "فإن التعاون القائم فقط على المعاملة بالمِثل يبدو ممكنًا"، وللتأكد من النتائج، أجرى أكسلرود المسابقة الحاسوبية مرة أخرى، وحصل هذه المرة على 62 إدخالاً من خبراء الكمبيوتر وعلماء الأحياء والفيزياء وغيرهم، وقد تضمنت الإدخالات جميع أنواع الاستراتيجيات الرياضية البارعة، ومرة أخرى قدَّم رابوبورت طريقة "واحدة بواحدة"، وكانت المفاجأة أنها فازت مرة أخرى.

لذلك، فعندما يواجه أطفالك معضلة صغيرة، يكون لدى كل منهما الحافز للتخلي عن الآخر، كما هو الحال في معضلة السجينين، ولكن في معضلة السجينين التكرارية -كما هو الحال في غرفة اللعب- فإنهما سرعان ما يلتقيان مرة أخرى، عندما تنتقل الدمى إلى وسط أرضية الغرفة، مثل قطيع من الحيوانات البرية التي تتجمع على حشائش السافانا الأفريقية.

إن أفضل أسلوب مُثبَت رياضيًّا يمكن اتباعه بواسطة الآباء والأمهات، هو تشجيع أطفالهم على اتباع استراتيجية "واحدة بواحدة". سيرتب ابنك وابنتك الألعاب بالتبادل واحدًا تلو الآخر حتى تصبح الغرفة نظيفة. إنهما بهذه الطريقة يتعاونان ويعملان بشكل متساوٍ، ويمكنك مكافأة كليهما بالآيس كريم. استمر في اللعبة، وتابع مَن عليه الدور، واحرص بشكل صارم على أن تكون عادلاً. إن كل طفل لديه حافز لتنظيف الغرفة لأن ذلك سوف يشجع الآخر على أن يحذو حذوه.

ما بعد "واحدة بواحدة"

إذا كنت تعتقد أن هذا النهج لن يصلح مع أطفالك، فأعد التفكير. إذ يشير أكسلرود إلى أنه عمل على مواقف أكثر تقلبًا وخطورة من علاقات الأشقاء. أحد أكثر مواقف التعاون صعبة التصديق ظهرت في أوروبا، خلال حرب الخنادق الدموية في الحرب العالمية الأولى، حيث ابتكر جنود خط المواجهة، الذين تلقوا أوامر بقتل خصومهم، نوعًا من استراتيجية "واحدة بواحدة"، مما أدى إلى تقليص إراقة الدماء إلى حد كبير. ففيما يشار إليها باسم سيناريو "عِش ودعِ الآخرين يعيشون"، امتنع الجنود على أحد الجانبين عن إطلاق النار بقصد القتل إذا عاملهم الجانب الآخر بالمثل.

إذًا فمَن من أطفالك سيبادر أولاً؟ يمكنك أن تحاول بدء التعاون بأن تتناوب العمل مع أحد الأطفال حتى ينضم الأخ المعاند إليكم، أو يمكنك أن تجرب الاستراتيجيه المقابلة: أن تصبح أنت الشخص الذي يرفض التعاون، سيسير الأمر على هذا النحو: عندما يرفض الأطفال رفع الدمى من أرضية الغرفة، قل لهما إنك ستدخل وتلتقطها بنفسك، ولن يحصل أي منهم على الآيس كريم جزاء عدم قيامهما بما ينبغى عليهما القيام به. ستجد في كثير من الأحيان أنهم سرعان ما يدركون أن عليهم التعاون قبل أن تنظف بنفسك ويفقدوا مكافأتهم الموعودة.

إن ما تبذله من جهود لتعطيل اللعبة بقسوة سيدفع أطفالك إلى التعاون، وتذكَّر أن أطفالك في المرة القادمة قد يقررون تنظيف الفوضى قبل أن تقرر التدخل، بعد أن يكونوا قد تعلموا أن التعاون ربما كان أسهل من التخلي عن الآخر، وأنه يؤدي إلى المزيد من الآيس كريم.

وقد اتخذ أكسلرود هذا الأسلوب إلى أبعد من ذلك، إذ أضاف إليه مفهوم الكرم. لنفترض أن ابنك يلتقط المجموعة الأولى من قطع مكعبات الليجو، ثم تلتقط ابنتك المجموعة التالية، ويستمر ذلك حتى تقرر ابنتك أنها تعبت ولا ترغب في الاستمرار. فوفقًا لمبدأ "واحدة بواحدة"، يجب أن يتوقف ابنك أيضًا؛ فالقاعدة هي أنه يفعل كل ما تفعله شقيقته، ولكن لنفترض أنه يحسب أنها ستكثف جهدها من جديد وتكمل المهمة، لذا فإن عليه أن يستمر في التقاط قطع المكعبات، متيحًا لها فرصة تغيير أسلوبها، لتعود مرة أخرى إلى مساعدته، وهذا ما يطلق عليه أكسلرود اسم استراتيجية "الواحدة بواحدة الكريمة" generous tit for tat، حيث يسمح ابنك لشقيقته بالتهاون قليلاً بين الحين والآخر.

أو قد يحدث العكس، فترفض ابنتك أخذ دورها في التقاط قطع المكعبات، ويتوقف ابنك بدوره عن التقاط القطع، وهنا تشعر ابنتك بالأسف لأنها هدمت التعاون، وتقرر التقاط مجموعة أخرى من قطع المكعبات، ويبادلها ابنك بالمثل. هذا ما يطلق عليه أكسلرود اسم استراتيجية "الواحدة بواحدة النادمة" contrite tit for tat،

وقد كتب أكسلرود: "من المرجح أن تكون استراتيجية "الواحدة بواحدة الكريمة" فعالة، كما قد تكون استراتيجية "الواحدة بواحدة النادمة" فعالة كذلك؛ لأن بإمكانها تصحيح أخطائها، واستعادة التعاون المتبادل بشكل فوري تقريبًا".

ولكن هذا لا ينجح دائمًا، فالحقد أو النكاية -وهي القريب البغيض للتعاون- (إذا ما أعدنا صياغة تعبير خبراء نظرية الألعاب، روري سميد من جامعة نورث وسترن، وباتريك فوربر من جامعة تافتس) قد يقتل التعاون، ونحن نتحدث هنا عن التعريف النفسي للنكاية، أي أن تكون على استعداد لتحمل تكلفة مقابل أن يتحمل شخص آخر تكلفة أكبر. قد تكون النكاية أسرع السبل لتدمير التعاون بين الأشقاء، ولكن حتى وقت قريب، كنّا نعرف القليل حول ما إذا كان الأطفال يتصرفون تصرفات نابعة من النكاية أم لا، وقبل بضع سنوات، بحثت ماكوليف في هذا السؤال بالذات.

قوة النكاية

نحن نعلم أن البشر يتمتعون بميزة فريدة من نوعها؛ وهي التعاون مع الأشخاص الغرباء عنهم تمامًا، أما الحيوانات فلا تفعل ذلك في العادة. ربما يتعلق هذا التعاون بحس العدالة والنفور من الظلم، ويظهر هذا النفور لدى الأطفال في سن الرابعة أو الخامسة، وقد أجرت ماكوليف ومعاونوها الكثير من الأبحاث التي تثبت هذا، ولكن ما أرادت ماكوليف أن تسأل عنه قبل ذلك هو: لماذا يرفض الأطفال الظلم وعدم المساواة؟ لماذا يكونون مستعدين للتخلي عن أشيائهم الخاصة أحيانًا من أجل حرمان شخص آخر من مكافأة أكبر؟

لمعرفة ذلك، استخدمت ماكوليف وزملاؤها، في عام 2014، أزواجًا من الأطفال تتراوح أعمارهم بين أربعة أعوام وتسعة أعوام، وقارنوهم بأزواج من البالغين، في تجربة تهدف إلى معرفة مَن سيتصرف تصرفات نابعة من النكاية في مقابل الإحباط. تم توزيع حصص من الحلوى بشكل عادل أو ظالم للأطفال والبالغين، ووجدوا أنه حتى الأطفال الصغار سيتصرفون تصرفات نابعة من النكاية إذا ما حصلوا على الحصة الأقل من الحلوى؛ إذ فضلوا أن يُحرَم الجميع من الحصول على الحلوى في مقابل ألا يحصل أي طفل آخر على حلوى أكثر، أي أنهم لم يرفضوا ببساطة حصتهم غير العادلة (يشير هذا إلى الإحباط)؛ بل أرادوا أن يسببوا قليلاً من الألم لمن حصلوا على حصة أكبر أيضًا.

ومن المثير للاهتمام، أن البالغين لم يتصرفوا تصرفات نابعة من النكاية، ربما لأنهم -كما كتبت ماكوليف وزملاؤها- "كانوا أكثر حرصًا من الأطفال بشأن عدم الظهور بمظهر المستاء أو الغيور من أجل الحلوى أمام شخص بالغ آخر". في هذه التجارب، كانت النكاية تميل إلى الاختفاء من نفوس الأطفال عند سن الثامنة، عندما يبدأ شعورهم بعدم الارتياح إذا ما حصلوا على كمية حلوى أكثر من طفل آخر.

إذًا ما هي الرسالة الجاهزة للآباء والأمهات؟

أولاً: يميل الأطفال الصغار إلى الشعور بالغضب عندما يحصلون على نصيب أقل من نصيبهم العادل من أي شيء، سواء كان حلوى أو ملصقات أو الوقت الذي يقضونه أمام شاشة التليفزيون، ويشير البحث إلى أنه ليس بإمكان الأطفال في سن الرابعة والخامسة أن يشعروا سوى بذلك الشعور. لذا احرص على تقسيم مكافآت التعاون بالتساوي بين الأطفال، فإذا كان أحدهم يخطط لكسب مزايا من التعاون أكثر من الآخر، فقد تكشف النكاية عن وجهها القبيح وتدمر المدينة الفاضلة التي تحاول صنعها.

ثانيًا: على الرغم من أنه قد يبدو واضحًا لنا أن الحصول على الكثير من الحلوى ليس عدلاً، وأننا يجب أن نعطي جزءًا منها للآخرين، فهذه الفكرة ليست واضحة للأطفال، على الأقل إلى أن يصلوا للصف الرابع أو الخامس الابتدائي. وكما كتبت ماكوليف وفريقها: "تشير نتائجنا إلى أن الأطفال الصغار يُظهرون قدرة متطورة على الحفاظ على مكانتهم التنافسية أمام الآخرين، بينما يُظهر الأطفال الأكبر سنًّا حرصهم على العدالة"، فإذا ما أظهر أطفالك حرصهم على العدالة في سن مناسبة ، فأنت على الطريق الصحيح. إنك تربي أطفالاً سيكونون أهلًا لقيم العدالة والكرم، والتي تؤهلهم لدخول هذا العالم المجنون، حيث ستقدم لهم هذه الصفات خدمات جليلة خلال حياتهم فيه.

ثالثًا: من الممكن أن يتعلم الأطفال التعاون. سوف يحتاج ذلك إلى الصبر، وأحيانًا الحزم في حرمانهم من المتع إذا لم يتعاونوا في التقاط قطع المكعبات، ولكن اثبت على موقفك، فهذه الطريقة قد تكون ناجحة، ونظرية الألعاب تُثبت ذلك.

نُشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان "هل يمكن أن يتعلم الأطفال التعاون فعلاً؟"

مُقتبس من The Game Theorists’s Guide to Parenting: How the Science of Strategic Thinking Can Help You Deal with the Toughest Negotiators You Know—Your Kids، تأليف بول ريبورن وكيفن زولمان، بالترتيب مع Scientific American/Farrar، وStraus and Giroux, LLC (الولايات المتحدة)، وCommonwealth Publishing (تايوان)، وGrand China Publishing House (الصين). حقوق الطبع والنشر© 2016 محفوظة لبول ريبورن وكيفن زولمان.