بدأ مايك بالشرب في الرابعة عشرة من عمره. ويتذكر أول حفلة حضرها، "ربما شربت 10 أكواب من البيرة". واستمر بحضور الحفلات لمدة سبع سنوات في أثناء ممارسته لكرة القدم في المدرسة الثانوية والكلية، وتمثل الآثار التي ترتبت على شربه للكحول ما تحذر منه حملة "فقط قل لا": حالات إغماء، واعتقالات، ومشكلات أكاديمية، وزيارات لقسم الطوارئ، ومنع من القيادة، وبرامج للعلاج الإلزامي.

يسرف حوالي 10% من طلاب الصف الثامن (الثاني الإعدادي)، و18% من طلاب الصف العاشر (الأول الثانوي)، و24% من طلاب السنة النهائية في المدارس في شرب الكحول. أي أنهم يستهلكون أربعة أكواب أو أكثر في الجلسة الواحدة إذا كانوا من الإناث، أو خمسة أو أكثر إذا كانوا من الذكور، بمعدل مرة على الأقل كل أسبوعين. (عند تناول نفس الكمية من الكحول، تميل معدلات الكحول لدى النساء إلى الارتفاع أكثر من مثيلاتها لدى الرجال؛ نظرًا لكونهن أصغر حجمًا، ولانخفاض محتوى أجسامهن من الماء، ولكونهن أقل قدرة على حرق الكحول). بالإضافة إلى ذلك، يشرب 44% من طلاب الجامعات هذه الكمية أو أكثر مرتين شهريًّا على الأقل.

كما توضح حالة مايك، يمكن للإسراف في الشراب أن يؤدي إلى مشكلات صحية وسلوكية جسيمة. الإفراط في شرب الكحول بشكل دوري أكثر إضرارًا لكل من الجسم والدماغ مقارنة بتناول كميات صغيرة من الكحول على فترات متقاربة؛ لأن مستويات الكحول الشديدة الارتفاع في الدم سامة للأعضاء، وتضعف بشدة الوظائف الحسية والمعرفية، وتشجع على التعود أو الإدمان.

وقد تمكن العلماء أيضًا من تحديد تأثير غير ملحوظ وطويل الأمد لاستهلاك الكحول بكميات كبيرة بين المراهقين والشباب: ألا وهو العجز في التعلُّم والذاكرة. تشير مجموعة من البيانات الناشئة إلى أن الكحول يلحق الضرر بمناطق معينة من الدماغ التي لا تزال في مرحلة نضج. إضافة إلى ذلك، فالدماغ الشابة لديها ضوابط أضعف لإيقاف الشخص عن الإسراف في الشرب. ويبحث العلماء عن أدلة في الدماغ قد تساعدهم على تحديد الشباب الأكثر ضعفًا تجاه الكحول –على أمل إيقاف مشكلة الشرب قبل أن تبدأ. استنادًا لباحثة الطب النفسي ريغان ر. وذريل من جامعة ولاية بنسلفانيا، فإن الهدف هو تعزيز نمو الدماغ "إلى الحد الكافي" الذي يمكّن الشباب من "كبح سلوكياتهم نحو الشراب قبل أن تتحرك".

أدمغة متهورة

إن الدماغ في سن المراهقة تكون في حالة عمل مستمر. في العقد الماضي، كشف علماء الأعصاب أن قشرة الفص الجبهي، التي موضعها على سطح الدماغ خلف الجبين مباشرة، تصل إلى مرحلة النضج ببطء نسبي. هذه المنطقة هي مقر الرقابة الذاتية الكابحة –القدرة على منع الشخص من التصرف بتهور- والذاكرة العاملة، إنها المسوّدة العقلية التي تمكّن أي شخص من الاحتفاظ المؤقت بالمعلومات واستيعابها. ونظرًا لأن القشرة الجبهية يمكنها أن تنضج بعد سنوات عن المناطق التي تتحكم بالعاطفة والمكافأة، فإن المراهقين يجربون الاستقلال ويسعون وراءه، وذلك "قبل أن تكون أنظمة التثبيط قد اتخذت موقعها"، مما يدفعهم للقيام بسلوكيات خطرة، وفق قول الباحثة في مجال الطب النفسي سوزان ف. تابرت، من جامعة كاليفورنيا، سان دييجو.

قد يكون الشباب الذين تنضج أدمغتهم بمعدل أبطأ من المعتاد، عرضةً للخطر بشكل أكبر. في دراسة نُشرت في عام 2011، عمد فريق تقوده تابرت وطالبتها في الدراسات العليا حينذاك أندريا ل. نورمان، التي أصبحت الآن في جامعة واين، إلى اختبار مهارات الرقابة الذاتية الكابحة لثمانية وثلاثين مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 12 و14 سنة، حينما كانوا في جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي. ثم تابعوا هؤلاء الشبان لمدة أربع سنوات لمعرفة مَن الذي سيبدأ منهم بتناول الكحول. أظهر المراهقون الواحد والعشرون الذين بدأوا يشربون بإسراف، في اختبار التصوير الأصلي، درجة نشاط أقلّ في اثنتي عشرة منطقة دماغية –ومن ضمنها أجزاء من القشرة الجبهية والقشرة الجدارية المجاورة لها، المسؤولة عن الحركات المنظمة– مقارنة بالسبعة عشر الذين امتنعوا عن الشرب. أما بالنسبة للمراهقين الذين استمروا بالإفراط في الشرب، فتقول تابرت: "كانت الأنظمة المسؤولة عن تثبيط عملٍ ما لديهم، لا تعمل بشكل مثالي".

منذ ذلك الحين، تعقبت وذريل هذه القدرة الذاتية الكابحة المتناقصة إلى موقع دماغي محدد. في دراسة نُشرت في عام 2012، استخدمت هي وزملاؤها التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي لفحص أدمغة عشرين مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عامًا ممن لم يتناولوا الكحول مطلقًا ولكنهم أتوا من أسر تعاني مشكلات مع الكحول. المراهقون في هذه الأسر أكثر عرضة للبدء في تناول العقاقير وإساءة استخدامها بالتبعية، ويميلون بشكل عام إلى كونهم أكثر اندفاعًا وتحديًا. بمقارنتهم مع 20 مراهقًا من أسر لا تاريخ لها في إساءة استخدام العقاقير.أظهرت أدمغة مراهقي الأسر التي اعتادت الإفراط في شرب الكحول روابط أقل وأضعف بين منطقتي الدماغ الجبهية والجدارية المشاركة في التخطيط وصنع القرار والرقابة الذاتية الكابحة.
وقد أكدت الدراسات التي نُشرت في عامي 2014 و2015 أن المراهقين الذين يستمرون بالإسراف في الشرب -وخاصة أولئك الذين لديهم تاريخ عائلي من مشاكل الكحول- لديهم مناطق دماغية أبطأ نضوجًا. وقد تساعد هذه الدراسات في تحديد المراهقين المعرضين للخطر، قبل انتقالهم إلى مرحلة الإفراط في شرب الكحول.

التفكير بصعوبة شديدة

المراهقون ليسوا معرضين لإغراء الكحول وحسب، فالدلائل تشير إلى أن الشرب قد يضر بأدمغتهم. إن تأثيرات الكحول على الدماغ ليست واضحة دومًا، ومع ذلك فثمة فروق جلية في الأداء الدماغي تفرق بين الممتنعين تمامًا عنه والمفرطين في شربه. خلال العقد الماضي، أظهر باحث علم الأدوية فلتن كروز -من جامعة نورث كارولينا في كلية طب تشابل هيل- وسواه، أن معدل الكحول المرتفع في دم الفئران، الذي يشكل نموذج الإسراف في الشرب لدى البشر، يقتل خلايا الفص الجبهي للدماغ والحصين (مركز تكوين الذاكرة). ويعمل الكحول أيضًا على منع ولادة خلايا عصبية جديدة، ذلك من ضمن تأثيرات سلبية أخرى. كما أن الفئران المراهقة أكثر حساسية من الفئران البالغة تجاه هاتين النتيجتين –مما يعني أن الضرر أكبر في الجرعات الصغيرة. وفي الواقع، فحالات الإغماء، وما ينتج عنها من فقدان الذاكرة، التي تحدث لدى حوالي نصف عدد الطلاب الجامعيين بعد الإسراف في الشرب، قد تنجم عن تضرر الجزء الدماغي المعروف بالحصين، وفق قول آرون م. وايت، من المعهد الوطني لإساءة استهلاك الكحول وإدمان المشروبات الكحولية.

ظهرت بعض الأفكار الأولى المتعلقة بالطريقة التي قد يؤثر بها الكحول على التعلم والذاكرة لدى المراهقين، في دراسة نُشرت في عام 2010 في مختبر تابرت. وقد عمدت أليشا داغر، الطالبة الخريجة آنذاك، والتي أصبحت الآن باحثة في الطب النفسي في جامعة ييل، لإجراء اختبار على الذاكرة اللفظية العاملة –أي القدرة على الاحتفاظ بمعلومات لفظية لفترات قصيرة– لدى 24 مراهقًا ممن لا يشربون الكحول مع أولئك المفرطين في شربه. أعطت داغر وفريقُها الشبابَ موضع الاختبار قوائم من الكلمات ومرادفاتها ليدرسوها في أثناء تسجيل أنشطتهم الدماغية. وفيما بعد اختبروا قدرة المراهقين على تذكر الكلمات. تذكرت مجموعة شاربي الكحول 78% من الكلمات، مقارنة بـ85% لدى مجموعة غير الشاربين. وكان نشاط الدماغ أعلى بكثير في أجزاء من القشرة الجبهية والجدارية في مجموعة الشاربين خلال كل من فترتي التعلم والاختبار، وربما كان هذا يعكس جهدًا متزايدًا، استنادًا إلى قول داغر. وبالمقابل، كان الحصين (المسؤول عن الذاكرة) في مجموعة الشاربين أقل نشاطًا، وهو ما يفسره العلماء، في هذه الحالة، كمبرر لذاكرتهم الأضعف.

في عام 2011، أشار فريق تقوده ليندساي م. سكويجليا، التي تعمل حاليًّا في كلية الطب بجامعة كارولينا الجنوبية، إلى نتائج موازية عن الذاكرة المكانية العاملة. هذه القدرة المعرفية تتيح لك وضع خرائط ذهنية، مثل إيجاد طريقك إلى منزل أحد الأصدقاء أو إعادة رسم شكل من الذاكرة. في أثناء وجودهم في جهاز تصوير الدماغ، حاول 55 من غير الشاربين و40 من المفرطين في الشرب ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و19 عامًا أن يتذكروا أشكالًا رأوها، كمهمة من مهام الذاكرة المكانية العاملة. تمكن المراهقون الذين دأبوا على الإفراط في الشرب لمدة عام أو عامين من أداء هذه التمارين كما فعلها الشباب الممتنعون عن الشرب، على الرغم من أن القشرة الجدارية لديهم كانت أكثر نشاطًا. ولكن المراهقين الذين دأبوا على الشرب بإفراط لمدة ثلاث سنوات أو أربع، كان أداؤهم للمهام أسوأ؛ مع تراجع نشاط مناطق الدماغ الأخرى –مثل المشاركة في الرؤية والتحكم بالحركة. عندما يبدأ الأطفال بالشرب، يعمل الدماغ بجهد أكبر للحفاظ على معدل الأداء، كما تشير سكويجليا، ولكنه مع مرور الوقت، لا يستطيع المواصلة، فيتراجع الأداء.
في دراسة نُشرت في عام 2012، أظهرت تابرت وزملاؤها بطريقة مشابهة، نشاطًا دماغيًّا أعلى بشكل ملحوظ لدى المفرطين في الشرب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و19 سنة، مقارنة بمن لا يشربون مطلقًا، في أثناء أداء المهام التي تشارك فيها الذاكرة البصرية العاملة، أي القدرة على التركيز على ما هو مهم في الوسط المحيط بهم. وكلما طال أمد شرب المراهق، ازداد الجهد الذي يعمل الدماغ به، في حين تبذل المناطق الدماغية لدى الممتنعين عن الشرب قدرًا أقل من الطاقة مع نضوج المراهق.

فيما بعد، لجأ فريق تابرت إلى إظهار العلاقة الوثيقة بين كلٍّ من البصمة الدماغية المميزة لانخفاض القدرة على التحكم بالنفس لدى نفس المجموعة من الشباب، وعلامات استيعاب المعلومات بكفاءة أقل بعد أن أصبحوا يشربون. وفي أواخر عام 2012، أفاد الفريق بأنه أجرى مسحًا لأدمغة الأربعين شابًّا مرتين، تفصل بين كل مرّة والأخرى ثلاث سنوات، بدأت عندما كانوا مراهقين في متوسط الخامسة عشرة من العمر، في أثناء أدائهم لمهام ترتبط بالذاكرة البصرية العاملة. لدى العشرين مراهقًا الذين أصبحوا من المفرطين في الشرب بعد ذلك، أصبحت أجزاء معينة من القشرة الجبهية والجدارية محدودة النشاط، مما أدى إلى غياب الرقابة الذاتية الكابحة. بعد ثلاث سنوات، بعد أن بدأوا بالشرب، أظهرت أجزاء أخرى من هذه المناطق نشاطًا أعلى مما كانت عليه لدى العشرين من غير الشاربين، وهي علامة على أن أدمغة الشاربين كان يتعين عليها بذل جهد مضاعف وغير عادي لأداء المهام الدماغية الناقصة. تُظهر الدراسات التي أُجريت في مختبر تابرت، والتي نُشرت في عامي 2014 و2015، أن الاختلافات في بنية الدماغ ووظيفته تسبق معظم حالات الإسراف في الشرب بين المراهقين، هذا بالإضافة إلى ما يسببه الشرب بحدّ ذاته من التغيرات الإضافية.
في مجمله، يشير عمل فريق تابرت إلى أن 24% من طلاب المدارس الثانوية و44% من طلاب الجامعات ممن يُسرفون في شرب الكحول بانتظام، ربما يسببون إعاقة لقدراتهم الإدراكية. فمتوسط العلامات التي يحصلون عليها تقل بمعدل ​​7 إلى 10% عن علامات زملائهم الذين يشربون كميات قليلة جدًّا أو لا يشربون على الإطلاق، في الاختبارات اللفظية والبصرية والمكانية. قد يواجه هؤلاء الشباب صعوبة أكبر في قراءة خريطة، أو اتباع توجيهات شفهية إلى مكان، أوتجميع رف كتب، أو تخطيط لمشروع، أو المحافظة على نظام وتعلم مفردات جديدة، من ضمن تحديات معرفية أخرى.

تتوفر الآن بيانات كافية طويلة المدى عن اضطرابات الدماغ وتغيرات تطور الدماغ، وفقًا لما كتبته سكويجليا في عام 2015 في دورية أمريكان جورنال أوف سايكياتري American Journal of Psychiatry، لتوجيه "نداء لتوخي الحذر بشأن الإفراط في تناول الكحول" من قِبل المراهقين، حتى قبل أن يعلم الباحثون كيفية حدوث الضرر على وجه الدقة.

يومًا ما، قد يكون من الممكن "تحصين" الأطفال ضد الرغبة في الشرب عن طريق تعزيز نظامهم لضبط النفس في مرحلة الطفولة. وتسعى وذريل إلى تطوير ألعاب وتمارين حاسوبية يمكنها تعزيز القدرات الذاتية الكابحة، وبالنتيجة تعزيز ضبط النفس في الحالات التي يواجهها المراهقون عادة. هذا، وكلما بدأت برامج الوقاية في وقت مبكر، كانت النتيجة أفضل. "الطفل الذي يبدأ الشرب في الرابعة عشرة من عمرة معرّض للإدمان أربعة أضعاف الطفل الذي يبدأ الشرب في الحادية والعشرين من عمره" وفق قول وايت. ويضيف: إن الحدّ من السماح للمراهقين بالقيادة، ورفع السن القانوني للشرب إلى 21 سنة، والمداخلات المتنوعة وجهًا لوجه أو على شبكة الإنترنت، كلها إجراءات تُحدث أثرًا ملموسًا على نزعة المراهقين لشرب الكحول.

لا أحد يعرف بعد ما إذا كان بوسع الدماغ أن يتعافى تمامًا من الإفراط في شرب الخمر خلال السنوات الأخيرة من تطوره. لدى بعض المشاركين في اختبارات تابرت، بقي العجز المعرفي موجودًا حتى بعد مرور عقد من الزمن. في نهاية الأمر توقف مايك عن الشرب، وتخرج في الكلية، وهو الآن مدير حسابات ناجح في شركة تسويق. ولكنه ما زال يواجه ثغرات كبيرة عندما يحاول تذكر بعض الأفراد والأحداث في ماضيه. إنه يستطيع التخمين فقط عن مدى مسؤولية الإسراف في الشرب وحالات الإغماء عن هذا، لأنه تعرّض أيضًا للعديد من حالات الارتجاج الدماغي في أثناء لعبه لكرة القدم. إلا أن أحدث الأبحاث، تشير إلى أن الحفلات التي حضرها ربما كانت قد أسهمت في خلل طويل الأمد في ذاكرته.

نُشر هذا المقال لأول مرة تحت عنوان "المزيج السيئ لدماغ المراهق".