في مصر، في أواخر صيف عام 2525 قبل الميلاد، هاهو النيل يفيض. بالنسبة لـ"ميرير"، أحد رؤساء عمال بناء الأهرامات، الفيضان يعني أن الوقت قد حان لنقل الأحجار إلى موقع هرم خوفو. الرحلة من محجر طرة، جنوب شرقي الميناء في الجيزة، لا تتجاوز 13 كيلومترًا. ولكن من الصعب التحكم في المركب؛ بسبب ثقل وزن شحنة الحجر الجيري الأبيض اللامع الذي سيُشكل الطبقة الخارجية للهرم الأكبر. في وقت الفيضان، يبدو النهر واسعًا كالمحيط، ولكن ميرير سبق له أن أبحر في البحار المفتوحة، بحيث أصبح في استطاعته قيادة أسطول من المراكب وفريق عمل مكون من خمسين رجلاً.

يُلقي ميرير نظرة على وجهته، ويرى عن بعد مياه الفيضان وهي تعانق جدارًا ضخمًا من الحجر الجيري. ويرى أيضًا زوارق تحمل الحبوب والأخشاب والماشية، تُبحر حول الطرف الشرقي من الجدار لتُفرغ حمولتها هناك، في البلدة، ولكن مراكب ميرير لن تواصل السير إلى هذا الحد، بل سترسو شمال الجدار، حيث ينحدر القاع الذهبي لهضبة الجيزة وصولاً إلى النهر، ومن ثَم يشكّل منحدرًا طبيعيًّا يسهّل نقل الحجر الجيري إلى موقع البناء.

يرى ميرير، من على حافة النهر، ما أصبح أعلى بناء في العالم لـ3,800 سنة تالية على أقل تقدير. كان هناك آلاف من العمال يحتشدون في موقع بناء الهرم، الذي سيصبح في النهاية مقبرة للملك خوفو، حيث يعملون على جرِّ الحجارة العملاقة إلى مواقعها، والتأكد أكثر من مرة من محاذاة بعضها بعضًا. وقد كان البناء على وشك الاكتمال؛ فقريبًا سيجري وضع الطبقات العليا من الكتل الحجرية في مكانها، وتغطية الهرم بأكمله بحجر جيري مصقول من طرة، ثم تتوّج قمة الهرم بطبقة مذهّبة.

مَن هؤلاء الذين بنوا هرم خوفو وغيرَه من الأهرامات؟ ولماذا كرّسوا حياتهم لهذه المهمة؟

في القرن الخامس قبل الميلاد، أعرب المؤرخ اليوناني هيرودوت في كتاباته عن اعتقاده أن الأهرامات تم بناؤها باستخدام جحافل من العبيد تحت وطأة سياط المشرفين عليهم. غير أن مصادر مكتوبة أخرى اكتُشفت خلال العقود القليلة الماضية أظهرت أن الجزء الأكبر من العمل قامت به مجموعات من المواطنين المصريين وليس العبيد. ولكن تلك المصادر لم تكشف الكثير عن حياة هؤلاء المواطنين. فجميع علماء الآثار يعلمون أن بناة الأهرامات كانوا في الغالب عمّالاً منخفضي الأجر، يُعامَلون معاملةً أفضل قليلاً من العبيد، يتضوّرون جوعًا، ويرتدون ثيابًا رثة، وتُلهِب السياط ظهورَهم إلى أن يتم إنزال الحجر الجيري من المراكب على الزلاجات الخشبية وسحبه إلى موقع بناء الهرم.

جاءت الآن الاكتشافات الجديدة، ومنها دفتر من ورق البردي، لتوثق أنشطة ميرير وفريقه، وتسلط الضوء أخيرًا على العمال الذين بنوا الأهرامات، وتُبرز تلك الآثار المميزة التي شيدوها من منظور جديد تمامًا. تشير الحفريات في موقعين رئيسيين إلى أن أهمية الأهرامات تتجاوز مجرد كونها إنجازًا هندسيًّا؛ إذ اتضح أن العمال الذين بنوها لم تقتصر خبرتهم على جر الكتل الحجرية، بل كانوا نخبة متميزة من القوى العاملة التي كانت تبحر أيضًا في بعثات تجارية إلى أماكن على بعد مئات الكيلومترات لجلب الموارد ومواد البناء. إن تطور نظم العمل بالإضافة إلى شبكات التجارة المتقدمة للغاية -والتي لم يكن بناء الأهرامات ممكنًا من دونها- كان له دور أكبر من مجرد تسهيل بناء مقبرة ضخمة، بل أدى إلى تمهيد الطريق لعدة قرون من الازدهار المصري، وكذلك تغيير مجرى الحضارات التالية.

الطموح الكبير

لم يبدأ بناء الأهرامات على هضبة الجيزة، فقد بنى الفرعون زوسر، الذي حكم في الفترة من 2650 إلى 2620 قبل الميلاد، أول الأهرامات، وهو هرم مدرج له سِتّ مصاطب، وارتفاعه حوالي 61 مترًا، نراه مهيمنًا إلى اليوم على أفق منطقة سقارة، على بعد نحو 25 كيلومترًا جنوبي الجيزة. وبدأ الاتجاه إلى بناء الأهرامات الكبيرة في زمن الفرعون سنفرو من الأسرة الرابعة؛ إذ تم بناء ثلاثة أهرامات خلال فترة حكمه من 2575 إلى 2545 قبل الميلاد. وبعد وفاة سنفرو، تولى الحكم من بعده ابنه خوفو (والذي يُعرف أحيانًا باسم كيوبس). وحتى يتفوق خوفو على والده: كان عليه بناء هرم أكبر على حافة هضبة الجيزة ليراه الجميع. وكان لطموح خوفو الفضل في بناء أشهر هرم في مصر، "الهرم الأكبر بالجيزة" بارتفاع 147 مترًا وعرض 230 مترًا.

لم يتوقف خوفو عند هذا الحد، بل بنى معبدًا جنائزيًّا على الجانب الشرقي من الهرم؛ ليتمكن الكهنة من التواصل مع الفرعون المتوفّى وتقديم القرابين لدعمه في الآخرة. وعلى جانبي المعبد، تم حفر تجاويف ضخمة تتسع لقوارب بالحجم الطبيعي، ربما يحتاجها خوفو ليُبحر بها في الحياة الأخرى. وتم حفر تجويفين آخرَين للقوارب على الجانب الجنوبي من الهرم، كما شُيدت ثلاثة أهرامات صغيرة جنوبي المعبد الجنائزي، لتكون مقابر للشخصيات النسائية المهمة في العائلة المالكة. في النهاية، كان تشييد هذا المجمع مهمة هائلة.

على مدار سنوات، استحوذت هندسة الأهرامات على اهتمام علماء الآثار. ويقدّر الخبراء أن بناء الهرم الأكبر وحده تطلب حوالي 26 ألفَ عامل لوضع الكتل الحجرية في الجزء السفلي من البناء، ومع ارتفاع الهرم وتضاؤل مساحته في الجزء العلوي، انخفض عدد العاملين في الموقع. وهناك نظريات عديدة تفسر كيفية قيام العمال بنقل الحجارة الضخمة، ووفقًا للنظرية الأكثر رواجًا فإن العمال مهدوا منحدرًا داخليًّا لجر الحجر الجيري إلى مستويات من البناء أعلى تدريجيًّا. وبالتركيز على تفاصيل عملية البناء، ظلت الأهمية الأكبر للأهرامات غائبةً عن العلماء- إلى الآن.

ها هو عالم الآثار مارك لينر يصافح الزائرين ويتبادل معهم عبارات التحية الدافئة باللغة العربية بجانب حيط الغراب –وهو حاجز بارتفاع 9 أمتار تقريبًا على بُعد 800 متر إلى الشرق من الهرم الأكبر.

أيام ميرير، كان الجدار يقع شمالي المدينة، التي كانت تسمى أيضًا حيط الغراب. أما اليوم، مع انتقال النهر شرقًا، فقد أصبح الامتداد الحضري للقاهرة هو الذي يتاخم الجدار، بدلاً من مياه فيضان النيل. وعندما يلتقط الناس صورًا للأهرامات، فإنهم دائمًا ما يديرون ظهورهم لهذه المنطقة، مفضلين منظر الصحراء الشاسعة المفتوحة على منظر الأفق الجامح لمدينة القاهرة. ومن ناحيتهم، فقد تجاهل علماء الآثار أيضًا لمدة طويلة تلك المساحة الممتدة من الرمال، التي تقع بين جرف هضبة الجيزة والمدينة الزاحفة.

 بدأ لينر -عالم المصريات في معهد الدراسات الشرقية بجامعة شيكاغو، ومدير رابطة بحوث مصر القديمة، ومقرها ولاية ماساتشوستس الأمريكية- العملَ بمنطقة الأهرامات عام 1988، وكان لديه هدف محدد بدقة. لقد أدرك أن سر أهرامات الجيزة لا يكمن في طريقة تقطيع هذا العدد الكبير من الحجارة الضخمة ورصه. بل يكمن السر في البشر الذين قاموا بهذا العمل. كان لينر يقول: "إننا نرى اللمسة الإنسانية في كل مكان"، لذلك جاء إلى حيط الغراب للبحث عن هؤلاء البشر.

سواءٌ كان في منزله في القاهرة الحديثة أو في حيط الغراب القديمة، يشعر لينر بأنه في بيته. وكان يخصص زيًّا للعمل الميداني، عبارة عن سروال من الجينز الأزرق، وسترة متعددة الجيوب، وقبعة واسعة، وزوجًا من الأحذية المتربة، وكان الزي كله قد تشرب لون رمال الصحراء. وكان يبدو على لينر نوع من السلطة الودودة، وأصبح أحد المشاهير على المستوى المحلي. وكثيرًا ما كان يصيح البعض باسمه: "دكتور مارك!" لجذب انتباهه. أو تقوم إحدى النساء اللاتي "يدردش" معهن بفتح بوابة حديدية، حتى يقود لينر الطريق إلى البلدة القديمة.

وعندما بدأ لينر وفريقه التنقيب في الموقع، كانت أقصى توقعاتهم العثور على معسكر متواضع؛ عبارة عن مجموعة من المباني العادية، يستريح فيها ليلاً العمال الفقراء ذوو الأوضاع المتدنية من عملهم المضني قبل أن يعاودوا الذهاب إلى الأهرامات في الصباح التالي لنقل المزيد من الحجارة. ولكن بدلاً من ذلك، اكتشف الفريق شيئًا فاق توقعاتهم بكثير، اكتشفوا مدينة تم تخطيطها وعمارتها مسبقًا بعناية من قِبَل نظام خوفو. بجانب الجدار، كشفت الحفريات عن مساكن فرق العمل -منطقة أطلق عليها لينر اسم "مجمّع الأروقة"؛ لأنها تتألف من مبانٍ طويلة وضيقة تفصل بينها شوارع. ويحتوي كل مبنى على مواقد وعنابر للنوم، يتسع كل عنبر لحوالي 20 شخصًا –وهو عدد الرجال في فريق العمل الواحد– بالإضافة إلى غرفة أخرى يرجح أنها كانت مخصصة لمشرف العمال.

تحدد جدران من الطوب اللبِن المواقع التي أقيمت فيها المباني. يبلغ ارتفاعها الآن حوالي 60 سنتيمترًا؛ إذ إنها تآكلت، ربما بفعل رياح الصحراء. إلى الجنوب من مجمّع الأروقة توجد المخابز ومصانع الجعة، كما يتضح من وجود أفران الخبز وجرار الجعة في بقايا المباني. جنوب المخابز يقع مبنى كبير بجانب أماكن يبدو أنها كانت صوامع لتخزين الحبوب، وجدار حوش ربما كان حظيرةً للماشية. إلى الغرب من المخابز يقع حيٌّ يمتاز بمنازله الكبيرة. وقد أظهرت مقالب القمامة في تلك المنطقة أن سكانها كانوا يتناولون الكثير من الأطعمة غالية الثمن، مثل لحم العجل، كما أن أختام الطين التي وُجدت في محيط المكان تحمل ألقاب أفراد ذوي مكانة عالية، مما يشير إلى أن تلك المباني كانت منازل، وربما كانت مكاتب لمسؤولي المدينة.

بخلاف الاعتقاد السائد عن معاملتهم أفضل قليلاً من العبيد، يبدو أن طاقم ميرير وبقية سكان حيط الغراب الذين يُقدَّر عددهم بـ6,000 نسمة كانوا يعيشون حياة مريحة جدًّا. وتشير الاكتشافات إلى أنه بعد يوم طويل من العمل في تفريغ المراكب، كان بناة الهرم يتوجهون إلى المدينة لتناول الطعام. كانت رائحة الخبز الطازج وتخمير الجعة تفوح على بعد مئات الأمتار، معلنةً عن محتويات قائمة الطعام. كانت اللحوم تقدم أيضًا، ربما لحم الماعز لطاقم العمال ولحم البقر لرؤسائهم. وتشير بقايا حاويات شحن مميزة مصنوعة من السيراميك إلى أنهم كانوا يحصلون على زيت الزيتون المستورد من بلاد الشام، على الطرف الشرقي للبحر المتوسط– وهي كماليات لم تكن متوفرة لمعظم المصريين في ذلك الوقت.

السؤال هنا: لماذا استثمر الفرعون خوفو بهذا الشكل في حيط الغراب وسكانها؟ الإجابة قد تكون كما يلي: في وقت بناء الأهرامات، أدى وجود نهر النيل على طول الجانبين الشمالي والشرقي للمدينة إلى جعل موقعها متميزًا. يعتقد لينر أن حيط الغراب لم تكن مجرد "مدينة عمال"، بل كانت ميناءً نيليًّا متصلاً بشبكة تجارية واسعة لجلب جميع احتياجات بناء الأهرامات، مثل المواد الغذائية، وملابس العمال، وأدوات البناء. حتى السلع الكمالية التي كانت بحوزة الكهنة والمسؤولين الذين يشرفون على المشروع ربما كانت تأتي عن طريق حيط الغراب. كانت المدينة أساسية لعملية بناء الهرم. كما أن العمال أنفسهم كانوا موردًا ثمينًا، فلم تقتصر إمكاناتهم على نقل الحجر الجيري من طرة فحسب، بل كان بوسعهم الإبحار في بعثات تجارية أطول بكثير جدًّا. وقد أظهرت التحاليل التي أُجريت على قطع من الفحم وُجدت في سكن العمال أن كمية قليلة من الخشب الذي أحرقوه كانت من أشجار الأرز والزيتون والصنوبر، التي كانت تنمو فقط في بلاد الشام، على بعد مئات الكيلومترات. ربما تكون الأخشاب الغريبة قد أتت من بقايا سفينة محطمة، وربما هذا ما جعل لينر يظن أن الطواقم التي عاشت في حيط الغراب كانت تُبحر في بعثات تجارية بالإضافة إلى بنائها الأهرامات.

نحو هدف واحد

استغل خوفو النظم الحكومية ونظم العمل والتجارة التي وضعها أسلافه خلال مدة حكمهم. ولكن مشروع الهرم الخاص به كان الأكبر على الإطلاق، مما تطلب تطوير البنية التحتية بشكل أكبر، وساعد مصر على الازدهار في القرون التالية.

 في موقع آخر، عُثر على حفريات تُلقي الضوء على الكيفية التي حقق بها خوفو رؤيته الكبرى. فعلى بعد حوالي 195 كيلومترًا جنوب شرق حيط الغراب، يبدو عالم الآثار جريجوري ماروارد كأنه يمشي على سطح مياه خليج السويس. لكنه في الواقع، يمشي على رصيف حجري قديم يقع مباشرةً على سطح الماء في منطقة كانت ميناءً منذ مدة طويلة، وتُعرف الآن بوادي الجرف. يتعرج الرصيف لمئات الأمتار في البحر، وماروارد يستغل الجَزْر المنخفض لإجراء قياسات دقيقة للمنطقة. بينما يقف رئيس المشروع بيير تاليه من جامعة باريس- السوربون على الشاطئ في مهب رياح عاصفة، شارحًا أهمية الموقع.

وتشير الدلائل الأولية إلى أن سنفرو -والد خوفو– هو مَن شيد هذا الميناء، الذي يمثل أقصر طريق، عبر البحر الأحمر، يقود لمناجم النحاس في شبه جزيرة سيناء. كان تعدين النحاس مشروعًا كبيرًا يتطلب نقل حوالي 1,000 عامل إلى المنجم، وتوفير الموارد اللازمة لهم في مدة شهرين أو ثلاثة، حتى يتمكنوا من استخراج النحاس ثم نقله إلى المدن التي تحتاج إليه. على ما يبدو أن معظم الفراعنة -بما في ذلك سنفرو- أطلق كلٌّ منهم في عهده حملة تعدين واحدة بحثًا عن النحاس. غير أن خوفو توفر له المال والقوى العاملة والإرادة لإطلاق حملتين، مستغلًّا الميناء استغلالًا أكبر بكثير مما فعل والده. وقد فعل خوفو ذلك للحصول على النحاس الكافي لصنع العديد من الأزاميل والمناشير وغيرها من الأدوات اللازمة لبناء الهرم الأكبر. وبذلك يكون وادي الجرف كشفًا أثريًّا نادرًا... ويعلق بيير تاليه قائلًا: "نحن لا نعرف شيئًا عن الموانئ في مصر القديمة، ولكن ربما يكون هذا أقدم ميناء تم اكتشافه حتى الآن".

كل مكان بوادي الجرف يحوي أدلةً تربط الميناء بحملات خوفو، فمثلاً، على بعد بضع مئات من الأمتار من حافة المياه، يعمل المنقِّبون على اثنين من المباني الطويلة المستطيلة المقسمة إلى غرف متساوية الحجم. يضم أحد المبنيين خمس غرف، في حين يضم الآخر عشرًا. يقول تاليه إن الغرف قد تكون استُخدمت كمخازن للشحنات، أو كمأوى لطواقم السفن. وعُثِر على العشرات من الأختام الطينية في تلك المباني. وكانت السلع في كثير من الأحيان تُشحن داخل أكياس تُربط بحبل تثبت عليه قطعة من الطين، وتُختم بخاتم الشخص الذي يملك محتويات الكيس. العديد من الأختام التي تم العثور عليها تحمل اسم خوفو.

إن الاكتشافات الأخرى توثق بالتفصيل للأنشطة التي شهدها وادي الجرف. وقد ركز فريق تاليه الكثير من
طاقته على التنقيب في سلسلة من الغرف التي تم حفرها في تل على بعد نحو 1.6 كيلومتر من الشاطئ. من المرجح أن المراكب كانت تُفكك وتُخزّن في تلك الغرف في أثناء فترات الراحة بين حملات جلب النحاس. الكثير من الغرف لا يزال يحتوي على قطع من حبال الأشرعة، بل وحتى بعض القطع الخشبية الصغيرة التي تحمل نقوشًا بالحبر الأحمر تشير إلى كيفية إعادة تجميع المراكب المفككة.

ومما يستحق التوقف عنده، اكتشاف المنقبين وثائق البردي التي كتبها ميرير قبل نحو 4500 عام خلال السنوات الأخيرة من عهد خوفو. استغرق تاليه 3 سنوات لترميم أجزاء ورق البردي وإعادة تجميعها، إن تلك الأجزاء تتضمن أفضل سجل متاح للأنشطة اليومية للعمالة المصرية القديمة. وتشير وثائق البردي إلى أنه بعد تسليم الحجر الجيري المُستخرَج من طرة إلى الجيزة، توجه ميرير مع طاقمه شمالاً لبناء ميناء على البحر المتوسط. وبعد انتهائهم من تلك المهمة تم إرسالهم إلى وادي الجرف، حيث قام ميرير بنقل النحاس منه في نهاية عهد خوفو عام 2525 قبل الميلاد. من المُتوقع أن تكون أول مهمة عمل كُلّف بها ميرير في وادي الجرف هي أن يفتح رجاله غرفَ تخزين المراكب المفككة، ويحملوا أجزاء المراكب إلى الشاطئ لتجميعها بطول 25 مترًا تقريبًا باتباع التعليمات المبينة بالحبر الأحمر على كل قطعة. بعد ذلك قضى ميرير بضعة شهور ينقل المواد الغذائية من مصر إلى سيناء لعمال المناجم، ويجلب النحاس إلى وادي الجرف.

وفقًا لوثائق البردي، كل شيء فعله طاقم ميرير تقريبًا كان في خدمة بناء الهرم الأكبر. إن لم يكن الدافع هو الرق- فما الدافع لهؤلاء الرجال الذي يجعلهم يوظفون مهاراتهم المتعددة لهذا المشروع دون غيره؟ الأدلة تأتي من تاريخ الحكومة المصرية. منذ بدايتها عام 2950 قبل الميلاد، كانت مصر مختلفة عن غيرها من الدول في ذلك الوقت. الفرعون الأول، نارمر، أحكم سيطرته بالقوة العسكرية المحضة على مصر كلها من ساحل البحر المتوسط شمالاً إلى محاجر الجرانيت في أسوان جنوبًا. في الوقت نفسه، كانت بلاد ما بين النهرين تُحكم من قِبَل العشرات من الدول- المدن الصغيرة، والتي كان يحكم كلًّا منها ملك خاص بها، يتقاسم السلطة فيها مع شخصيات دينية وعائلات ثرية، وفقًا لباسكال باترلين، من جامعة بانثيون- السوربون في فرنسا. ربما كانت مصر أكبر منطقة في العالم يسيطر عليها حاكم واحد في ذلك الوقت، وكانت السلطة النهائية فيما يتعلق بكل شيء داخل حدودها بيد الفرعون وحده.

إن تركيز كل السلطات الدينية والسياسية في يد الفرعون جعل المجتمع المصري مختلفًا عن الممالك الأخرى، مثل تلك الموجودة في بلاد ما بين النهرين في ذلك الوقت. فبينما زعم ملوك بلاد ما بين النهرين وجودَ علاقة وثيقة بينهم وبين آلهتهم، اعتقد الفراعنة المصريون أنهم هم أنفسهم آلهة. ويتوقع بوب برير -عالِم المصريات في جامعة لونج أيلاند بنيويورك- أن تكون المَلَكية الإلهية للفراعنة قد مكّنتهم من ضمان طاعة رعاياهم بطريقة لم تتوفر لغيرهم من الحكام. وتدعم النصوص المصرية هذه الفكرة، وفقًا لهنري رايت، الخبير في تشكيل الدول الأولى في جامعة ميتشيجين الأمريكية. تُظهر النصوص أن العمال كان لديهم دوافع دينية، وربما عملوا في بناء الأهرامات من منطلق التزام أيديولوجي، وليس لمجرد القيام بواجبهم تجاه الدولة وفق ما ينُص عليه القانون المصري. ويضيف رايت قائلاً: "إنهم لا يبنون مجرد مقبرة لشخص ما- إنهم يبنون مقبرة للإله". ربما يكون هذا الفكر هو الذي جعل بناء الأهرامات ممكنًا.

نقطة تحوّل

إن البنية التحتية التي استوجبها بناء الأهرامات قد جعلت أمورًا أخرى ممكنة. فرغم أن وادي الجرف تم التخلي عنه بعد 50 سنة فقط من بنائه، بعد أن حقق الغرض منه، فقد مهّد الطريق لبناء ميناء آخر أكثر نجاحًا جهة الشمال هو العين السخنة، وهو أقرب إلى العاصمة منف وغيرها من الأماكن التي تحتاج إلى النحاس، مثل الجيزة وبعدها المجمع الجنائزي في أبو صير (البدرشين) على بعد حوالي 13 كيلومترًا جنوب الهرم الأكبر. وقد أدى ميناء العين السخنة دورًا دائمًا في بناء ثروة مصر، عن طريق إرسال سفن الشحن واستقبالها عبر البحر الأحمر منذ حوالي 1,000 عام.

من جانبها، واصلت مدينة حيط الغراب القيام بدورها كنقطة التقاء رئيسية لطرق التجارة خلال ما تبقى من عهد الأسرة الرابعة، عندما شرع خلفاء خوفو (خفرع ومنقرع) في بناء الأهرامات الخاصة بهم. ولكن بعد دفن منقرع، انتهى عصر الأهرامات.

وفي عام 2450 قبل الميلاد، في بداية عهد الأسرة الخامسة، أصبحت الآثار الجنائزية أكثر تواضعًا، وهُجرت مدينة حيط الغراب. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه التغيُّرات مؤشرًا على تراجع مصر؛ فمشاريع البناء الكبرى كالأهرامات يُنظر إليها عادةً كمؤشرات عامة لثراء المجتمع. في الواقع، على مدى عقود عدة اعتقد علماء المصريات أن الفراعنة توقفوا عن بناء صروح عملاقة لأنفسهم لأن الأمة ككل أصبحت أكثر فقرًا.

غير أن لينر لديه وجهة نظر مختلفة؛ فهو يعتقد أن الأولويات تغيرت في بداية الأسرة الخامسة، وأن البنى التحتية للتجارة والعمل التي أنشأها الفراعنة في وقت سابق على بناء الأهرامات جرت إعادة توجيهها لمشروعات في المحافظات، مما أسهم في الحفاظ على ازدهار البلاد قرونًا عدة. لقد كانت تلك البنية التحتية أداة قوية إلى حد كبير؛ إذ تضمنت شبكات للتصدير امتدت مئات الكيلومترات خارج حدود مصر، ونظمت جهود أكثر من مليون شخص تحت سلطة واحدة. ويؤكد لينر أن "وجود الشبكة التجارية أصبح أكثر أهمية من السبب الذي أُنشئت من أجله"، "لقد كان ذلك نقطة تحوّل نحو الحداثة".

والحداثة، من منظور لينر، هي تطوير بيروقراطية أكثر تعقيدًا باستخدام نظام يسمح بتعزيز السيطرة المحلية على العمل والموارد، بدلاً من السيطرة المباشرة لعائلة الفرعون. والدليل على تلك البيروقراطية المعقدة جاء به حجر باليرمو، وهو قطعة منحوتة اكتُشفت قبل عام 1877، احتوت على إنجازات الفراعنة من الأسرة الثالثة وحتى الأسرة الخامسة. وهي توضح الإنجازات المذكورة خلال عهد أوسر كاف، أول فراعنة الأسرة الخامسة، الذي أنشأ عددًا كبيرًا من المزارع، وتبرع بالعديد من الأراضي لعبادة إله الشمس رع بهدف تحفيز التنمية في الريف. وقد تطلب الإشراف على هذا التوسع المزيد من البيروقراطيين، الذين أرادوا بدورهم إظهار وضعهم الاجتماعي الرفيع باقتناء السلع الكمالية والمدافن الكبيرة. في الوقت نفسه، إن توفير احتياجات سكان المناطق الريفية الجديدة أدى إلى زيادة الطلب على السلع الأساسية. وكانت النتيجة هي الاكتفاء الذاتي وظهور حلقة مستدامة من العرض والطلب، لم تزِد فقط من ثروة مصر، بل أدت إلى تعزيز اقتصاد شركاء التجارة في الخارج.

يتفق رايت مع لينر إلى حد ما. فهو لا يمانع في "أنها بالتأكيد نقطة تحوّل". ويضيف على ذلك: "إنها ثورة تنظيمية". ولكنه لا يتفق مع وصفها بالحداثة. من وجهة نظر رايت، كانت مصر في عهد الأسرة الخامسة تفتقر إلى "التغيير في أنظمة الفكر"، وهي إحدى الخصائص المميزة للمجتمع الحديث. ويعتقد رايت أن المجتمعات الحديثة تتوافر لديها هيئات سريعة النمو تختص بالمعرفة والنظم الفنية، مهمتها التحقق من صحة المعلومات. ورغم أن قدماء المصريين كان لديهم هيئة للمعرفة التقنية، إلا أن الكثير من معارفهم تم تحصيله من خلال الكهانة.

رغم الخلاف حول ماهية الحداثة، يتفق العلماء على أن نظام مصر المتطور للسيطرة يُعد تقدمًا كبيرًا. يُتوقع أن تكشف الحفريات في المستقبل كيف حدث هذا التطور. ويعتزم تاليه مواصلة البحث في وادي الجرف عن مزيد من الأدلة حول مدى اتساع شبكة التجارة في مصر. كما سيواصل أيضًا ترجمة سجلات ميرير حول العمل الذي أكمله طاقمه. ويتوقع تاليه أن البعثات التجارية إلى بلاد بونت، والتي يُظَن أنها تقع في السودان المعاصر، كانت تُبحر من وادي الجرف، ولكنه لم يتمكن حتى الآن من إثبات ذلك. وفي الوقت نفسه سيتابع لينر المهمة الهائلة للتنقيب في حيط الغراب، وتحليل القرائن المهمة حول الحياة قديمًا في تلك المدينة.

وعلى الرغم مما سبق ذكره، فإن خير دليل على الثورة الاقتصادية التي مهد لها بناء الأهرامات قد لا نجده في حيط الغراب أو وادي الجرف أو على هضبة الجيزة. يشير لينر إلى البؤر الاستيطانية في الصحراء الغربية والعقارات في "الشيخ سيد" في مصر الوسطى، بوصفها أماكن قد تسفر عن مزيد من المؤشرات التي تدل على أن المجتمعات الصغيرة البعيدة عن المدن في قلب مصر القديمة هي التي استفادت من الثروة التي تدفقت على البلاد نتيجةً للمركزية البيروقراطية في ظل الملِك الإله. في النهاية، فإن الإنجاز الحقيقي للملك خوفو لم يكن بناء الهرم الأكبر، بل بناء شبكة من الشراكات التجارية، وتنظيم عمل أمة بأكملها. ويلخص برير الفكرة قائلًا: "إن هرم خوفو لم يكن أحد العجائب التقنية بقدر ما كان أحد العجائب الاجتماعية".