يرفع الساحر الشهير سلايديني صندوقًا فارغًا ليراه جميع الحضور. هو ليس صندوقًا بالمعنى الحرفي للكلمة- بل بالأحرى مجرد أربعة جدران من الكرتون، متصلٌ بعضها ببعض، ومغطاة بقطعة من القماش، تتخذ شكل متوازي أضلاع، متهدلًا ومفتوحًا من الأعلى والأسفل. ومع ذلك، عندما وضعه الساحر على طاولة، بدا كأنه وعاء عادي. ثم بدأ في تشكيل رقائق صفراء كبيرة في صورة كرات. وصفق بيده بصوتٍ عالٍ وهو يطوي كل كرة في راحة يديه قبل أن يبسط ذراعه؛ ودون أن ينطق بكلمة، أجبر الجمهور على التحديق في يديه المغلقة ثم فتحها، وكانت المفاجأة. كانت الكرة لا تزال في يديه. ولم يحدث شيء. حسنًا!

أغلق سلايديني يديه مرةً أخرى حول المنديل، وأخذ يلويها ببطء ورشاقة كراقصة شرقية محترفة. كان الأداء ساحرًا لدرجة تشبه التنويم المغناطيسي. وبيده الفارغة، أمسك سلايديني بحفنة وهمية من بودرة الساحر من الصندوق ورشها أعلى يده الأخرى. هذه المرة، فتح يديه ليكشف للجمهور عن اختفاء المنديل! وبالطريقة ذاتها اختفت أربع كرات. وبعد ذلك، ليختتم سلايديني العرض بأن يحني الصندوق إلى الأمام ليتكشف أمرٌ مستحيل: ظهرت جميع الكرات الأربع بشكل غامض مرةً أخرى داخل الصندوق.

ويُعَد هذا العرض من أشهر ما قدم سلايديني في برنامج ديفيد كافيت عام 1978، وكان واحدًا من أبرز حيله. ولكن على الرغم من خفة اليد والمهارة الاستعراضية المعروف بها هذا الساحر، فإن حيلته لم تنطلِ إلا لأن عقل المشاهد يعجز عن تأدية أكثر من مهمة في وقت واحد.

تنبيه: سنكشف فيما يلي أسرار الخدع السحرية! لا تتابع القراءة إلا إذا كنت ترغب حقًّا في معرفة المزيد.

تعتمد خدعة سلايديني على خلق حالة من الغموض وخداع عقل المشاهد بحيث يفسرها على نحو خطأ. ففي الوقت الذي مد فيه سلايديني يده إلى الصندوق للحصول على "بودرة الساحر"، استخدم نفس حركة اليد ليُسقِط كل كرة داخل الصندوق (بعد أن كان قد نقلها مسبقًا من يد إلى الأخرى). وقد بررت خدعة بودرة الساحر ما كان ليبدو بخلاف ذلك في صورة فعل غير طبيعي- وهو تكتيك شرحناه بشكلٍ أكثر تفصيلاً في مقال اشترك في تأليفه الحواة تيلير، وأبولو، وروبينز، وجيمز راندي، وماك كينج، وجوني تومبسون.

 ويشير تيلير إلى هذا النوع من الأفعال بـأنها "حركة ذات غرض". وينجح هذا التضليل في خداع عقل المتلقي لأن العقل البشري يصنف تلقائيًّا حركات البشر عن طريق تفسير نواياهم. فعندما نرى شخصًا يدفع نظارته إلى أعلى أنفه ونفترض أن النظارة كانت قد انزلقت؛ يمكن لساحر أن يستخدم ذات الحركة ليخفي شيئًا في فمه. الحركة في حد ذاتها غامضة، حتى وإن بدا الفعل واضحًا. ففيما يبدو أن المخ لا يقدر على تصور فعلٍ له هدفان يتحققان في الوقت نفسه. وعلى ذلك، فإن جُلَّ ما احتاج سلايديني هو أن يوجه تصور المتلقي بحيث يفضل تفسيرًا (أن اليد تمسك ببودرة الساحر) على آخر (أن اليد ترمي كرة). وهنا يكمن السحر.

تأثير الظلام

CREDIT: JASON LEE

 

أما الساحر بول دانيلز، فقد وجه الغموض إلى حاسة اللمس عبر خدعته الشهيرة "تأثير الظلام". في هذه الخدعة يفحص متطوع شماعة ملابس معدنية عادية (الصف الأعلى، إلى اليسار)، وبعد ذلك يستبدل مساعد الساحر بالشماعة واحدةً أخرى فيها فجوة (الصف الأعلى، إلى اليمين). ومع إغلاق عيني المتطوع، يبدو الساحر وكأنه يمرر الشماعة على أجزاء متعددة من جسم المتطوع (النصف السفلي) -على الرغم من أن الجمهور يمكنه أن يرى بوضوح أن هذا خداع بصري.

ولا تنطلي الخدعة على المتطوع إلا لأنه يجهل أن الشماعة السليمة التي تفحصها قد حلت محلها أخرى مكسورة لتنفيذ الخدعة، فيستنتج أن الشماعة السليمة قد تم تمريرها عبر الجسم بصورة سحرية، فهو يغلق فجوة الشماعة في ذهنه، وهو ما يعطينا تطبيقًا عمليًّا لمبدأ الاستمرار الانسيابي [انظر "الفتاة المتعرجة" أدناه] في الجزء الخاص بخداع حاسة اللمس.

الفتاة المتعرجة

 

CREDIT: JASON LEE

 

يعمل الساحر أنطوني بارنهارت (الشهير بماجيك توني) عالِمًا متخصصًا في الإدراك في جامعة قرطاج. وقد اقترح بارنهارت أن بعض الأعمال السحرية تعتمد على الخدع الغامضة التي تستغل ما يعرف بـ"قوانين جشطلت" في الاستبصار. وتحديدًا، يؤكد مبدأ الاستمرار الانسيابي أن الجهاز البصري يفضل تنظيم المقاطع المستقيمة في صورة عناصر متصلة.

وقد كشف بارنهارت أن الخدعة السحرية الشهيرة المعروفة بـ"فتاة الزجزاج" تعتمد على تلك التوجيهات البصرية الغامضة. ففي الحيلة التقليدية (اليسار)، تؤدي صورة موضوعة على جانب الصندوق إلى اعتقاد أن المرأة الموجودة بداخله حتمًا قد قطعت بشكل سحري. ومن دون الظل المرسوم للمرأة (إلى اليمين)، تصبح الخدعة أقلَّ قدرةً على خداع العقل؛ لأن الالتواءات الجسدية الأخرى تبدو حقيقية.

نُشر المقال في الأصل بعنوان "استحضار المراوغات"