لقد كانت الأرض منذ ما يقرب من أربعمئة مليون سنة موطنًا للكائنات التي تتميز ببناء جسدي متناسق. ولطالما أبدى البشر كذلك اهتمامًا بالغًا بهذه الصفة في نوعنا، فيمكننا أن نرى أهمية التناسق في تصورات الجمال على سبيل المثال، أو في الرسم الشهير للجسد البشري الممدد في لوحة ليوناردو دافينشي "الرجل الفيتروفي".

والآن تَقَدَّم العلماء خطوةً أبعد من ذلك. قاد ألبرتو روسيلو دييز -اختصاصي في علم الأحياء النمائي يعمل حاليًّا في المعهد الأسترالي للطب التجديدي في جامعة موناش- دراسةً تدور حول كيفية حفاظ جنين الفأر على التناسق في أثناء النمو. فقد تعمّد الفريق جعل أحد أطراف الجنين ينمو بمعدل أبطأ من الطرف الآخر، ولاحظوا كيف تواصلت الخلايا لتصحيح خلل التناسق في النهاية. وحتى اللحظة، لم يسبق أن نجحت أي دراسة في بحث هذه الظاهرة.

وبعد عام من المحاولات الفاشلة، صمم روسيلو دييز وفريقه نموذجًا في الفئران، استعار فيه الباحثون تقنية طُوِّرَت من قبل لتعديل الخلايا داخل طبق المختبر، وحقنوا ساق الفأر الخلفية اليسرى بنوع من الخلايا تحد من نموها. وجد الباحثون أن الخلايا المحيطة بالنسيج المـُثَبَّط تواصلت مع المشيمة، التي أرسلت بدورها إشارات إلى باقي أنسجة الجنين –بما فيها الساق الخلفية الأخرى- لتبطئ نموها إلى أن تلحق بها الساق المتأخرة. ثم استأنف الجسم بعد ذلك نموه المنتظم. نُشِرَت النتائج في شهر يونيو بدورية "بلوس بايولوجي".

وفي السياق ذاته، يقول كيم كوبر، اختصاصي علم الأحياء الخلوية والنمائية بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، الذي لم يشارك في الدراسة، يمكننا التفكير في هذه العملية باعتبارها "سباق جري بثلاثة أرجل". يقول كوبر: "إذا كان أحد المتسابقين يتحرك أسرع من الآخر، فلن يتمكن المتسابقان من تقديم أداء متجانس. وهنا تبرز أهمية آلية المشيمة التي تتيح للطرف الأبطأ اللحاق بالطرف الأسرع".

تقدم الدراسة فهمًا عميقًا لنمو الأطراف وما يسمى بالنمو الاستدراكي. غير أن البحث يثير أيضًا تساؤلات جديدة: منها على سبيل المثال، كيف يدرك الطرف الآخر أن عليه البدء في النمو من جديد بمجرد وصول الطرف البطيء لمستوى النمو ذاته؟ يقول أدريان هالمي، عالِـم الأحياء الخلوية بجامعة فرجينيا، الذي لم يشارك في الدراسة هو الآخر، "نحن نتوقع التناسق في أطرافنا. ولكن الطريقة التي يتحقق بها هذا التناسق هي ما يثير فضولنا".

نُشِرَت هذه المقالة في الأصل بعنوان "توازن الجسم".