شهد منتصف القرن التاسع عشر انتشار دودة في حجم إصبع بشرية عبر شمالي شرق الولايات المتحدة. وتلا ظهور هذه الدودة، التي تُعرف باسم دودة الطماطم ذات القرن الشرجي، تقارير مرعبة لحالات إصابة بتسمُّم مميت وسلوك عدواني تجاه البشر. وفي يوليو من عام 1869، نشرت صحف في جميع أنحاء المنطقة تحذيرات من الحشرة، تفيد بأن فتاة في رد كريك في نيويورك "أصيبت بتشنجات أدت إلى الوفاة" بعد صراع مع هذا الكائن. كما نشرت جريدة سيراكيوز ستاندرد Syracuse Standard ذلك الخريف روايةً لطبيب يُدعى دكتور فولر، جمع عينةً بالغة الضخامة من تلك الديدان، وحذر من أن الدودة "سامة كالحية ذات الأجراس" وأنه على علم بثلاث وفيات لها علاقة بسُمها.

على الرغم من أن الدودة ذات القرن الشرجي هي آكل شره، يمكنه أن يتلف نبات الطماطم في غضون أيام، فإنها في الواقع غير ضارة بالبشر. وكان علماء الحشرات على علم بأن الحشرة غير ضارة طوال عقود عندما نشر فولر روايته الدرامية، وسخر الخبراء من مزاعمه على نطاق واسع. لماذا إذًا استمرت الشائعات على الرغم من أن الحقيقة كانت متاحةً بسهولة؟ إن البشر يتعلمون عبر التفاعل الاجتماعي، فنحن نطور معظم معتقداتنا من خلال شهادة الآخرين الموثوق بهم كأساتذتنا وآبائنا وأصدقائنا. هذا النقل الاجتماعي للمعرفة يكمُن في صميم الثقافة والعلم. لكن كما تُبين لنا قصة الدودة ذات القرن الشرجي، تعاني قدرتنا على التعلم من نقطة ضعف هائلة، ألا وهي أن الأفكار التي ننشرها تكون في بعض الأحيان مضلِّلة.

على مدار السنوات الخمس الماضية، أضحت الطرق التي يمكن أن يخذلنا بها النقل الاجتماعي للمعرفة في بؤرة الاهتمام. فقد أدت المعلومات المضلِّلة المتداولة على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي إلى وباء من المعتقدات الزائفة، مقترنةً بشيوع مفاهيم مغلوطة بشأن موضوعات مثل انتشار التلاعب بأصوات الناخبين، أو ما إذا كان حادث إطلاق النار بمدرسة ساندي هوك مدبرًا، وصولًا إلى ما إذا لقاحات الأمراض آمنة. وقد زادت الآن حدة الآليات الأساسية ذاتها التي نشرت الخوف من الدودة ذات القرن الشرجي، وفي بعض الأحيان أدت إلى فقدان ثقة عميق من ناحية العامة تجاه المؤسسات الاجتماعية الرئيسية. إحدى النتائج المترتبة على ذلك هي أكبر تفشٍّ لوباء الحصبة شهده جيلٌ من الأجيال.

قد تبدو تسمية "معلومات خطأ" misinformation هنا مغلوطة. ففي نهاية الأمر، الكثير من المعتقدات الزائفة المدمرة المنتشرة اليوم مدفوعٌ في الأصل بالدعاية ونشر المعلومات المضللة عن عمد disinformation، وتلك أفعالٌ خادعة عن قصد وتستهدف إلحاق الضرر. ولكن جزءًا مما يجعل الدعاية والمعلومات المُضللة فعالةً إلى هذه الدرجة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أن الأشخاص المعرَّضين لها يتداولونها على نطاق واسع بين الأصدقاء والأقران الذين يثقون بهم دون وجود أية نية لتضليل أحد. إن وسائل التواصل الاجتماعي تحوِّل المعلومات المُضللة والكاذبة عن عمد إلى معلومات مضلِّلة غير مقصودة.

حاول الكثير من أساتذة العلوم الاجتماعية ومنظِّري علم الاتصال فهم كيف تظل المعتقدات الخطأ باقيةً عن طريق نمذجة طريقة انتشار الأفكار كأنها عدوى. وقد وظفوا نماذج رياضية تتضمن محاكاةً لتمثيل مبسط للتفاعلات الاجتماعية للبشر باستخدام خوارزمية حاسوبية، ثم درسوا هذه المحاكاة بهدف فهم ما يحدث في العالم الحقيقي. في نموذج العدوى، تكون الأفكار كالفيروسات التي تنتقل من عقل إلى عقل. ويضم هذا النموذج شبكةً تتكون من عُقَد تمثل الأفراد وأطراف تمثل العلاقات الاجتماعية، ثم تُغرس فكرة في أحد "العقول" ويُلاحظ كيف تنتشر وفقًا لافتراضات متنوعة تتعلق بمتى سيحدث الانتقال.

 إن نماذج العدوى شديدة البساطة، لكنها استُخدمت لتفسير أنماط مدهشة من السلوك، كوباء الانتحار الذي يُقال إنه اجتاح أوروبا بعد نشر رواية آلام فرتر The Sorrows of Young Werther لجوتة عام 1774، أو ما حدث عام 1962 عندما ادعى العشرات من عمال النسيج الأمريكيين أنهم عانوا من الغثيان والخدر بعد أن لدغتهم حشرة وهمية. يمكن لهذه النماذج كذلك تفسير كيف تتفشى بعض المعتقدات الزائفة على الإنترنت. قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة ظهرت على فيسبوك صورة (ميم إنترنت) لدونالد ترامب شابًّا، واحتوت على اقتباسٍ منسوب لمقابلة نُشرت عام 1998 في مجلة بيبول People يقول فيه إنه إذا ترشح للرئاسة في أي وقت فسيكون ترشُّحه عن الجمهوريين؛ وذلك لأن الحزب مكوّن من "أغبى مجموعة من الناخبين". ورغم عدم وضوح هوية أول مَن نشر ميم الإنترنت هذا (المريض رقم صفر)، فإنه انتقل سريعًا من ملف شخصي إلى آخر.

سرعان ما قُيمت صحة هذا الميم وفضح زيفه، وأفاد موقع سنوبس Snopes لتدقيق الحقائق أن الاقتباس زائف وتم اختلاقه منذ أكتوبر عام 2015. ولكن كما هو الحال في قصة دودة نبات الطماطم ذات القرن الشرجي، فإن محاولات نشر الحقيقة لم تغير كيفية انتشار الشائعات. نسخة واحدة فقط من هذا الميم تمت مشاركتها أكثر من نصف مليون مرة. ومع مشاركتها من قبل أفراد جدد على مدى الأعوام العديدة التالية، نقل هؤلاء الأفراد عدوى معتقداتهم الزائفة إلى الأصدقاء الذين لاحظوا الميم، وهم بدورهم مرروا المعتقد الزائف إلى مناطق جديدة في الشبكة.

لهذا السبب يبدو أن الكثير من الميمات التي جرت مشاركتها على نطاق واسع محصنة ضد التدقيق وكشف الزيف. فكل شخص شارك صورة ترامب الساخرة وثق بالصديق الذي شاركها بدلًا من التحقق منها بنفسه. لا نفع من عرض الحقائق إذا لم يهتم أحدٌ بالبحث عنها. قد يبدو أن المشكلة هنا هي الكسل أو السذاجة- ومن ثم ينحصر الحل في التثقيف أو اكتساب مهارات أفضل للتفكير النقدي، لكن هذا ليس صحيحًا تمامًا. في بعض الأحيان تبقى المعتقدات الزائفة وتنتشر حتى في المجتمعات التي يعمل الكل فيها بجد لمعرفة الحقيقة عن طريق جمع الأدلة ومشاركتها. في هذه الحالات، لا تصبح المشكلة مشكلة ثقة ينقصها التفكير، بل إن الأمر يمضي إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير.

فلتثق بالأدلة

لدى صفحة "أوقفوا التطعيم الإلزامي" أكثر من 140,000 متابع، وينشر المشرفون على الصفحة بشكل منتظم مواد تُصاغ بحيث تشكل أدلةً تثبت لهذا المجتمع أن اللقاحات ضارة أو غير فعالة، تتضمن قصصًا إخبارية، وأبحاثًا علمية، ومقابلات مع شخصيات بارزة من المتشككين في جدوى اللقاحات. وعلى صفحات لمجموعات أخرى على فيسبوك يطرح آلاف من الآباء المهتمين أسئلة، ويقدمون إجابات بشأن سلامة اللقاحات، وفي كثير من الأحيان يتشاركون الأبحاث العلمية والمشورات القانونية التي تدعم الجهود المضادة للتطعيم. يهتم المشاركون في هذه المجتمعات على الإنترنت كثيرًا بما إذا كانت اللقاحات ضارة، ويحاولون الوصول إلى الحقيقة بشكل فاعل، ولكنهم يتوصلون إلى استنتاجات خطأ بشكل خطير. كيف يحدث ذلك؟

إن نموذج العدوى غير كافٍ للإجابة عن هذا السؤال، عوضًا عن ذلك، نحن في حاجة إلى نموذج يسجل الحالات التي يُكوِّن فيها الأشخاص المعتقدات على أساس الأدلة التي يجمعونها ويتشاركونها. يجب أن يتعرف النموذج كذلك على الأسباب التي تحفز هؤلاء الأشخاص للسعي وراء الحقيقة في المقام الأول. فعندما يتعلق الأمر بقضايا صحية، قد ينجم عن اتخاذ إجراءات مبنية على معتقدات خطأ تكلفة كبيرة، فإذا كانت اللقاحات آمنةً وفعالة (وهي بالفعل كذلك) ولا يطعِّم الآباء أطفالَهم، فإنهم بذلك يعرِضونهم ويعرِّضون مَن لديه جهاز مناعي مثبَّط لمخاطر لا داعي لها. إذا كانت اللقاحات غير آمنة كما استنتج المشاركون في مجموعات فيسبوك تلك، فإن المخاطر تصبح على العكس من ذلك. هذا يعني أن التوصل إلى ما هو حقيقي والتصرف وفق ذلك، هو أمرٌ في غاية الأهمية.

يستخدم المتظاهرون لغة "الاختيار" لنشر المعلومات المضلِّلة بشأن سلامة اللقاحات. حقوق نشر الصورة محفوظة لريك بيدرونشيلي،  Credit: Rick Pedroncelli AP Photo

ولفهم هذا السلوك على نحوٍ أفضل، استندنا إلى ما يُسمى الإطار المعرفي للشبكة. طور الاقتصاديون هذا المفهوم لأول مرة منذ عشرين عامًا؛ بهدف دراسة الانتشار الاجتماعي للمعتقدات داخل أحد المجتمعات. تحتوي النماذج من هذا النوع على جزأين: مشكلة وشبكة من الأفراد "الوكلاء". تنطوي المشكلة على اختيار أحد خيارين: يمكن أن يكون الخياران إما "طَعِّم" أو "لا تُطَعِّم" أطفالك. وبكون الوكلاء في النموذج لديهم معتقدات حول ما هو الاختيار الأفضل، فالبعض يعتقد أن التطعيم آمنٌ وفعال، في حين يعتقد الآخرون أنه يتسبب في الإصابة بمرض التوحُّد. تُشكل معتقدات الوكيل سلوكه -فهؤلاء الذين يظنون أن اللقاح آمن يختارون إجراء التطعيم، ويعمل سلوكهم بدوره على تشكيل معتقداتهم، فعندما يُجري الوكلاء عملية التطعيم ويرون عدم حدوث ضرر، يصبحون أكثر اقتناعًا بأن التطعيم آمنٌ بالفعل.

أما الجزء الثاني من النموذج فهو عبارة عن شبكة تمثل الصلات الاجتماعية؛ إذ لا يتعلم الوكلاء من تجاربهم الخاصة مع التطعيم فحسب، بل من تجارب جيرانهم كذلك. لذا يكون مجتمع الفرد مهمًّا للغاية في تحديد نوع المعتقدات التي ستتطور لديه في نهاية المطاف.

يستوعب الإطار المعرفي للشبكة بعض الملامح الجوهرية التي تفتقر إليها نماذج العدوى؛ إذ يجمع الأفراد البيانات عمدًا ويتشاركونها، ثم يواجهون العواقب الناتجة عن المعتقدات السيئة. تعلِّمنا النتائج بعض الدروس المهمة بشأن الانتشار الاجتماعي للمعرفة. أول ما نتعلمه هو أن العمل الجماعي أفضل من العمل المنفرد؛ لأن من الأرجح أن الفرد الذي يواجه وحده مشكلةً مثل مشكلة التطعيم سوف يستقر مبكرًا على النظرية الأسوأ. فعلى سبيل المثال، قد يلاحظ الشخص أن أحد الأطفال تَبيَّنت إصابته بالتوحد بعدما تلقى التطعيم، فيستنتج أن اللقاحات غير آمنة. في حين يوجد في المجتمعات ميلٌ إلى التنوع في معتقدات الناس. فيجرب البعض إجراءً ما بينما يجرب الآخرون الإجراء الآخر. يعني هذا التنوُّع أنه تم جمع قدر من الأدلة يكفي لتكوين معتقدات سليمة.

ولكن حتى هذا النفع الذي يعود على المجموعة لا يضمن أن يعرف الوكلاء الحقيقة، فالأدلة العلمية الحقيقية هي بطبيعة الحال احتمالية. على سبيل المثال، يصاب بعضٌ من غير المدخنين بسرطان الرئة بينما لا يصاب بعض المدخنين بسرطان الرئة، يعني هذا أن بعض الدراسات عن المدخنين ستتوصل إلى عدم وجود صلة بين التدخين وسرطان الرئة. وعلى نحو متصل، بعض الأطفال الذين تلقوا تطعيمات سيصابون بالتوحد، على الرغم من عدم وجود صلة إحصائية فعلية بين اللقاحات والتوحد. لذا يلاحظ بعض الآباء أن أطفالهم تظهر عليهم أعراض التوحد بعد تلقِّي التطعيمات. وسلاسل من الأدلة المضللة من هذا النوع كافية لتوجيه مجتمع بأكمله في الاتجاه الخطأ.

في النسخة الأكثر بساطةً من هذا النموذج، يترتب على التأثير الاجتماعي أن تصل المجتمعات آخر المطاف إلى توافق في الآراء ، فتقرر ما إذا كان التطعيم آمنًا أو أنه ينطوي على مخاطر، ولكن هذا لا يتلاءم مع ما نراه في العالم الحقيقي، ففي المجتمعات الفعلية، نشهد استقطابًا -اختلافًا عميقًا بشأن ما إذا كان يجب إجراء التطعيمات أم لا. نحن ندفع بأن هذا النموذج الأولي يُغفل عنصرين جوهريين: الثقة الاجتماعية والامتثال.

تؤدي الثقة الاجتماعية دورًا مهمًّا في تكوين المعتقدات، ويتجلى ذلك عندما يتعامل الأفراد مع بعض مصادر الأدلة على أنه أكثر موثوقيةً من مصادر أخرى. كما نجد، على سبيل المثال، عندما يثق معارضو التطعيمات بأدلة يتشاركها الآخرون في مجتمعهم أكثر من الأدلة الصادرة عن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أو المجموعات الأخرى للأبحاث الطبية. قد ينشأ فقدان الثقة هذا عن أسباب شتى، تتضمن الخبرات السلبية السابقة مع الأطباء، أو بواعث قلق من أن نظام الرعاية الصحية أو المؤسسات الحكومية لا تكترث لما يمثل الأفضل بالنسبة لهم. في بعض الأحيان يكون فقدان الثقة له ما يسوِّغه، وذلك نظرًا لوجود تاريخ طويل من تجاهُل الباحثين في مجال الطب والأطباء المعالجين لقضايا مشروعة يُعرِب عنها المرضى، لا سيما النساء.

إلا أن المحصلة النهائية هي أن معارضي التطعيمات لا يستقون معلوماتهم من الأشخاص الذين يجمعون أفضل الأدلة عن الموضوع. في بعض نسخ هذا النموذج التي تُظهر أن الأفراد لا يثقون بالأدلة التي يأتي بها أولئك الذين يدينون بمعتقدات شديدة الاختلاف، نجد أن المجتمعات تعاني من الاستقطاب، ويعجز أولئك الذين لديهم معتقدات باطلة عن تعلُّم ما هو أفضل منها.

من الناحية الأخرى، نجد أن الامتثال هو تفضيل التصرُّف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها الآخرون في المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد. والرغبة الملحَّة في الامتثال هي جزء أصيل من النفس البشرية، وهي جزء قد يقودنا إلى عمل أفعال نعلم أنها ضارة. عندما نضيف الامتثال إلى النموذج، نشهد ظهور عصبات مغلقة من الوكلاء الذين يدينون بمعتقدات زائفة. ويكمن السبب وراء ذلك في أن الوكلاء المتصلين بالعالم الخارجي لا يمررون معلومات تتعارض مع معتقدات الجماعة التي ينتمون إليها، مما يعني أن كثيرًا من أعضاء الجماعة لن يعرفوا الحقيقة أبدًا.

يمكن لمفهوم الامتثال أن يفسر لماذا يميل المتشككون في جدوى اللقاحات إلى التجمُّع في مجتمعات بعينها. فنجد في بعض المدارس الخاصة والمستقلة بجنوب كاليفورنيا معدلات تطعيم متدنية تقع في خانة العشرات القليلة. وتنخفض المعدلات بشكل مذهل بين المهاجرين الصوماليين في مينيابوليس واليهود الأرثوذكس في بروكلين -وهما اثنان من المجتمعات التي عانت مؤخرًا من حالات تفشٍّ لمرض الحصبة.

وينبغي أن تراعي التدخلات في مسألة التشكك في اللقاحات كلًّا من الثقة الاجتماعية والرغبة في الامتثال. فمن المرجح ألا تُجدي مشاركة أدلة جديدة مع المتشككين فحسب نظرًا لوجود مشكلات تتعلق بالثقة. وقد يكون إقناع أعضاء موثوق بهم من هذا المجتمع بالدفاع عن التطعيم أمرًأ صعبًا بسبب الرغبة في الامتثال. إن النهج الأفضل هو العثور على أفراد لديهم قواسم مشتركة كافية مع أعضاء من هذه الجماعات لبناء الثقة. قد يكون حاخام يهودي -على سبيل المثال- سفيرًا كُفأً للدفاع عن اللقاحات في بروكلين، أما في جنوب كاليفورنيا فقد نحتاج إلى الاستعانة بالممثلة جوينث بالترو.

يمكن أن تساعد الثقة الاجتماعية والامتثال في تفسير لماذا ينشأ استقطاب المعتقدات في الشبكات الاجتماعية. ولكن على الأقل في بعض الحالات، بما في ذلك مجتمع الصوماليين بمينيسوتا ومجتمعات اليهود الأرثوذكس بنيويورك، مثَّل هذان العاملان جزءًا واحدًا فقط من القصة. فكلتا المجموعتين كانت هدفًا لحملات متطورة لنشر المعلومات المغلوطة، صممها معارضو التطعيمات.

Credit: Jen Christiansen; Source: The Wisdom and/or Madness of Crowds, by Nicky Case

Credit: Jen Christiansen; Source: The Misinformation Age: How False Beliefs Spread, by Cailin O’Connor and James Owen Weatherall. Yale University Press, 2019

Credit: Jen Christiansen; Source: The Misinformation Age: How False Beliefs Spread, by Cailin O’Connor and James Owen Weatherall. Yale University Press, 2019

عمليات التأثير

يعتمد كيف ننتخب وما نشتري ومَن نشيد به على ما نؤمن به من قناعات عن العالم. ونتيجةً لذلك، يوجد الكثير من الجماعات والأفراد الأقوياء والأغنياء المهتمين بتشكيل المعتقدات السائدة لدى العامة، بما في تلك المتعلقة بالحقائق العلمية. ثمة فكرة ساذجة تزعم أنه عندما يحاول قطاع الصناعة التأثير على المعتقدات العلمية، يلجأ إلى شراء العلماء الفاسدين. ربما يحدث ذلك في بعض الأحيان، ولكن إحدى الدراسات الدقيقة لسوابق تاريخية تشير إلى وجود إستراتيجيات أكثر دقة -ويمكن القول بأنها أكثر فاعلية- يستخدمها قطاع الصناعة والدول القومية والجماعات الأخرى. والخطوة الأولى من أجل حماية أنفسنا من هذا النوع من التلاعب هو فهم كيفية عمل تلك الحملات.

نستعين هاهنا بمثال نموذجي من دوائر صناعة التبغ التي طورت أساليب جديدة في الخمسينيات من القرن الماضي لمكافحة توافُق الآراء المتنامي على أن التدخين قاتل. ففي الخمسينيات والستينيات، نشر معهد التبغ Tobacco Institute رسالةً إخباريةً نصف شهرية تُسمى "التبغ والصحة" Tobacco and Health أوردت فقط أبحاثًا علمية تشير إلى أن التبغ ليس ضارًّا، أو بحوثًا تؤكد عدم اليقين فيما يخص الآثار الصحية للتبغ.

وتوظف هذه الرسائل الإخبارية ما أطلقنا عليه المشاركة الانتقائية، وينطوي هذا النهج على النظر في البحث العلمي الحقيقي والمستقل، ثم فرزه وانتقاء الأدلة التي تحبذ موقفًا مفضَّلًا، وعرض تلك الأدلة فقط. وباستخدام متغيرات في النماذج التي وصفناها مسبقًا، نزعم أن المشاركة الانتقائية فعالة بشكل مذهل في تشكيل ما يعتقده جمهورٌ من غير العلماء حول الحقائق العلمية. بعبارة أخرى يمكن لجهات فاعلة ذات أهداف أن تستخدم نواةً من الحقيقة لخلق انطباع من عدم اليقين، أو حتى لإقناع الناس بدعاوى مزيفة.

لقد ظلت المشاركة الانتقائية جزءًا رئيسيًّا من قواعد اللعبة التي يمارسها معارضو التطعيمات. فقبل وقوع حالات تفشي الحصبة الأخيرة بنيويورك، أنتجت ووزعت منظمة أطلقت على نفسها "آباء يعلمون ويدافعون عن صحة الأبناء" Parents Educating and Advocating for Children's Health (PEACH) كتيبًا من 40 صفحة تحت عنوان "دليل السلامة في التعامل مع اللقاحات". واتسمت المعلومات المتبادلة في الكتاب -حال كونها دقيقة- بانتقائية شديدة؛ إذ ركزت على العدد القليل من الدراسات العلمية التي تشير إلى المخاطر ذات الصلة باللقاحات، وأولت أقل قدر من الاعتبار للدراسات الكثيرة التي توصلت إلى أن اللقاحات آمنة.

كان كتيب "آباء يعلمون ويدافعون عن صحة الأبناء" فعالًا بشكل خاص؛ لأنه جمع بين المشاركة الانتقائية والإستراتيجيات البلاغية. عمل الكتيب على بناء الثقة مع اليهود الأرثوذكس عن طريق إبراز عضوية مَن كتبوه في مجتمعهم المحلي (على الرغم من أن الكتاب نُشر باسم مستعار، إلا أن بعض المؤلفين على الأقل كانوا أعضاءً في هذا المجتمع) والتأكيد على مخاوف من الأرجح أن تلقى صدىً عندهم. وانتقى حقائق بعينها بشأن اللقاحات بغرض تنفير الجمهور الذي يخاطبه، فعلى سبيل المثال، ذكر أن بعض اللقاحات تحتوي على مادة الجيلاتين المشتقة من الخنازير. بقصد أو من دون قصد، صُمم الكتيب بطريقة استغلت الثقة الاجتماعية والرغبة في الامتثال -وهي الآليات الأساسية ذاتها في تكوين المعرفة الإنسانية.

الأسوأ من ذلك هو أن مروجي الدعايات يطورون بشكل مستمر أساليب يتزايد تعقيدها للتلاعب بالمعتقدات العامة. وقد شهدنا على مدى السنوات العديدة السابقة مروجي المعلومات المُضللة يبتكرون طرقًا جديدة –لا سيما عبر قنوات التواصل الاجتماعي مثل روبوتات تويتر والمتصيدين (ترول) مدفوعي الأجر، وفي الآونة الأخيرة، عن طريق اختراق حسابات الأصدقاء أو نسخها- بهدف خلق انطباع بأن معتقدات زائفة بعينها شائعة على نطاق واسع يتضمن أصدقاءك وآخرين ممن تتوحد معهم. وربما واجه مؤسسو "آباء يعلمون ويدافعون عن صحة الأبناء" أنفسهم هذا النوع من الخطاب الاصطناعي الزائف عن اللقاحات. فوفق مقال نُشِر عام 2018 في المجلة الأمريكية للصحة العامة American Journal of Public Health، وزعت تلك المعلومات المُضللة والكاذبة عن عمد عبر حسابات ذات صلة بعمليات روسية للتأثير، تسعى إلى تضخيم الخلاف في المجتمع الأمريكي، وتحويل إحدى قضايا الصحة العامة إلى سلاح. لا تعمل هذه الإستراتيجية على تغيير العقول عبر الأدلة أو النقاشات العقلانية، بل تلجأ ببساطة إلى التلاعب بالانتشار الاجتماعي للمعرفة والمعتقدات.

إن تطور مجهودات نشر المعلومات المضلِّلة (وحملات التضليل التي تعززها والموجهة بشكل كبير) تثير مشكلة مزعجة بالنسبة للديمقراطية. وبالرجوع إلى مثال الحصبة، يُسمح بإعفاء الأطفال في كثير من الولايات من التطعيم الإلزامي على أساس "المعتقدات الشخصية". إلا أن هذا الإعفاء أضحى نقطة الانفجار في كاليفورنيا عام 2015، عقب وقوع حالات تفشٍّ لمرض الحصبة تم اقتفاء آثارها إلى مجموعة أطفال لم يتلقوا التطعيم كانوا في زيارة لديزني لاند. عقب ذلك وقَّع المحافظ جيري براون على قانون جديد، رقم SB277، يقضي بإلغاء هذا الإعفاء.

وعلى الفور قدم المتشككون في التطعيمات أوراق المطالبة بإجراء استفتاء في اقتراع الولاية المقبل للإطاحة بالقانون. ولو كانوا قد نجحوا في جمع 365,880 توقيعًا (لم ينجحوا إلا في جمع 233,758 توقيعًا فقط)، لكان السؤال عما إذا كان ينبغي أن يتمكن الآباء من اختيار عدم المشاركة في التطعيمات الإلزامية استنادًا إلى المعتقدات الشخصية قد انتقل إلى اقتراع مباشر نتائجه معرَّضة على وجه التحديد لاستغلال حملات التضليل التي أدت إلى هبوط معدلات التطعيم في كثير من المجتمعات.

لحسن الحظ باءت تلك الجهود بالفشل، لكن تظل حقيقة أن مئات الآلاف من مواطني ولاية كاليفورنيا أيدوا اقتراعًا مباشرًا حول مسألة لها تأثير خطير على الصحة العامة، إذ كانت الحقائق واضحة ولكن يُساء فهمها بواسطة جماعات ناشطة بعينها، وهو أمر يستدعي وقفةً جادة. ثمة مسوِّغ لاهتمامنا بوجود سياسات تعكس على الوجه الأمثل الأدلة المتاحة وتستجيب للمعلومات الجديدة الموثوق بها. كيف لنا أن نحمي الرفاه العام عندما يتعرض هذا العدد الكبير من المواطنين لتضليل بشأن الحقائق؟ وكما أن الأفراد الذين يتصرفون استنادًا إلى معلومات مغلوطة ومضللة لن يتمكنوا على الأرجح من الوصول إلى النتائج التي يرغبونها، فإن المجتمعات التي تتبنى سياسات تستند إلى معتقدات زائفة من الأرجح ألا تتمكن بدورها من تحقيق النتائج التي تنشدها وتتوقعها.

إن السبيل المُثلى لتقرير مسألة ذات طبيعة علمية -مثل هل اللقاحات آمنة وفعالة؟- لا يكون بطلب الاقتراع عليها من جماعة من غير الخبراء، خاصةً عندما يكونون عرضةً لحملات من المعلومات المضللة والمغلوطة. ما نحتاجه هو نظام لا يحترم فقط العمليات والمؤسسات القائمة على الأسس العلمية السليمة بوصفها أفضل ما لدينا من الطرق لمعرفة الحقيقة عن العالم، بل يحترم كذلك القيم الديمقراطية الأساسية التي تحول دون إملاء مجموعة واحدة مثل العلماء للسياسات.

نحن لا نملك مقترحًا لنظام حكومي يمكنه تحقيق التوازن بشكل مثالي بين هذه الشواغل المتنافسة. ولكننا نعتقد أن العامل الرئيسي هو الفصل بشكل أفضل بين قضيتين مختلفتين جوهريًّا: ما هي الحقائق؟ وماذا ينبغي علينا فعله في ضوء تلك الحقائق؟ إن المثل العليا للديموقراطية تقضي بأن كلتا القضيتين تتطلب الرقابة العامة والشفافية والمساءلة. لكن المسألة الثانية فحسب -كيف نتخذ القرارات في ضوء الحقائق؟- هي التي يجب أن تُطرح للتصويت.