بعد مرور عامين على كسر ساقي في حادث عَدْو غريب، كنت أقطع حوالي 160 كيلومترًا في الأسبوع على المشاية الكهربائية استعدادًا للاشتراك في مسابقة مغامرات مدتها 36 ساعة. ونظرًا لأني متمرسة في سباقات الماراثون؛ إذ شاركت في 15 سباقًا، بالإضافة إلى عدد لا حصر له من الفعاليات الرياضية الأخرى، كنت في أحسن حالاتي البدنية، أو هكذا ظننت، حتى حدث في صباح أحد أيام الأحد أن لم أستطع أن أحرك ذراعيَّ. وبعد أعوام من رفع الأوزان، كنت مجهَدة لدرجة أني لم أعد قادرة على حمل سلة الغسيل. بدا لي وقتها أن لياقتي البدنية قد أدت إلى انهياري. هل وصلت إلى هذا بسبب الإفراط في التدريب؟ هل ضغطت على نفسي وتخطيت الحدود التي يستطيع جسدي تحملها، وبالتالي لم يعد قادرًا على الاستمرار؟

يقول جيفيري بي كريهير -اختصاصي الطب الرياضي بمستشفى ماساتشوستس العام-: "أي شخص يمارس رياضات قوة التحمل يمارسها بمفهوم تدريب الجسم على تخطي حدوده المعروفة، لكن أعراض الإفراط في التدريب تظهر عندما تتقلص بشدة قدرة الجسم على تحمل الإجهاد لأي سبب من الأسباب. فعند هذه النقطة تكون قدرة الجسم على الحفاظ على الاتزان الداخلي قد بلغت مرحلة حرجة". وقد نشر كريهير وزميلته الطبيبة جينيفر شوارتز -التي تعمل حاليًّا بمركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي- تقريرًا شاملًا عن هذه الحالة بعنوان "متلازمة الإفراط في التدريب: دليل عملي" في عام 2012 في مجلة "سبورتس هيلث" Sports Health.

يصعب تشخيص أعراض الإفراط في التدريب عمليًّا، لكن العلامات الأولى تتضمن ثبات مستوى الأداء أو تدهوره، وارتفاع أو انخفاض معدل ضربات القلب في أثناء الراحة، والشعور بتعب شديد وألم في العضلات. وفي نهاية المطاف، يتسبب الإفراط في التدريب في إحداث خلل في التوازن الدقيق للعديد من أجهزة الجسم، واضطرابات في الهرمونات والجهاز المناعي والسلوك والحالة المزاجية. وهذه الآثار يمكن أن تتسبب في مجموعة متنوعة من الأعراض المحتملة المحيرة، مثل الأرق والانفعال والتوتر، وفقدان الوزن وفقدان الشهية، وغياب الدافع والحافز، وعدم القدرة على التركيز، والاكتئاب.

لا أحد يعلم الآليات البيولوجية التي تثير الإصابة بهذه المتلازمة. تقول إحدى النظريات إن السبب هو انهيار الوطاء، وهو جزء في الدماغ مسؤول عن تنظيم العديد من الهرمونات والوظائف الأيضية والجهاز العصبي الذاتي. ويقول كريهير: "إنه أمر مربك، إنه تشخيص بأثر رجعي؛ إذ لا يعني الشعور بالتعب الشديد أنك تعاني من متلازمة الإفراط في التدريب، وليس كل الاكتئاب نتيجة للإفراط في التدريب، كما أن ثمة العديد من العوامل التي تؤثر على قدرة الشخص على تحمل الإجهاد".

يشير كريهير وشوارتز في تقريرهما إلى أن المشكلة تبدأ غالبًا مع ظهور ضغوط إضافية في حياة الرياضي. ويشرح كريهير قائلًا: "قد يكون ذلك بسبب السفر الكثير، أو ضغط موسم المنافسة، أو قد يكون بسبب الشعور بالرتابة"، مما ألقى الضوء على السبب الذي جعلني أصل إلى هذه النهاية بعد مواظبتي على قطع عدد لا نهائي من الأميال على المشاية الكهربائية. ويشير كريهير إلى أن الرياضيين الأولمبيين على وجه الخصوص الذين يتعرضون لضغوط هائلة معرضون للإصابة بآثار الإفراط في التدريب. ويقدر بعض الخبراء أن نحو 60% من أبرز العَدَّائين المحترفين ونحو 30% من أبرز السَّبَّاحين المحترفين يمرون بمرحلة الإفراط في التدريب في نقطة ما من حياتهم المهنية.

وهذه الحقيقة يعرفها جيدًا عداء المسافات الطويلة والبطل الأوليمبي السابق ريان هال (في الصورة أعلاه)؛ فقد انسحب في شهر يناير من الألعاب الأولمبية التي ستقام هذا الصيف، والتي كان أحدَ أبرز اللاعبين المشاركين فيها، بسبب الإرهاق الشديد، ليسير بذلك على الخطى المنهَكة للاعبين الشهيرين بطلي السباقات الثلاثية باولا نيوباي فريزر وسكوت تينلي. عندما انسحب هال كان ذلك نهاية معركة استمرت عامين مع الأداء الضعيف. هل كان ذلك بسبب الإفراط في التدريب؟ على غراري تمامًا، فإنه غير واثق، ولكنه يعلق قائلًا: "إذا أردت أن تركض لمدة 2:04 للفوز في ماراثون، فإن هذا يستلزم منك أن تتدرب لفترات طويلة للغاية وبشكل مكثف، وفي وقت من الأوقات سيكون لهذا الضغط ضريبة". وفي حالة هال، كانت الضريبة جسدية في المقام الأول، فيقول: "عندما كنت أحاول أن أركض، كنت أشعر وكأني أزن آلاف الكيلوجرامات، وكنت أرفع قدميَّ بصعوبة من على الأرض". أما بالنسبة لرياضيين آخرين، فقد يكون الضرر نفسيًّا في المقام الأول.

العلاج الأمثل للإفراط في التدريب هو أخذ قسط من الراحة، وهو ما قد يبدو حلًّا سهلًا؛ فقط استَرخِ في منزلك حتى تستعيد قواك، إلا أن هذه الوصفة الطبية تشكل تحدِّيًا للرياضيين الذين اعتادوا منذ عقود على التدرُّب والمنافسة. ويضيف كريهير أن الأمر بالنسبة للرياضيين المحترفين البارزين من أمثال هال يثير أيضًا سؤالًا وجوديًّا: "ماذا الآن؟"، وبعد أن خفض هال أيام التدريب إلى ثلاثة أيام فقط في الأسبوع ولمدة نصف ساعة في جلسة التدريب الواحدة، وبعد أن أضاف تدريبات حمل الأوزان إلى روتين التدريب، استطاع أن يعود ليستمتع مرة أخرى برياضته على الرغم من تقاعده من سباقات المحترفين الكبرى. ويقول: "أشعر الآن أنني أتمتع بقدر أفضل من الطاقة في حياتي المهنية أكثر من أي وقت مضى. يزعجني حقًّا أني لن أستطيع السفر للمشاركة في الألعاب الأولمبية في ريو، لكني اخترت أن أكون ممتنًّا لمشاركتي في دورتين أولمبيتين سابقتين".

يقول كريهير إنه لم يتم التوصل بعد إلى طرق مثبتة لمنع الإفراط في التدريب، لكن زيادة عدد الكيلومترات بشكل تدريجي، وتعلُّم الاستجابة للشعور بالإجهاد والحصول على قسط من الراحة، إلى جانب الحصول على كميات كافية من السعرات الحرارية والماء والنوم والكربوهيدرات، تُعَد من أساسيات اللياقة البدنية. كما أن التركيز على المشاعر يمكن أن يساعد أيضًا في إبقاء مستويات الطاقة مرتفعة. فيقول كريهير إنه على سبيل المثال في دراسة تضمنت العديد من البلدان وُجِدَ أن تسجيل السَّبَّاحين الجامعيين لحالتهم المزاجية بعد التدريبات الرياضية يؤدي إلى انخفاض الشعور بالإنهاك بنسبة 10%. ويختتم كريهير قائلًا: "إذا كنت تمارس نشاطًا جسديًّا وتشعر بالسعادة والصحة وتَجدُّد الطاقة بعد ذلك، فأنت إذًا على الطريق الصحيح. أما إذا كنت تشعر أنه بمنزلة عمل عليك إنهاؤه، فهذه إشارة لك لكي تفعل شيئًا مختلفًا".

دأبتُ على اتباع هذه النصائح الثمينة في الآونة الأخيرة، وها أنا ذا أعود لأمارس العَدْو مرةً أخرى بعد انقطاع طويل بسبب الإجهاد.