تتغلغل الشبكات في كل جوانب حياتنا. فكل يوم نستخدم شبكات معقدة من الطرق والسكك الحديديَّة والمسارات البحريَّة والمسارات الجويَّة التي تمر بها الرحلات الجوية التجارية. بل إن الشبكات توجد كذلك خارج نطاق خبرتنا المباشرة، كما في الشبكة العنكبوتية العالمية وشبكة الكهرباء، وفي الكون، الذي تُعَدُّ فيه مجرة درب التبانة عُقدةً متناهية الصغر داخل شبكة من المجرات تبدو بلا حدود. غير أن قلةً قليلةً من منظومات الروابط المتفاعلة هذه من الممكن أن تضاهي في تعقيدها تلك المنظومة القابعة داخل جماجمنا.

اكتسبت العلوم العصبيّة صيتًا أكثر ذيوعًا في السنوات الماضية؛ إذ صار الناس يألفون منظر الصور ذات الألوان الزاهية التي تُظْهِر مناطق الدماغ وهي «تضيء» في أثناء أداء مهمة عقليَّة ما. فهنالك مثلًا الفص الصدغي، وهو المنطقة الدماغية المجاورة لأذنك، التي تُسهم في عمل الذاكرة، والفص القذالي في الجزء الخلفي من رأسك، وهي منطقة مكرَّسة خصوصًا لوظيفة الرؤية.

غير أن الجزء المفقود من هذا الإحصاء لوظائف الدماغ البشري هو كيفيّة تفاعُل كل هذه المناطق المختلفة من الدماغ بعضها مع بعض من أجل تشكيل هوياتنا. وقد استعار معملنا ومعاملُ أخرى لغةً من علم الرياضيات تسمَّى نظرية المخططات، وهي تتيح لنا تحليل وفحص وتوقُّع التفاعلات المعقَّدة داخل الدماغ، التي تسد تلك الفجوة الضخمة فيما يبدو بين النشاط الكهربي العصبي المحموم ومجموعةٍ من المهمات الإدراكيّة: الإحساس والتذكُّر واتخاذ القرارات وتعلُّم مهاراتٍ جديدة وبدء الحركة. وهذا المجال الجديد المعروف باسم العلوم العصبيَّة الشبكيَّة مبنيٌّ على –ويعزز- الفكرة القائلة بأن ثمة مناطق معيَّنة من الدماغ تنفذ أنشطة محددة. وعلى أكثر المستويات جوهريةً نقول إن الدماغ –ومن ثم هويتنا ككائنات عاقلة– تحدده في الواقع شبكة ممتدة مؤلفة من 100 مليار خلية عصبيَّة، بينها ما لا يقل عن 100 تريليون نقطة اتصال أو مِشْبَك عصبي.

تسعى العلوم العصبيَّة الشبكيَّة لفهم هذا التعقيد. وبإمكاننا الآن بناء نموذج للبيانات التي يُقِّدمها التصوير الدماغي، على شكل رسمٍ بياني مؤلَّف من عُقَد وأضلاع. في الرسم البياني تمثِّل العُقَد وحدات الشبكة، مثل الخلايا العصبيّة أو –في سياقٍ آخر– المطارات. أما الأضلاع فتمثِّل الاتصالات بين العُقَد، تخيَّل خليةً عصبية واحدة متشابكة مع خلية مجاورة، أو فكر في مسارات الرحلات الجوية. في بحثنا، يُختزَل الدماغ البشري إلى رسمٍ بيانيّ مكون من حوالي 300 عقدة. ومن الممكن الربط بين المناطق المختلفة بأضلاع تمثِّل الاتصالات الهيكلية للدماغ: حِزَم سميكة من الأسلاك الأنبوبيَّة تسمى مسارات المادة البيضاء، تربط مناطق الدماغ بعضها ببعض. وقد قدَّم هذا التصوير للدماغ كشبكةٍ موحَّدة بالفعل صورةً أوضح للوظائف الإدراكية، كما منحنا الفائدة العملية المتمثلة في تقديم تشخيصٍ وعلاجٍ أفضل للأمراض النفسية. وكما سنرى لاحقًا، فإن فهمنا لشبكات الدماغ قد يقودنا إلى اكتشاف مخطط تمهيدي لتحسين الذكاء الاصطناعي وتطوير أدوية جديدة وتقنيات للتحفيز الكهربائي؛ من أجل تعديل الدوائر العصبيَّة التالفة لدى المصابين بالاكتئاب، وربما تطوير علاجات جينية للأمراض العقلية.

موسيقى العقل

من أجل فهم الكيفية التي تؤسس بها الشبكات قدراتنا الإدراكية، دعونا أولًا نتصور مثال أوركسترا تعزف سيمفونية. حتى وقتٍ قريب كان علماء الأعصاب يدرسون وظائف المناطق الدماغية المنفردة بمعزلٍ بعضها عن بعض، بحيث تكون هذه المناطق هي المكافئ العصبي لأقسام الأوركسترا المنفصلة، المكونة من الآلات النحاسية وآلات الإيقاع والوتريات وآلات النفخ. في حالة الدماغ، يمثل هذا التقسيم نهجًا يرجع تاريخه إلى زمن أفلاطون، ويقضي ببساطة بتقسيم الطبيعة إلى قطع صغيرة ودراسة القطع الناتجة منفردة. ومثلما يفيدنا فهم كيف تساعد لوزة الدماغ في معالجة الانفعالات، فمن الضروريّ بالمثل فهم كيفية توليد الكمان لأصوات عالية النغم. ومع ذلك فحتى وضع قائمة كاملة بمناطق الدماغ المختلفة ووظائفها -مثل الرؤية والوظائف الحركية والانفعالات وغير ذلك– لا يخبرنا بكيفية عمل الدماغ، تمامًا مثلما لا تخبرنا قائمة الآلات الموسيقية بشيء عن كيفية عزف السيمفونية الثالثة لبيتهوفن.

بدأ علماء الشبكات العصبية في حل هذه الألغاز عن طريق فحص كيفية اندماج كل منطقةٍ من الدماغ في شبكةٍ أكبر مؤلفة من هذه المناطق، وعن طريق رسم خرائط للاتصالات بين المناطق، وذلك من أجل دراسة كيفيّة اندماج كل منطقة داخل شبكة الدماغ الكبيرة المتكاملة. وثمة نهجان أساسيان لهذا: أولًا، يكشف فحص الاتصالية البنائية عن كيفية توزيع آلات أوركسترا الدماغ. إنه الوسيط المادي لخلق الموسيقى، ويُحدد التوزيع الفريد للآلات في العمل الموسيقي ما يُمكن عزفه. إن توزيع الآلات مهم، إلا أنه ليس هو الموسيقى نفسها. بعبارةٍ أخرى، فمثلما لا تُعد مجموعة الآلات مكافِئةً للموسيقى، فإن حزمةً من الروابط لا تُمثِّل وظيفة الدماغ.

ثانيًا، الدماغ الحي هو أوركسترا ضخمة من الخلايا العصبية التي تنشط معًا في أنماط دقيقة التحديد. ونحن نسمع موسيقى الدماغ عن طريق قياس الارتباط بين نشاط كل زوجٍ من المناطق، وهو ما يشير إلى أن المنطقتين تعملان على نحو مترافق. وهذا القياس للنشاط المشترك يُعْرَف باسم الاتصالية الوظيفية، ووفق التصور الدارج فإننا ننظر إلى هذا النشاط باعتباره يعكس موسيقى الدماغ. فإذا نشطت منطقتان بنفس التفاوتات المتباينة زمنيًّا، فإنهما يمكن عدُّهما متصلتين وظيفيًّا. هذه الموسيقى أهميتها تكافئ أهمية الديسيبلات التي يصدرها البوق الفرنسي أو الفيولا. ومن الممكن تصوُّر درجة صوت موسيقى الدماغ باعتبارها مستوى نشاط الإشارات الكهربيَّة التي تطن خلال منطقةٍ ما من الدماغ أو أخرى.

تكشف هذه المحاكاة أن أحد الحلول المحتملة لتطور دماغ قادر على تبادل المعلومات فيما بين وحداته يستلزم وجود محاور ذات اتصالات قوية. ومن الجدير بالذكر أن الشبكات الحقيقيّة –مثل شبكات الدماغ وشبكات المطارات وشبكات الكهرباء– تمتلك أيضًا محاور متينة شديدة الارتباط فيما بينها، تمامًا كما تنبأت التجارب التطورية. لا تعني تلك الملحوظة أن التطور قد حدث بالضرورة بالطريقة نفسها التي ظهرت في المحاكاة، إلا أنها تكشف عن طريقة محتملة قد تعمل بها إحدى الخدع السحرية للطبيعة.

وحدات الدماغ

مثلما يمكن تقسيم الأوركسترا إلى مجموعات من الآلات المنتمية إلى عائلات موسيقية مختلفة، يمكن تقسيم الدماغ إلى مجموعات من العُقَد تسمّى الوحدات، وهو وصفٌ للشبكات الموضعية. كل أدمغة الكائنات الحية يمكن تقسيمها إلى وحدات، وحتى الشبكة العصبية المؤلفة من 302 خلية عصبية الموجودة في الدودة الخيطية Caenorhabditis elegans  لها بنية مؤلفة من وحدات. وتتشارك العُقَد الموجودة داخل الوحدة الواحدة روابط بينية أقوى من الروابط التي تصل بينها وبين العُقَد الموجودة في وحدات أخرى.

كل وحدة في الدماغ لها وظيفة معينة، تمامًا مثلما تؤدي كل عائلة من الآلات الموسيقية دورًا في السيمفونية. وقد أجرينا مؤخرًا تقييمًا لعدد كبير من الدراسات المستقلة –تحليلًا وصفيًّا– شمل أكثر من 10 آلاف تجربة من تجارب التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لأفراد يؤدون 83 مهمةً إدراكيةً مختلفة، واكتشفنا أن المهمات المختلفة ترسم خريطة لوحدات شبكات دماغية مختلفة. فثمة وحدات معنية بوظائف التركيز والذاكرة والتفكير الاستبطاني. واكتشفنا أن ثمة وحدات أخرى مخصصة لوظائف السمع والحركة الإرادية والرؤية.

تشمل هذه العمليات الإدراكية الحسية والحركية وحداتٍ منفردةً متماسة، أغلبها محصورٌ في فصٍّ واحدٍ من الدماغ. كذلك اكتشفنا أن العمليات الحسابية الجارية في الوحدات لا تستثير المزيد من النشاط في الوحدات الأخرى، وهو جانب شديد الأهمية في المعالجة عن طريق الوحدات. تخيل أن يضطر كل موسيقيٍّ في الأوركسترا إلى تغيير النوتات الموسيقية التي يعزفها كلما غيَّر موسيقيٌّ آخر نوتاته. حينها ستخرج الأوركسترا عن السيطرة ولن تنتج بالتأكيد أي أصوات جمالية مبهجة. يشبه ذلك نظام المعالجة داخل الدماغ؛ إذ يجب أن تكون كل وحدة قادرةً على العمل بشكلٍ مستقل غالبًا. وقد لاحظ فلاسفة قدماء مثل أفلاطون ومعاصرون مثل جيري فودور هذه الضرورة، ويؤكدها بحثنا.

ورغم أن وحدات الدماغ مستقلة بشكلٍ كبير، إلا أن السيمفونية تتطلَّب أن تُعْزَف عائلات الآلات الموسيقيّة معًا في انسجام. فالمعلومات التي تولدها الوحدة الواحدة يجب دمجها في نهاية المطاف مع الوحدات الأخرى. فمشاهدة فيلمٍ ما باستخدام وحدة الرؤية فقط في الدماغ –دون استخدام وحدة الانفعالات– سيضعف تجربة المشاهدة كثيرًا.

لذلك السبب، ومن أجل إتمام العديد من المهمات الإدراكية، يجب أن تعمل الوحدات معًا باستمرار. فيستلزم أداء مهمة الذاكرة قصيرة الأمد –مثل الاحتفاظ في ذاكرتك برقم هاتفٍ جديد– تعاوُن وحدات معالجة السمع والتركيز والذاكرة. ومن أجل دمج أنشطة عدة وحدات والتحكم فيها، يستخدم الدماغ المَحاور، وهي عبارة عن عُقَد تتلاقى عندها الاتصالات القادمة من وحدات الدماغ المختلفة.

بعض الوحدات الأساسية التي تتحكم في أنشطة الدماغ وتدمجها أقل تحفظًا من غيرها فيما تفعل. إذ تمتد اتصالاتها بشكلٍ شاملٍ إلى عدة فصوص من الدماغ. تمتد وحدة التحكم الجبهي الجداري إلى الفصوص الجبهية والجدارية والصدغية. وقد تطور هذا التحكم في وقتٍ حديثٍ نسبيًّا على الخط الزمني للتطور. فهذه الوحدة كبيرة في الإنسان بشكلٍ خاص، مقارنةً بأقرب أسلافنا من الرئيسيات. وهي تشبه قائد الأوركسترا، وتصير نشطةً خلال مجموعةٍ كبيرة من المهمات الإدراكيَّة.

تضمن الوحدة الجبهية الجدارية أن تعمل وحدات الدماغ المختلفة في انسجام. وهذه الوحدة تُسهم بكثافة فيما يسمى بالوظائف التنفيذية، التي تشمل عمليات اتخاذ القرار والذاكرة قصيرة الأمد والتحكم الإدراكي، كلٌّ منها على حدة. والعملية الأخيرة هي القدرة على تطوير إستراتيجيات معقَّدة وتثبيط السلوكيّات غير اللائقة.

ثمة وحدة أخرى ذات اتصالية بينيَّة عالية، هي وحدة البروز، التي ترتبط بوحدة التحكم الجبهي الجداري وتسهم في مجموعةٍ من السلوكيات المرتبطة بالتركيز والاستجابة للمحفزات الجديدة. مثلًا، لننظر إلى كلمتي «أزرق» المكتوبة باللون الأخضر و«أحمر» المكتوبة باللون الأحمر. إذا طُلِبَ منك الرد بلون الكلمة فإنك ستستجيب أسرع بكثير للكلمة المكتوبة باللون الأحمر. تنشط الوحدة الجبهية الجدارية ووحدة البروز عند الاستجابة للون الأخضر؛ إذ يكون عليك حينها تثبيط ميلك الطبيعي إلى قراءة الكلمة على أنها «أزرق».

أخيرًا، يمتد أثر وحدة النمط الافتراضي إلى الفصوص نفسها التي تصل إليها شبكة التحكم الجبهي الجداري. تحتوي هذه الوحدة على محاور عديدة، وترتبط بمجموعة مختلفة من المهمات الإدراكية، منها التفكير الاستبطاني والتعلُّم واسترجاع الذاكرة والمعالجة الانفعالية واستنتاج الحالة الذهنيَّة للآخرين، بل وحتى المقامرة. ومن المثير للاهتمام أن إتلاف هذه الوحدات الغنية بالمحاور يسبب خلل الاتصالات الوظيفيَّة في كامل الدماغ، ويتسبب في صعوبات إدراكية واسعة النطاق، تمامًا كما يتسبب سوء الأحوال الجوية في مطارٍ محوري في تأخير الرحلات الجوية في كامل البلاد.

اتصالات شخصيّة

رغم أن أدمغتنا تحتوي على مكونات شبكيَّة أساسية معينة -وحدات تتصل فيما بينها عن طريق محاور- إلا أن كلًّا منا تظهر لديه اختلافات طفيفة في نمط بناء وصلات دوائرنا العصبية. وقد أولى الباحثون مؤخرًا عنايةً شديدةً لدراسة هذا التنوع. في المرحلة الأولى مما يسمى مشروع الكونكتوم البشري(Human Connectome Project) تطوع 1200 شاب وشابة للمشاركة في دراسة للمعمارية الشبكية الدماغية، تمولها معاهد الصحة الوطنية (الهدف النهائي من المشروع هو الدراسة الشاملة لكامل فترة عمر الإنسان). خضعت الشبكات الاتصاليّة البنائية والوظيفية لكل فردٍ للفحص باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وقد تم استكمال هذه البيانات بمجموعة من الفحوص الإدراكية مؤلفة من اختبارات واستطلاعات، وذلك من أجل تحليل 280 صفة سلوكية وإدراكية. قدَّم المشاركون معلومات عن درجة كفاءة نومهم ومقدار تناولهم الكحوليات وعن قدرات اللغة والذاكرة لديهم، وعن حالاتهم الانفعالية. وقد بدأ علماء الأعصاب من جميع أنحاء العالم الانكباب على هذه المجموعة الثرية جدًّا من البيانات؛ لمعرفة كيفية تشفير شبكات الدماغ لهويتنا.

وباستخدام بيانات مأخوذة من مئات المشاركين في مشروع الكونكتوم البشري، كشف فريقنا البحثي وفرق بحثية أخرى أن أنماط اتصالية الدماغ تؤسس «بصمة» تميِّز كل فرد. امتلك الأشخاص ذوو الاتصالات الوظيفية القوية فيما بين مناطق معينة من الدماغ قدراتٍ لغويةً موسعة، وظهر لديهم ذكاء سائل أعلى -يساعدهم في حل المشكلات الجديدة– كما أنهم قادرون على تأخير الإشباع. يميل هؤلاء الأشخاص إلى أن يحوزوا تعليمًا أفضل وأن يكونوا أكثر رضا عن حياتهم وأن يكون الانتباه والذاكرة لديهم أفضل. أما الآخرون ذوو الاتصالات الوظيفية الأضعف بين المناطق نفسها من الدماغ فكانوا ذوي ذكاء سائل أقل، وذوي سوابق في تعاطي الكحوليات ويعانون من اضطراب النوم، ونقص في القدرة على التركيز.

استلهامًا من هذا البحث، أوضحنا أنه يمكن وصف النتائج عن طريق أنماط محددة فيما بين اتصالات المحاور. فإذا كانت شبكة الدماغ قوية المحاور وتوجد فيها اتصالات عديدة بين الوحدات فمن المرجح أن يمتلك الدماغ وحداتٍ بعضها منفصل عن بعض بشكلٍ واضح، وسيكون أداء الفرد أفضل في مجموعة من المهمات تتراوح من الذاكرة قصيرة الأمد إلى الرياضيات أو اللغة أو الإدراك الاجتماعي. بعبارة أبسط، فإن أفكارك ومشاعرك وصفاتك المميَّزة ونقاط قوتك الذهنيّة كلها مشفَّرة بواسطة التنظيم المحدد للدماغ كشبكةٍ موحدة متكاملة. باختصار، إن الموسيقى التي يعزفها دماغك هي التي تشكل هويتك.

إن وحدات الدماغ المتزامنة تؤسس هويتك وتساعد على صيانتها بمرور الوقت. ويبدو أن التراكيب الموسيقية التي تعزفها الوحدات تتشابه دائمًا. وقد أمكن ملاحظة التشابه حينما شارك مشاركون في دراستين أخريين في مشروع الكونكتوم البشري في مهمات مختلفة تشمل الذاكرة قصيرة الأمد والتعرُّف على انفعالات الآخرين والمقامرة والنقر بالأصابع واللغة والرياضيات والمنطق الاجتماعي و«حالة الراحة» المُستحثَّة ذاتيًّا، التي يسمح فيها المشاركون لأنفسهم بالشرود ذهنيًّا.

ومن المدهش أن بناء الوصلات الوظيفي للشبكات متشابه أكثر مما هو متوقع في جميع هذه الأنشطة. وبالعودة إلى تشبيهنا، لا يشبه الأمر أن يعزف الدماغ مقطوعةً لبيتهوفن في أثناء حل مسائل حسابية أو يعزف أغنيةً لتوباك في حالة الراحة. إن السيمفونيّة التي في رؤوسنا يعزفها الموسيقيّ نفسه، وهو يعزف النوع الموسيقيّ نفسه على الدوام. يرجع هذا الاتساق إلى أن المسارات الملموسة للدماغ، أو اتصالاته البنائية، تفرض قيودًا على المسارات الموجودة في الشبكة المتكاملة للدماغ التي يمكن للإشارة العصبية أن تتنقل خلالها. وتحدد تلك المسارات شكل الاتصالات الوظيفية ونظامها، مثل الاتصالات المستخدمة في العمليات الحسابية أو اللغات. وفي التشبيه الموسيقي، يشبه هذا عدم قدرة الطبل الكبير على عزف اللحن نفسه الذي يعزفه البيانو.

حتمًا تحدث تغيُّرات في موسيقى الدماغ، تمامًا كما يحدث في موسيقى الأوركسترا. تخضع الاتصالات الملموسة في الدماغ لتغيُّرات على مدى شهور أو سنوات، بينما تتغير الاتصالية الوظيفية في خلال ثوانٍ حين ينتقل الفرد بين مهمةٍ ذهنيةٍ ما وأخرى.

إن التغيرات في كلٍّ من الاتصالية البنائية والاتصالية الوظيفية لها أهمية خلال تطور الدماغ في مرحلة المراهقة، في أثناء وضع اللمسات الأخيرة للشكل العام لبناء وصلات الدماغ. هذه المرحلة ذات أهمية كبيرة، إذ إن العلامات الأولى للأمراض العقليَّة عادةً ما تظهر في سن المراهقة أو في بدايات سن الرشد.

أحد المجالات التي يتناولها بحثنا هو فهم كيفية تطوُّر شبكات الدماغ خلال الطفولة والمراهقة وحتى سن الرشد. هذه العمليات تقودها تغيُّرات فسيولوجية كامنة، إلا أنها أيضًا تتأثر بالتعلُّم والتعرُّض لأفكار ومهارات جديدة، والوضع الاجتماعي الاقتصادي للفرد، وخبرات أخرى.

تنشأ وحدات شبكات الدماغ في وقت مبكر جدًّا من العمر، بل في مرحلة الجنين، إلا أن اتصاليتها تتحسَّن في أثناء النمو. إن التقوية المستمرة للاتصالات البنائية بالمحاور خلال مسيرة الطفولة ترتبط بزيادةٍ في الانفصال بين الوحدات، وبتضخيمٍ في فاعلية أداء الأفراد الأصغر سنًّا للمهمات التنفيذية مثل التفكير المنطقي المعقّد والتنظيم الذاتي. كذلك اكتشفنا أن سرعة انفصال الوحدات بعضها عن بعض تكون أكبر لدى الأطفال ذوي المستوى الاجتماعي الاقتصادي الأفضل، ما يسلِّط الضوء على الأثر الرئيسي لبيئتهم.

ورغم أن التغيرات في الاتصالية البنائية بطيئة، إلا أن إعادة تشكيل الاتصالات الوظيفية قد تحدث سريعًا خلال ثوانٍ أو دقائق. هذه التغيرات السريعة ضرورية للانتقال بين المهمات وفي القدر الكبير من التعلم المطلوب حتى في أداء مهمة واحدة. وفي مجموعةٍ من الدراسات نشرناها بين عام 2011 ووقت كتابة هذه السطور، اكتشفنا أن الشبكات ذات الوحدات القادرة على التغيُّر السريع تظهر لدى الأفراد ذوي الوظائف التنفيذية الأكبر والقدرات الأفضل على التعلم.

كميات كبيرة من اتصالات المادة البيضاء في هذا المسح تُستخدَم في وضع نموذج للمسارات الملموسة في الدماغ، وتَستخدِم الشبكات الوظيفية هذه الارتباطات البنائية في تنفيذ مجموعة من المهمات الإدراكية Credit: Danielle S. Bassett and Matthew Cieslak University of Pennsylvania

ولكي نفهم ما كان يحدث بشكلٍ أفضل، استخدمنا بيانات متاحة للعامّة من دراسة رائدة معروفة باسم «ماي كونكتوم»، MyConnectome، خضع فيها راسل بولدراك، الأستاذ بجامعة ستانفورد، بشكلٍ شخصي لتصوير الدماغ وتقييمات لوظائفه الإدراكية ثلاث مراتٍ أسبوعيًّا لأكثر من عام. وبينما كانت الوحدات في الغالب مستقلة العمل ومنفصلة، ففي بعض الأحيان كان الدماغ يعيد تنظيم اتصالاته. هذه الخاصية، المسماة بالمرونة الشبكية الوظيفية، تسمح لعقدةٍ ذات اتصالات وظيفيّة قوية داخل وحدةٍ ما بأن تؤسس فجأةً عدة اتصالات بوحدةٍ مختلفة، مغيِّرةً مسار المعلومات عبر الشبكة. وباستخدام بياناتٍ من هذه الدراسة، وجدنا أن مسار اتصالات الشبكة يتغير بين اليوم والآخر بشكلٍ يشابه التنقل فيما بين المزاج الجيد والإثارة والإرهاق. وفي الأفراد ذوي الصحة الجيدة، ترتبط هذه المرونة الشبكية بامتلاكهم وظائف إدراكية أفضل.

نغمات نشاز

يعكس تشكيل اتصالات الدماغ كذلك الصحة العقلية للفرد؛ إذ ترتبط الاتصاليّة الشاذة بحدوث الاكتئاب والفصام ومرض ألزهايمر ومرض باركنسون واضطراب طيف التوحد ومرض نقص الانتباه والخَرَف والصرع.

أغلب الأمراض العقلية غير محصورةٍ في منطقةٍ معينةٍ من الدماغ. إذ تمتد الدائرة المصابة في مريض الفصام بشكلٍ واسع جدًّا عبر كامل الدماغ. وتقضي الفرضية المسماة فرضية انقطاع الاتصالية في الفصام بأنه ليس ثمة شيء غير طبيعي في الوحدات المنفصلة، وإنما يرتبط الاضطراب بوفرة زائدة في الاتصالات فيما بين الوحدات.

في الدماغ السليم، غالبًا ما تكون الوحدات مستقلةً ومنفصلة، وتكون القدرة على إحداث تغييرات مرنة في الاتصالات الشبكية مفيدةً في الوظائف الإدراكية، في حدود معيَّنة. وفي معملنا اكتشفنا أنه في أدمغة الأشخاص المصابين بالفصام وأقاربهم من الدرجة الأولى، توجد وفرة مفرطة في مرونة تغيير الشبكات لأشكالها. وقد تحدث هلاوس سمعية حينما تُبَدِّل العُقَدُ بشكلٍ مفاجئ الروابطَ بين وحدات الكلام والسمع. وهذا الخلط غير المرحب به قد يتسبب فيما يبدو في سماع الفرد لأصوات داخل رأسه.

ومثل الفصام، لا ينشأ الاضطراب الاكتئابي الكبير من خلل في منطقة واحدة من الدماغ. بل يبدو أن ثلاث وحدات محددة تتأثر في الاكتئاب: وحدة التحكم الجبهي الجداري، ووحدة البروز، ووحدة النمط الافتراضي. بل إن أعراض الاكتئاب –مثل فقدان التحفظ الانفعالي وتغيُّر الحساسية تجاه الأحداث العاطفية واجترار الأفكار– تظهر عند رسم خريطة لهذه الوحدات.

نتيجةً لذلك يختل الاتصال الطبيعي بين الوحدات الثلاث. وعادةً ما تتفاوت الأنشطة الدائرة بين الوحدة والأخرى في الشدة؛ بغرض موازنة المعالجة الإدراكية للمدخلات الحسية مع الأفكار الاستبطانية. لكن في الاكتئاب يسود النمط الافتراضي، ويسقط الشخص المصاب في التفكير الاجتراري. ومن ثم، تصبح موسيقى الدماغ أقل توازنًا على نحوٍ متزايد، إذ تهيمن عائلة واحدة من الآلات الموسيقيّة على السيمفونية كلها. وسَّعت هذه الملحوظات من فهمنا للخصائص الشبكية للاكتئاب، إلى حد أن اكتشاف نمط اتصالية معين في الدماغ قد يسمح لنا بتشخيص أنواع فرعية معينة من المرض وتحديد المناطق المطلوب علاجها بتقنية التحفيز الكهربائي.

الشبكات تتطوَّر

بدأ علماء الشبكات العصبية، إلى جوار دراستهم لنمو الشبكات العصبية، في التساؤل عن سبب اتخاذ الشبكات العصبية شكلها الحالي عبر عشرات الآلاف من السنوات. إن المناطق المعروفة بأنها المحاور هي أيضًا أكثر المناطق توسعًا في دماغ الإنسان خلال التطور، ما جعلها أكبر بثلاثين مرة من حجمها في قرود المكاك. والأرجح أن المحاور الأكبر في الدماغ تسمح بمزيدٍ من التكامل للمعالجة فيما بين الوحدات، ومن ثم تسمح بالمزيد من الحسابات المعقَّدة. يبدو الأمر وكأن التطور قد زاد من عدد الموسيقيين في أحد أقسام الأوركسترا، مقدِّمًا المزيد من الألحان المعقَّدة.

ثمة طريقة أخرى استكشف بها علماء الأعصاب إجابات هذه الأسئلة، وهي تصميم شبكات يولدها الكمبيوتر، وإخضاعها لضغوط تطورية. في معملنا، بدأنا سبر الأصول التطورية للمحاور. وقد بدأنا هذه الممارسة بتصميم شبكة وضعنا جميع أضلاعها بشكلٍ منتظمٍ عشوائيًّا. بعد ذلك أعدنا بناء وصلات الشبكة في محاكاة للانتخاب الطبيعي، من أجل تشكيل وحدات منفصلة وتكوين ما يُعرف في علم الشبكات بشبكة العالم الصغير، التي تتكوّن فيها مسارات تسمح للعُقَد البعيدة في الشبكة بالاتصال بعضها ببعض بسهولة مدهشة. بعد ذلك تطورت آلاف من هذه الشبكات، واحتوى كلٌّ منها في نهاية المطاف على محاور متصلة بقوة بعدة وحدات، وكذلك مرتبطة فيما بينها على نحو متين، مكوِّنةً ما يُسَمّى بالنادي. لا شيء في عملية الانتخاب أدى بالخصوص إلى نشأة نادٍ من المحاور، بل نشأت ببساطة نتيجةً لهذه العملية التكرارية.

تكشف هذه المحاكاة أن أحد الحلول المحتملة لتطور دماغ قادر على تبادل المعلومات فيما بين وحداته يستلزم وجود محاور ذات اتصالات قوية. ومن الجدير بالذكر أن الشبكات الحقيقيّة –مثل شبكات الدماغ وشبكات المطارات وشبكات الكهرباء– تمتلك أيضًا محاور متينة شديدة الارتباط فيما بينها، تمامًا كما تنبأت التجارب التطورية. لا تعني تلك الملحوظة أن التطور قد حدث بالضرورة بالطريقة نفسها التي ظهرت في المحاكاة، إلا أنها تكشف عن طريقة محتملة قد تعمل بها إحدى الخدع السحرية للطبيعة.

 

الحالات العقلية

حين توفِّيَ عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل ريتشارد فينمان عام 1988، كان مكتوبًا على سبّورته: «ما لا أستطيع صنعه، لا أفهمه». لقد ابتدع فينمان قولًا مأثورًا جميلًا، إلا أن المقولة تفوِّت فكرةً أساسية، وكان يجب أن تُراجَع لتصبح: «ما لا أستطيع صنعه والتحكم فيه، لا أفهمه». لكن حتى في غياب مثل هذا التحكم، فلا نزال نعرف ما يكفي لنستمتع بالسيمفونية، حتى وإن لم يكن لدينا ما يؤهلنا لنكون قادةً للأوركسترا.

بالنسبة للدماغ، فإن لدينا الفهم الأساسي لشكله وأهمية بنيته الشبكية. نعلم أن أدمغتنا تحدد هويتنا، إلا أننا بدأنا لتونا فقط نفهم كيفية حدوث كل هذا. وإذا أعدنا صياغة شرح عالِم الرياضيات بيير-سيمون لابلاس للحتمية والآليات وطبقنا ذلك الشرح على الدماغ، فسنقول إن دماغ الفرد في الحاضر –ومن ثم حالته العقلية– يمكن تخيُّله على أنه مجموعة منوعة من الحالات الماضية التي يمكن استخدامها للتنبؤ بالمستقبل. وهكذا فإن عالِم الأعصاب الذي يعرف كل أسس وظائف الدماغ وكل شيء عن دماغ شخصٍ ما، يستطيع أن يتنبأ بالحالات العقلية لذلك الشخص؛ إذ إن الحالات المستقبلية، والماضية، ستكون موجودةً داخل ذهن ذلك الشخص.

يمكن استخدام هذه المعرفة لمنع الألم والمعاناة؛ نظرًا إلى أن العديد من الأمراض العقلية يكون مصحوبًا باختلالات في شبكات الدماغ. وبالتحلي بالقدر الكافي من البراعة الهندسية، قد يكون بإمكاننا تصميم أجهزة قابلة للزرع تعدِّل شبكات الدماغ، أو حتى تولِّد شبكات دماغية جديدة، أو تُحرر الجينومات من أجل منع تكوُّن الشبكات الدماغيّة المضطربة المصاحبة للأمراض العقلية من الأساس. ومن شأن إنجاز كهذا أن يتيح لنا علاج الأمراض واسترجاع وظائف الدماغ بعد التعرُّض للسكتة الدماغية أو الإصابة، وتحسين تلك الوظائف في الأفراد الأصحاء.

لكن قبل أن تتجسد هذه التصورات المستقبلية، ثمة فجوتان كبيرتان يجب رأبهما؛ إذ نحتاج إلى معرفة المزيد عن كيفية تشكيل كلٍّ من العوامل الوراثية الشخصية، والنمو في السنوات المبكرة من العمر، والبيئة لبنية دماغ الفرد، وكيفية توليد تلك البنية للقدرات الوظيفية. يمتلك علماء الأعصاب بعض المعرفة من واقع دراستهم للجينوم البشري عن البنية التي تُنشئ الشبكات الوظيفية، إلا أنهم ما زالوا بحاجة إلى معرفة كيفية حدوث هذه العملية بالتحديد. وقد بدأنا حاليًّا في فهم كيفية تكوُّن شبكات الدماغ وتشكُّلها بفعل البيئة، إلا أننا لا نزال بعيدين عن تفسير التعقيد الكامل لهذه العملية. إن بناء وصلات الدماغ، أي اتصاليته البنائية، يحدد كيفية تفاعُل الوحدات المختلفة بعضها مع بعض، إلا أن معرفتنا لا تزال محدودة. وبينما نملأ هذه الفراغات، فإن فرصنا تزداد في تصميم تدخلات لتوجيه وظائف الدماغ إلى مسارات صحية.

ما يؤخرنا في الوقت الحالي هو رؤيتنا التي لا تزال غائمةً للدماغ؛ إذ يبدو الأمر وكأننا نقف خارج قاعة الحفل الموسيقي ولا نرى سوى مخططات للآلات الموسيقيّة. فداخل كل منطقة من الدماغ درسها علماء الأعصاب توجد ملايين من الخلايا العصبيّة تنشط كل مللي ثانية، وليس بإمكاننا سوى القياس غير المباشر لمستويات أنشطتها المتوسطة كل ثانية أو نحو ذلك. وحتى الآن كل ما نستطيعه هو أن نتعرف بشكلٍ تقريبي على الاتصالات البنائية في دماغ الإنسان. ومن حسن الحظ أن العلماء والمهندسين قد اتخذوا خطوات لتقديم بيانات أوضح، تتيح لنا إلقاء نظرة أعمق على ما قد يُعتبر أكثر الشبكات تعقيدًا في الكون المعروف: الدماغ.