بدأت مأساة شيلي لاتين مع الألم المزمن والعقاقير أفيونية المفعول على نحو معتدل غير خطير في يونيو عام 2011، عندما استيقظت ذات يوم على ألم في المعدة. استغرق الأمر عامًا حتى أمكن التوصل إلى التشخيص السليم للسبب وراء تلك الحالة –عدوى بكتيرية في أمعائها– والسيطرة على الموقف باستخدام المضادات الحيوية، ولكن بحلول ذلك الوقت كان الألم قد صار شديدًا ومستقلًّا، ولم يعد مرتبطًا بالعدوى. تقول متذكرة: "لم أكن أستطيع القيادة، أو السير، أو الجلوس. لم يكن بوسعي سوى الاستلقاء على ظهري في الفراش".

على مر السنوات الخمس التالية، وجدت لاتين -التي كانت تعمل في وظيفة محامية مساعدة في ولاية أوريجون- نفسها تتعاطى باستمرار جرعات أعلى من الهيدروكودون الموصوف لها طبيًّا للتعامل مع مأساتها. كان الأمر كارثيًّا. لم يعد بمقدورها التركيز، وكانت تشعر بإرهاق شديد، وعلى نحو لا يمكن تفسيره، حسبما تقول: "لا أنقطع عن البكاء". والأسوأ من ذلك أن منطقة البطن بأكملها صارت شديدة الحساسية لدرجة أن مجرد ارتداء الملابس كان أمرًا مؤلمًا للغاية. وكان السبب وراء ذلك يرجع بصفة جزئية إلى حدوث أثر جانبي عكسي نتيجةً لتعاطي مسكنات الألم، يُعرف باسم "فرط التألم الناتج عن تناول العقاقير الأفيونية" opioid-induced hyperalgesia.

بحلول العام الماضي، كانت لاتين قد فاض بها الكيل من الألم، ومن ثم انضمت لمدة أسبوع إلى البرنامج الشامل متعدد التخصصات لعلاج الألم بجامعة ستانفورد Stanford University’s Comprehensive Interdisciplinary Pain Program حيث عملت مع الأطباء هناك على الحد تدريجيًّا من الأدوية التي تتعاطاها، كما عملت مع أخصائيي العلاج المهني والطبيعي على استعادة قدرتها على الحركة من جديد، ومع علماء النفس للتعامل مع حالتي القلق والتفكير الكارثي المرتبطَتين بالألم. وقد أقلعت لاتين الآن عن تناول العقاقير أفيونية المفعول وتتعامل مع ألمها بعدة وسائل مثل التأمل، وممارسة التمرينات الرياضية، وجلسات الإرشاد النفسي، والعقاقير غير الأفيونية لعلاج ألم الأعصاب.

ومع الأسف، لا يتاح الوصول إلى مثل هذا البرنامج الرائع إلا لعدد قليل من بين العشرة ملايين أمريكي أو نحو ذلك الذين يتعاطون العقاقير الأفيونية على المدى الطويل لعلاج الألم المزمن. وتعمل سلطات الولايات والسلطات الفيدرالية وشركات التأمين في شتى أنحاء البلاد في الوقت الراهن على مكافحة الوصفات الطبية التي تتضمن بعض العقاقير الأفيونية، وذلك في أعقاب الزيادة الكبيرة في عدد الوفيات ذات الصلة بالمواد الأفيونية بنسبة 345% في الفترة ما بين عامي 2001 و2016. وفي بعض الولايات، فرضت الهيئات التشريعية قيودًا على الوصفات العلاجية التي يمكن للأطباء وصفها بسهولة. ونتيجةً لذلك، وجد كثيرٌ من المرضى أنفسهم حاليًّا مضطرين إلى خفض معدلات تعاطيهم للعقاقير في ظل غياب الدعم اللازم لعمل ذلك على نحو آمن وفعال. تقول الباحثة في العقاقير الأفيونية إيرين كرِبس، التي تعمل بنظام الرعاية الصحية للمحاربين القدماء في مينيابوليس: "إذا ظل شخصٌ ما يتعاطى العقاقير الأفيونية بجرعات كبيرة لسنوات عديدة، فإن مساعدته على خفض تلك الجرعات تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين. والأمر الذي يدهشني هو أن بعض الساسة يظنون أنهم يعرفون حلًّا للمشكلة يناسب الجميع".

وفي الواقع، فإن عدد الأبحاث التي تتناول أفضل الطرق للتخفيف التدريجي من استخدام العقاقير الأفيونية من جانب مرضى الألم المزمن هو عدد ضئيل للغاية. فعلى سبيل المثال، رغم أن الدراسات تبين أن عقاقير مثل البوبرينورفين يمكن أن تساعد المدمنين على التعافي، فإننا لا نعرف الكثير عن قيمتها في سياق الألم المزمن. ففي العام الماضي، نشرت كرِبس وزملاؤها دراسة مراجعة تناولت 67 دراسةً أُجريت على تقليل استخدام العقاقير أفيونية المفعول للمرضى الذين يعانون من الألم، ووجد الباحثون أن ثلاث دراسات فقط ذات جودة عالية، و13 دراسة ذات جودة "متوسطة". وكان الخبر السار -كما تقول كرِبس- "أنه عند تخفيض الجرعات، يشعر معظم الناس بتحسن" من حيث شدة الشعور بالألم وجودة الحياة. أما الخبر غير السار فهو أن الدراسات الأفضل أكدت أهمية الرعاية متعددة التخصصات والمتابعة الدقيقة للمرضى، وهي أساليب تحتاج إلى عمالة كثيفة لا تتوفر على نطاق واسع في الولايات المتحدة الأمريكية، ونادرًا ما يغطيها التأمين الصحي.

وثمة شيء واحد يبدو واضحًا من واقع الأبحاث والتجارب السريرية، ألا وهو أن فرض القيود على نحو طائش متهور ليس هو الاستجابة الصحيحة لمكافحة الوصفات العلاجية المستهترة. يقول ستيفان كيرتز، خبير الإدمان بكلية طب برمنجهام في جامعة ألاباما: "يمكن لعمليات التخفيف الإجبارية زعزعة استقرار المرضى". ويشير الأطباء السريريون القلقون من أمثال كيرتز إلى زيادة الأدلة المَرويَّة على تعرُّض المرضى لحالات الاكتئاب التي قد تصل حتى إلى حد الانتحار.

ووسط هذه الصورة القاتمة، ينبعث شعاع مشرق من الضوء مصدره موجة من الأبحاث الجديدة. ففي شهر مايو الماضي، نشر فريق بحثي بقيادة بِث دارنال -وهي عالِمة متخصصة في سيكولوجية الألم بجامعة ستانفورد- نتائج دراسة تجريبية أجراها الفريق على 68 من المرضى الذين يعانون من الألم المزمن. وعلى مدار أربعة أشهر، خفض المشاركون الذين أكملوا الدراسة حتى نهايتها -وعددهم 51- الجرعات التي يتعاطونها من العقاقير الأفيونية بمعدل النصف تقريبًا دون زيادة الألم. لم يذهب هؤلاء المرضى إلى عيادات باهظة، بل كان يكفي وجود طبيب يقظ ودليل مساعدة الذات الذي كتبته دارنال. وكان من بين العناصر الأساسية اللجوء إلى خفض الجرعة ببطء شديد خلال الشهر الأول. تقول دارنال: "يتيح ذلك للمريض الاسترخاء في أثناء سير العملية واكتساب شعور بالثقة بطبيبه وبنفسه وبقدرته على عمل ذلك". تحشد دارنال حاليًّا 1300 مريض لإجراء دراسة متعددة المراكز لهذا النهج، وسوف تضطلع تلك الدراسة أيضًا بتقييم مدى أهمية إضافة دعم سلوكي مثل العلاج المعرفي السلوكي.

وثمة دراسات أخرى كبيرة تُجرى في الوقت الراهن، منها دراسة بقيادة كرِبس سوف تقارن بين برنامج لتعديل نظم العلاج بالعقاقير تحت قيادة صيدلانية وبرنامج آخر يساعد من خلاله فريق متخصص في الطب والصحة العقلية المرضى على تقليل استخدام العقاقير الأفيونية في سياق تحديد أهداف شخصية. وفي ضوء ارتفاع مستوي الخوف الذي يشعر به معظم المرضى حيال إدخال أية تغييرات، فمن المرجح أن أي برنامج ناجح سوف يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر والتعاطف.

نُشِر هذا المقال في الأصل بعنوان "تقليل تعاطي العقاقير أفيونية المفعول"