إنها إحدى حبكات أفلام هوليوود الكلاسيكية؛ إذ يحاول الزوجان إشعال جذوة الحب بعد مرور سنين على زواجهما وقد أنجبا خلالها الأبناء، ومرَّا بمواقف سيئة، وعاشا معًا حياة بأكملها. أيبدو ذلك مألوفًا؟ نعم، وربما لأن الأمر يعكس مشكلة شائعة يعانيها المتزوجون في الحياة الواقعية، إذ كثيرًا ما يشعرون بانخفاض الرغبة الجنسية بمرور الوقت. ولكن وفقًا لبحث جديد، يمكن للزوجين اللذين مَرَّ على زواجهما وقت طويل أن يقاوما هذا النمط السائد في الحياة، وأن يستعيدا سعادتهما إذا تعلَّما كيف يكونان أكثر تجاوبًا مع بعضهما.

وجدت الدراسة التي نُشِرَت في عدد شهر أكتوبر عام 2016 لدورية "جورنال أوف بيرسوناليتي آند سوشيال سيكولوجي" Journal of Personality and social psychology  أن الزوجين يمكن أن يعيدا إحياء الرغبة بينهما عن طريق إبداء "التجاوُب" وممارسته، وهو عبارة عن التفاعلات والسلوكيات التي يمارسها الشخص، وتشير إلى أنه يُقدِّر شريكه ويدعمه بصدق، وأنه مستعد للاستثمار في علاقتهما.

قامت المؤلفة الرئيسية للدراسة، جوريت برنباوم -أستاذ علم النفس في مركز هرزليا متعدد التخصصات في إسرائيل- وهاري ريس -أستاذ علم النفس بجامعة روتشستر- وزملاؤهما، بإجراء ثلاث تجارب صُمِّمَت لاختبار ما إذا كان تجاوب الشريك وممارسة السلوكيات التي تزيد من حميمية العلاقة يمكنها أن تجدِّد الاشتياق بين الطرفين أم لا. في الدراسة الأولى، قيل للمشاركين، الذين كان عددهم 153 مشاركًا، إنهم سيُجرون مناقشة عبر الإنترنت مع شركاء حياتهم حول حدث مهم ذي دلالة وقع مؤخرًا. ولكنهم في الحقيقة تفاعلوا مع باحث أرسل إليهم إحدى رسالتين: الأولى تنم عن التجاوب (مثل: "لا بد أنك مررت بوقت شديد الصعوبة") مما دلَّ على الاهتمام بآراء شريك الحياة، والثانية لا تُبدي تجاوبًا (مثل: "لا يبدو لي الأمر بهذا السوء"). أظهرت النتائج، التي تم جمعها عن طريق الملحوظات واستطلاعات الإبلاغ الذاتي، أن النساء زادت لديهن الرغبة الجنسية عند تفاعلهن مع شريك متجاوب عنها عند تفاعلهن مع شريك غير متجاوب. ومن اللافت للنظر، أن رغبة الرجال لم تختلف كثيرًا في الحالتين.

في الدراسة الثانية، صوَّر الباحثون فيلمًا لعدد 178 مشاركًا في أثناء مناقشتهم لحدث شخصي مع شركاء حياتهم، ووجدوا أنه كلما أظهر أحد الطرفين سلوكيات تدل على التجاوب (مثل الإنصات، وتلقِّي الحقائق بالطريقة الصحيحة التي يقصدها الطرف الآخر، وإشعار الطرف الآخر بالاحترام، وإيصال مشاعر الحب له) زادت الرغبة لدى الطرف الآخر.

وفي الدراسة الأخيرة، طُلِبَ من 100 زوج وزوجة أن يدَوِّنوا مذكراتهم اليومية لمدة ستة أسابيع، وأن يوثِّقوا فيها مستويات الرغبة الجنسية لديهم وإحساسهم بمدى تجاوب الطرف الآخر. وجد الباحثون أن الرجال والنساء الذين شعروا بتجاوُب شركاء حياتهم ازدادت لديهم الرغبة الجنسية نحو شركائهم، ولكن التأثير كان أقوى في النساء عنه في الرجال.

يقول ديفيد فريدريك -الأستاذ المساعد المتخصص في علم النفس الصحي بجامعة تشابمان في كاليفورنيا، الذي لم يشارك في الدراسة-: "يعتبر الكثير من الناس أن التواصل الحميمي وشعورهم بأن الطرف الآخر يفهمهم يشكلان جزءًا مهمًّا جدًّا من الانجذاب الجنسي.. بعض الناس إذا شعروا بأن شريك الحياة يُبدي الاهتمام  والتقدير، فإن ذلك يجعلهم يرغبون في بذل المزيد من الجهد من أجل الطرف الآخر، وهذا التقدير يمكن أن يشعل الرغبة الجنسية. إذ إن هذا الأمر يجعل الشخص يبدو شريكًا أفضل ويجعله جذابًا جنسيًّا".

البحث مستوحى جزئيًّا مما يسميه علماء النفس بمتناقضة الألفة والرغبة -وهي المفهوم القائل بأنه كلما زادت الألفة بين الشريكين قلت الرغبة الجنسية بينهما. لطالما أفاد الأطباء السريريون بصورة عابرة عن حالات لمرضى يقولون إن الألفة والتقارب يُخمدان الرغبة الجنسية، وإن الابتكار والتجدد يشعلانها. ولكن بيرنبوم وريس يؤكدان أن متناقضة الألفة والرغبة لا تتحقق في ظل ظروف معينة. وتشير نتائجهما إلى أن الذي يحدد ما إذا كانت الألفة تثبِّط الرغبة أو تثيرها ليس وجودها هي بحد ذاتها، ولكن معناها داخل السياق. وتقول بيرنباوم: "إن التجاوب يشعل الرغبة الجنسية بإيصال رسالة مفادها أن شريك الحياة مُقَدَّر وجدير بالسعي للحصول عليه، وعندها يُنظر للجنس باعتباره ممارسة داعمة للعلاقة الحميمة بالفعل".

يذكر فريدريك -المؤلف الرئيسي لدراسة نُشِرَت هذ العام تدرس مدى الإشباع الجنسي من عدمه لدى الأزواج والزوجات في العلاقات طويلة الأمد- أن التآلف في حد ذاته ربما ليس ما يسبب فتور المشاعر الجنسية، وإنما تراجُع عنصري الإبهار والتجدُّد المعروفَين بتحفيزهما لإفراز مادة الدوبامين، وإثارة الرغبة الجنسية هو ما يُحدث ذلك. ولكن بعض الأزواج يعتبرون أن الشعور بالتقدير والألفة يعزِّز الإشباع الجنسي، ويقول فريدريك: "هناك طرق كثيرة تتداخل فيها الألفة مع الرغبة".

نُشرت المقالة في الأصل بعنوان: "كيف تُبقي الحب مشتعلًا".