يحكم كل شخص على مدى تقبُّله لفيلمٍ ما من منظور مختلف؛ فإذا كنت طبيبًا، ربما تفكر أن هذه الشخصية ليس من المفترض أن تنجو من هذا السقوط، وإذا كنت عالِمًا متخصصًا في الفيزياء الفلكية، فربما ترى أن هذه ليست الطريقة التي تعمل بها الثقوب السوداء، وإذا كنت مكاني فربما تقول: "ما هذا الفهم الأحمق للتكنولوجيا الشخصية المستقبلية!".

فأنا أفقد صوابي عندما يتخيل صنَّاع أفلام الخيال العلمي أشياءً تفتقر إلى أسس علمية: الانتقال الآني للبشر؟ ستار تريك؟ سرير يكتشف الإصابة بالسرطان ويعالجه في ثوانٍ؟ إيليزيم؟

من ناحية أخرى، تضع بعض الأفلام تصورات معقولة وعملية للتكنولوجيات المستقبلية التي يخترعها البشر في الواقع. فالأبواب التي تُفتح ذاتيًّا التي ظهرت في فيلم "ستار تريك" أصبحت الآن سمةً عامةً في مداخل محلات البقالة، والسيارات التي تعمل دون سائق في فيلم "توتال ريكول" (وغيره الكثير من الأفلام) تسير حاليًّا بالفعل في الشوارع الأمريكية.

صار من الواضح مؤخرًا أن منتجي الأفلام في هوليود يفكرون بجدية في التكنولوجيا التي سنتمكن من تحقيقها على أرض الواقع في يوم ما. فعلى سبيل المثال، تدور أحداث فيلم "هير" Her حول رجل يقع في حب مساعدته الصوتية في تطبيق يشبه "سيري"؛ إذ يتحدث البطل إلى مساعدته الصوتية بواسطة سماعة أذن واحدة، ومن خلالها تساعده هي على إنجاز كمٍّ مذهل من المهام: مثل معالجة البريد الإلكتروني، وتصفح آخر الأخبار، وإرسال الرسائل. وعندما تكون الصورة ضروريةً من أجل التواصل، يفتح البطل هاتفه، لتظهر عليه الصورة.

يبدو هذا الحل منطقيًّا أكثر من نظارة "جوجل جلاس"، على سبيل المثال، التي توقف إنتاجها الآن، والتي كانت تتألف من طوق رأس يضع شاشةً صغيرة الحجم في مستوى أعلى من الحاجب. غير أن العثرات الاجتماعية هي ما عجلت بزوال هذا الابتكار، وليس العثرات التكنولوجية؛ فالكاميرا الخاصة بهذه النظارة تثير مخاوف الآخرين وتجعل مَن يضعها يبدو وكأنه رجل آلي شرير، في حين توفر سماعة الأذن في فيلم "هير" الكثير من المزايا التي توفرها النظارة، ولكن على نحو لائق ومريح.

تحفُّظي الوحيد على فيلم "هير" هو أنه لا أحد يبتدئ الأمر الذي سيصدره بنداء "يا أليكسا" أو "مرحبًا يا سيري"، فكيف تعرف أجهزة الكمبيوتر بالأفلام أن الحديث موجه "إليها"؟ وباستثناء هذا، فقد حقق فيلم "هير" النجاح في هذه الصدد. فبالفعل تتيح لك سماعات "إير بود" اللاسلكية التي تنتجها شركة أبل -وكذا مثيلتها "بيكسل بادز" من إنتاج شركة جوجل- التواصل مع مساعدك الصوتي بالطريقة نفسها، غير أنك على الأرجح حتى الآن لن تتلقى سوى الأخبار وتنبؤات الأرصاد الجوية، وليس علاقة حب أو إشباعًا للاحتياج العاطفي.

وفي فيلم حديث من أفلام نيتفليكس، يُطلَق عليه "ماذا حدث ليوم الإثنين" What happened to Monday، يعيش البشر في مستقبل بائس في عالم يشبه "المدينة الفاسدة"، حيث يُعَدُّ إنجاب أكثر من طفل واحد أمرًا غير قانوني، وذلك للسيطرة على الزيادة السكانية. وترتدي الشخصيات في الفيلم أساور تحتوي على أجهزة عرض صغيرة الحجم تعرض صورًا حيةً تمامًا وملونة على راحة اليد، وتنقر عليها الشخصيات وكأنها شاشات تعمل باللمس. وأراهن أن كتاب السيناريو استلهموا الفكرة من الفيديو الذي لقي رواجًا واسعًا في عام 2014 لأسورة رفيعة تدعى "سيكريت" Cicret؛ ويُذكَر أنها جمعت أكثر من 500 ألف دولار أمريكي من داعمين أفراد، قبل أن يُكشَف زيفها وأنها مجرد حلم.

ويمكننا تفهُّم لماذا خلبت هذه الفكرة لب الجميع؛ فلك أن تتخيل أنك تمتلك جميع مميزات الهاتف الذكي دون أن تحتاج بالفعل إليه، بيد أننا لن نرى هذا الشيء في العالم الواقعي. وحتى إن أمكن تقليص حجم جهاز العرض اليدوي الصغير والبطارية والمعالج لتوضع هذه الأشياء جميعها داخل أسورة رفيعة، فلن يمكن التغلُّب على العديد من التحديات الأخرى: فكيف سيصدر جهاز العرض صورةً شديدة الوضوح والتركيز على راحة يدٍ غير منتظمة ومتحركة؟ كيف سيصدر القدر الكافي من الضوء في الأيام المشمسة؟ كيف سيعمل على البشرة الفاتحة للغاية أو الداكنة للغاية؟ بالإضافة إلى ذلك، كيف سيعمل التشغيل باللمس المتعدد في حين أنه عندما يتحرك أي إصبع أمام حزمة الضوء التي يصدرها جهاز العرض سيلقي بظله الأسود على باقي الشاشة؟

تبدو الروبوتات في مسلسل "ويست وورلد"، الذي يُعرض على شبكة "إتش بي أو"، شديدة التطور، لدرجة أنه لا يمكن تمييزها عن البشر، وهو ما قد يكون فيه شيء من المبالغة. غير أن التكنولوجيا الشخصية في هذا المسلسل تبدو منطقيةً إلى حد كبير؛ فالشخصيات تحمل هواتف ثلاثية الطيات في سُمك الورق المقوى. وعندما تريد أن تتفقد شيئًا سريعًا تنظر إلى "الغلاف الخارجي"، وعندما تحتاج إلى صورة أكبر تفرده ليصير في حجم الأجهزة اللوحية.

غير أن أغلب هذه الأفلام والمسلسلات تستمر في تخيُّل شيء واحد بطريقة مغلوطة وسخيفة؛ فعلى ما يبدو ستصدر أجهزة الكمبيوتر في المستقبل أصواتًا أشبه بالزقزقة والصفير عند ظهور النصوص والصور على شاشاتها. فلماذا يظن صناع الأفلام أنه عند إضافة مؤثرات صوتية سخيفة تزداد واقعية الآلات المستقبلية وليس العكس؟ في الحياة الواقعية، فإن غرفةً مَلأى بشاشات تصدر أصواتًا تثير جنوننا.

حسنًا، أظن أن عليَّ تخطِّي هذا الأمر؛ فهذه مجرد أفلام، أليس كذلك؟ إنها ليست وصفًا حيًّا للمستقبل -على الأقل حتى الآن.