لم يعرف الإنسان العاقل القديم نظرية النسبية العامة لآينشتاين، لكن من المتوقع اليوم من أي طالب يدرس الفيزياء أن يفهم القواعد الأساسية لهذه النظرية. ويتساءل مارسيل جَست -عالم الأعصاب بجامعة كارنيجي ميلون-: "كيف تستطيع أدمغتنا العتيقة هذه أن تتعلم العلوم الحديثة وتمثل المفاهيم المجردة؟"، وفي دراسة نُشرت في عدد شهر يونيو من دورية "سايكولوجيكال ساينس" Psychological Science، وجد جَست وزميله روبرت ميسون أن التفكير في الفيزياء يتسبب في تحفيز أنماط تنشيط الدماغ العادية، وأن هذه الأنماط هي نفسها التي تُستخدم للقدرات العصبية المعتادة -مثل تلك التي تمكِّننا من معالجة إيقاع الأغاني وتركيب الجمل على سبيل المثال– التي أعيد توجيهها لاستخدامها في تعلم العلوم المجردة.

قام جَست وميسون بإجراء مسح لأدمغة تسعة من طلاب الفيزياء المتقدمة والهندسة في أثناء تفكيرهم في 30 من مفاهيم الفيزياء، من قبيل زخم الحركة والإنتروبيا والتيار الكهربائي. ثم عمل الباحثان على تغذية برنامج كمبيوتر للتعلم الآلي بالبيانات التي جُمعت من عمليات المسح، فاستطاع البرنامج في نهاية المطاف تحديد المفهوم الذي كان يفكر فيه المتطوع بناءً على نشاطه الدماغي. فلماذا نجح البرنامج في هذا؟ لأن الأنماط العصبية ذات الصلة بالتفكير في موضوع معين، كالجاذبية مثلًا، كانت متماثلة لدى جميع المشاركين. وكما يقول ميسون: "يتعلم الطلاب الفيزياء في حجرات دراسة مختلفة على يد معلمين مختلفين بمعدلات متباينة، لذا من المثير للدهشة أن نجد نفس المناطق الدماغية قد جرى تطويرها لفهم أحد المفاهيم الفيزيائية عند جميع هؤلاء الطلبة".

ولدفع نتائج هذه الدراسة قدمًا، عمل العلماء على مقارنة نتائج المسح الدماغي من دراستهم بالأبحاث السابقة التي تربط بين النشاط العصبي وعمليات التفكير. وقد وجدوا أن استجابة الدماغ المرتبطة بالمفهومين العلميين "التردد" أو "الطول الموجي" حدثت في المناطق نفسها التي تنشط حينما يشاهد الشخص مجموعة من الراقصين، أو يستمع إلى الموسيقى، أو يسمع صوت الإيقاع المنتظم مثل عدو الأحصنة. ويحدث هذا على الأرجح لأن جميع هذه المفاهيم تتضمن فكرة "تكرار حدوث شيء ما بدورات منتظمة". وحينما انهمك الطلاب في التفكير في معادلات رياضية، كانت المناطق الدماغية النشطة في هذه الحالة هي نفسها المناطق المسؤولة عن معالجة الجُمَل. وتشير هذه النتائج إلى أن البِنى العصبية العامة يعاد توجيهها للاستخدام في تعلُّم المفاهيم العلمية المتقدمة.

ويقول جَست: "وهكذا، فعلى الرغم من أن بعض هذه المفاهيم لم تتم صياغتها سوى في القرنين الماضيين، فإن دماغ الإنسان مصممة بطريقة تمكنها من التعامل معها".

ويرى ميسون أن هذه النتائج ربما تُستخدم يومًا ما للمساعدة في تحديد الدروس التي ينبغي تدريسها معًا بحيث يسهل استيعابها. ويخطط هو وزميله جَست لمواصلة أبحاثهما على العلوم الأخرى التي لم يعرف أسلافنا عنها سوى النزر اليسير، متضمنةً علم الوراثة وعلوم الكمبيوتر.