كثير من الأطفال الذين ينفصل أبواهم بالطلاق سنويًّا في الولايات المتحدة -والذين يقدَّر عددهم بمليون ونصف المليون طفل- يشعرون كما لو أن حياتهم في طريقها إلى الانهيار. كما يقلق الآباء المطلقون بشكل أساسي على سلامة أبنائهم في أثناء تلك العملية المزعجة. بل إن بعض الآباء يشعرون بالقلق لدرجة أنهم يستمرون في حياة زوجية تعيسة اعتقادًا منهم أن ذلك سوف يحمي أبناءهم من صدمة الطلاق.

ولكن يمكن القول بأنه قد صار لدى الآباء الذين يخوضون تجربة الانفصال أسباب تبعث على الأمل. فقد وجد الباحثون أن من الأطفال نسبة صغيرة نسبيًّا فحسب هي التي تتعرض لمشكلات خطيرة في أعقاب الطلاق، أو فيما بعد عندما يصلون لمرحلة الرشد. وفي هذا العمود، نناقش هذه النتائج وكذلك العوامل التي قد تحمي الأطفال من آثار الطلاق التي يمكن أن تكون ضارة.

التعافي السريع

يؤثر الطلاق على معظم الأطفال على المدى القصير، ولكن تشير الأبحاث إلى أن الأطفال يتعافون سريعًا بعد الصدمة الأولى. في دراسة أجريت عام 2002، وجدت عالِمة النفس إ. مافيس هيذرينجتون بجامعة فيرجينيا وطالبتها في مرحلة الدراسات العليا آنذاك آن ميتشيل إيلمور، أن كثيرًا من الأطفال يتعرضون لتأثيرات سلبية قصيرة الأجل بسبب الطلاق، وتتمثل تلك الآثار تحديدًا في مشاعر القلق، والغضب، والصدمة، وعدم التصديق. وفي المعتاد تتقلص ردود الأفعال تلك أو تختفي بنهاية السنة الثانية. ولكن قلة قليلة من الأطفال فحسب، تظل تعاني مدةً أطول.

كذلك يتمكن معظم أطفال الطلاق من تسيير أمورهم بشكل طيب على المدى الأطول. في استعراض كمي للدراسات السابقة جرى في عام 2001، قام عالم الاجتماع بول ر.أماتو -الذي كان يعمل حينئذٍ بجامعة بنسلفانيا ستيت- بدراسة الآثار المحتملة على الأطفال بعد عدة سنوات من حدوث الطلاق. عقدت الدراسات مقارنة بين الأطفال الذين لا يزال آباؤهم مستمرين في الزواج ونظرائهم الذين تعرضوا لتجربة الطلاق في أعمار مختلفة. وقد عمل الباحثون على متابعة هؤلاء الأطفال حتى مرحلة الطفولة المتأخرة ومرحلة المراهقة، إذ أجروا تقييمًا لتحصيلهم الدراسي ومشكلاتهم الوجدانية والسلوكية ومشكلة الجنوح ومفهوم الذات والعلاقات الاجتماعية. وبصفة عامة، لم تجد الدراسات سوى فروق صغيرة للغاية فحسب في جميع تلك المعايير بين أطفال الآباء المطلقين وغيرهم من أبناء الأسر التي لم تتعرض للطلاق، مما يشير إلى أن الأغلبية العظمى من الأطفال يجتازون مشكلة الطلاق بشكل جيد.

وجد الباحثون أن ارتفاع معدلات النزاع بين الأبوين في أثناء الطلاق وبعده يرتبط طرديًّا بضعف التكيُّف لدى الأطفال. ومع ذلك فإن آثار النزاع قبل الانفصال ربما تؤثر عكسيًّا في بعض الحالات. إذ أوضحت دراسة أجرتها هيذرينجتون ومعاونوها في عام 1985، أن بعض الأطفال الذين يتعرضون لمستويات مرتفعة من الخلافات بين والديهم قبل الطلاق، يتكيفون بطريقة أفضل من الأطفال الذين يتعرضون لمستويات منخفضة من تلك الخلافات. فمن الواضح أنه عندما يقل النزاع بين الأزواج، لا يكون الأطفال في الغالب مهيئين لسماع نبأ الطلاق الوشيك، بل تتملكهم الدهشة وربما الذعر من ذلك النبأ. إضافة إلى ذلك، فإن الأطفال الذين ينتمون إلى أسر تزيد فيها معدلات الخلاف، قد يرون الطلاق بمنزلة وسيلة للنجاة من الشجار بين الأبوين.

ولو قمنا بتجميع تلك النتائج، لوجدنا أنها تشير إلى أن نسبة قليلة فقط من الشباب تتعرض لمشكلات ذات صلة بالطلاق. وحتى في هذه الحالة، فإن أسباب تلك الصعوبات المتأخرة تظل مجهولة وغير معروفة. إذ ربما تنجم بعض المشكلات عن النزاع بين الأبوين فيما يتعلق بالطلاق. كذلك يمكن لضغوط الموقف أن تؤثر على جودة التربية. وفي أغلب الأحيان يسهم الطلاق في حدوث الاكتئاب أو القلق أو تعاطي المواد المخدرة من جانب أحد الأبوين أو كليهما، وربما يؤدي أيضًا إلى صعوبات في الموازنة بين العمل وتربية الأطفال. وبإمكان تلك المشكلات عرقلة قدرة أحد الأبوين على أن يقدم لأطفاله مشاعر الاستقرار والحب في حين أنهم يكونون في أمس الحاجة إليها.

 مخاوف الراشدين

يمكن أيضًا لتجربة الطلاق أن تؤدي إلى خلق مشكلات لا تظهر حتى سنوات المراهقة المتأخرة أو مرحلة الرشد. في عام 2000 صدر كتاب بعنوان "الإرث غير المتوقع للطلاق: دراسة بارزة على مدار 25 عامًا". في ذلك الكتاب قدمت جوديث وولرشتاين -التي كانت تعمل حينئذٍ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي- وزملاؤها دراسات حالة تفصيلية تقترح أن معظم الراشدين الذين كانوا أطفال طلاق يتعرضون لمشكلات خطيرة، مثل الاكتئاب ومشاكل العلاقات.

ومع ذلك، فإن الأبحاث العلمية لا تؤيد وجهة النظر التي تفترض انتشار المشكلات وشيوعها في مرحلة الرشد. بل إن تلك الأبحاث -بخلاف ذلك- تبيِّن أن معظم أطفال الطلاق يتمكنون من التكيُّف على نحو جيد في مرحلة الرشد. فعلى سبيل المثال، صدر كتاب في عام 2002 بعنوان "في السراء والضراء: إعادة النظر في مسألة الطلاق" تصف هيذرينجتون وشريكها في تأليف الكتاب، الصحفي جون كيلي، دراسة أجريت على مدار 25 عامًا، فيها تابعت هيذرينجتون أطفال الطلاق بالتوازي مع أطفال لم ينفصل آباؤهم بالطلاق. وجدت هيذرينجتون أن 25% من الراشدين الذين كان آباؤهم قد انفصلوا بالطلاق، قد تعرضوا لمشكلات اجتماعية أو وجدانية أو نفسية خطيرة، مقارنة بنسبة 10% فقط من أولئك الذين واصل آباؤهم الحياة معًا. وتشير تلك النتائج إلى أن 15% فقط من أطفال الطلاق الراشدين يتعرضون لمشكلات تزيد عن تلك التي يتعرض لها أبناء الأسر المستقرة. ولا يعلم أحد ما إذا كان ذلك الفارق بسبب الطلاق ذاته أو ناتجًا عن متغيرات أخرى، مثل ضعف مستوى التربية الذي غالبًا ما يصاحب فسخ علاقة الزواج.

في مقالة نُشرت في عام 2003، خلص علماء النفس جون ب. كيلي، الذي ينتمي إلى كورت ماديرا بكاليفورنيا، وروبرت إ. إيميري من جامعة فيرجينيا، إلى أن علاقات الراشدين الذين فشلت زيجات آبائهم، غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا إلى حد ما من أبناء الأسر التي يكللها الاستقرار. على سبيل المثال، يواجه الأشخاص الذين انفصل آباؤهم وهم ما زالوا صغارًا صعوبة أكبر في تكوين العلاقات الحميمة والمحافظة عليها عندما يصلون إلى مرحلة الشباب، كما تزيد لديهم معدلات عدم الرضا عن زيجاتهم، ويرتفع لديهم أيضًا معدل الطلاق، وتسوء علاقتهم بالوالد غير الحاضن، مقارنةً بالراشدين القادمين من أسر مستقرة. أما في بقية الأوجه الأخرى، فإن الفروق بين المجموعتين كانت ضئيلة.

التعافي

على الرغم من أن أطفال الطلاق يتكيفون بشكل طيب في العموم، فإن هناك عددًا من العوامل التي يمكنها أن تقلل من المشكلات التي ربما يتعرض لها هؤلاء الأطفال. على سبيل المثال، يمكن للأطفال أن يتعاملوا بشكل أفضل إذا تمكن الآباء من الحد من النزاعات المتعلقة بعملية الطلاق أو الحيلولة بقدر الإمكان من تعرض الطفل لتلك النزاعات. إضافة إلى ذلك، فإن الأطفال الذين يعيشون في كنف والد واحد على الأقل يؤدي الدور المنوط به بشكل جيد، يكون أداؤهم أفضل من أولئك الذين يكون أداء الوالد المسؤول عنهم ضعيفًا. وفي ذلك الموقف الأخير، يجب على هذا الوالد المُعاني أن يَنشُد مساعدةً متخصصة، أو أن يفكر في تقليل الوقت الذي يقضيه مع الطفل. كذلك يمكن للآباء دعم أطفالهم في أثناء ذلك الوقت العصيب عن طريق التحدث إليهم بوضوح عن الطلاق وعواقبه، والإجابة عن أسئلتهم بشكل كامل.

كذلك يمكن للجوانب الأخرى العامة لحسن التربية، أن تعمل كمصدٍّ أمام الصعوبات ذات الصلة بالطلاق لدى الأطفال. فعلى الآباء أن يقدموا الدفء والدعم الوجداني لأبنائهم، وعليهم أيضًا أن يراقبوا ما يفعله أبناؤهم من أنشطة مراقبةً لصيقة. كذلك أن يغرسوا في الأبناء مفهوم الانضباط، مع عدم المبالغة سواء في التساهل أو الحزم. ومن بين العوامل الأخرى التي تسهم في تكيُّف الأطفال في مرحلة ما بعد الطلاق، الاستقرار الاقتصادي والمساندة الاجتماعية من الأقران وغيرهم من الراشدين، مثل المعلمين.

إضافة إلى ذلك، يمكن لخصائص معينة لدى الطفل التأثير على مرونته وقدرته على التكيف. فالأطفال الذين يتمتعون بطباع سلسة يتكيفون بشكل أفضل. كذلك تصنع أساليب التكيف فارقًا.

على سبيل المثال، فإن الأطفال الذين يتميزون بالمهارة في حل المشكلات والذين يَنشُدون المساندة الاجتماعية، يكونون أكثر مرونة من أولئك الذين يعتمدون على تجنُّب لفت النظر والانعزالية.

ويبقى الخبر السار، أنه رغم كون الطلاق مسألة صعبة وغالبًا ما تكون آثاره مؤلمة بشدة على الأطفال، فإن الأضرار طويلة الأمد ليست حتمية؛ فمعظم الأطفال يتعافون من هذه التجربة ويتخطونها بقليل من الجراح في خضم المعركة، أو ربما من دون أية جراح على الإطلاق.