حين أُخبر أحدهم أنني عالِمة رياضيات، فإن أحد أكثر ردود الفعل التي أتلقاها شيوعًا يكون على هذا النحو: «كنت أحب دروس الرياضيات بحقٍّ؛ لأن كل شيء كان إما صحيحًا وإما خطأً. فلا يوجد غموض أو شك». ودائمًا ما أتلعثم في ردي على هذه العبارة. فليس معروفًا عن الرياضيات أنها المادة الدراسية المفضلة لدى الجميع، وأشعر بالتردُّد لتثبيط حماس أي شخص. غير أن الرياضيات تعج بالأشياء غير اليقينية، كل ما هنالك أنها تخفيها جيدًا.

بالطبع أفهم المقصود من العبارة السابقة. فإذا سألك معلمك عما إذا كان العدد 7 عددًا أوليًّا أم لا، ستكون الإجابة "نعم" حاسمة. بحكم التعريف، العدد الأولي هو عدد كامل أكبر من 1 ولا يقبل القسمة سوى على نفسه وعلى 1، ومن أمثلة الأعداد الأولية 2، 3، 5، 7، 11، 13، وهكذا دواليك. وأي معلم للرياضيات، في أي مكان في العالم، وفي أي وقت خلال آلاف السنين الماضية، سيحكم بأن إجابتك صحيحة إذا أجبت بأن العدد 7 عدد أوليّ، وبأن إجابتك خطأ إذا أجبت بأن العدد 7 عدد غير أوليّ. قلة قليلة من الفروع المعرفية الأخرى يمكنها الوصول إلى هذه الدرجة المذهلة من الإجماع. لكن إذا سألت 100 عالِم من علماء الرياضيات عن إعطاء تفسير لحقيقة أي عبارة رياضية، فستحصل على 100 إجابة مختلفة. فالعدد 7 من الممكن أن يوجد حقًّا ككائن رياضي مجرد، وتكون الأوليَّة إحدى سمات هذا الكائن. أو من الممكن أن يكون جزءًا من لعبة معقدة ابتكرها علماء الرياضيات. بعبارة أخرى، يتفق علماء الرياضيات بدرجة مدهشة حول ما إذا كانت أي عبارة صحيحةً أم خطأ، لكنهم يعجزون عن الاتفاق بشأن ما تدور حوله العبارة بالضبط.

يتمثل أحد جوانب هذا الجدل في السؤال الفلسفي البسيط التالي: هل اكتشف البشر الرياضيات أم اخترعوها؟ فلعل العدد 7 كائن فعلي له وجود مستقل عن وجودنا، ويعمل علماء الرياضيات على اكتشاف الحقائق المتعلقة به. أو ربما يكون هذا العدد صنيعة خيالنا، ويتسم تعريفه وخصائصه بالمرونة. في واقع الأمر، تُعزِّز ممارسة الرياضيات منظورًا فلسفيًّا ثنائيًّا تُعامَل فيه الرياضيات على أنها اختراع واكتشاف في الوقت ذاته.

كل هذا يبدو في نظري شبيهًا نوعًا ما بالمسرح الارتجالي. فعلماء الرياضيات يخترعون سياقًا توجد فيه حفنة من الشخصيات، أو الكائنات، علاوةً على بضع قواعد تحكم التفاعل، ويشاهدون الكيفية التي تتكشف بها الحبكة. وسرعان ما يكتسب الممثلون شخصيات وعلاقات مدهشة، مستقلة تمامًا عن تلك التي قصدها علماء الرياضيات. لكن بصرف النظر عمَّن يتولى إخراج المسرحية يكون حَل العقدة هو ذاته. وحتى في داخل أي منظومة فوضوية، حيث يمكن أن تتباين النهايات تبايُنًا شاسعًا، سوف تؤدي الظروف المبدئية دائمًا إلى نقطة النهاية ذاتها. وهذه الحتمية هي التي تمنح تَخصُّص الرياضيات مثل هذا الاتساق المميز. لكن تنتظر خلف الكواليس أسئلة صعبة تتعلق بالطبيعة الجوهرية للكائنات الرياضية وعملية اكتساب المعرفة الرياضية.

الاختراع

كيف نعرف ما إذا كانت عبارة رياضية ما صحيحةً أم لا؟ على النقيض من العلماء الآخرين الذين يحاولون في المعتاد استنتاج المبادئ الأساسية للطبيعة من واقع الملحوظات، يبدأ علماء الرياضيات بمجموعة من الكائنات والقواعد، ثم يبيِّنون النتائج المترتبة عليها بصورة صارمة. ويُطلَق على نتيجة هذه العملية الاستدلالية اسم البرهان، وهو يتشكل عادةً من حقائق أبسط إلى حقيقة أكثر تعقيدًا. ومن الوهلة الأولى، تبدو البراهين ركنًا أساسيًّا من أركان الإجماع المدهش بين علماء الرياضيات.

غير أن البراهين لا تُقدم إلا حقيقةً مشروطة؛ إذ إنَّ صحة النتيجة تعتمد على صحة الافتراضات المبدئية. تلك هي إشكالية الفكرة الشائعة القائلة بأن الإجماع بين علماء الرياضيات ينتج عن بُنيان الحجج المعتمد على البراهين. فالبراهين لها افتراضات جوهرية يرتكز عليها كل شيء آخر، والكثير من الأسئلة الفلسفية المعنية بالحقيقة الرياضية والواقع يدور في حقيقة الأمر حول نقطة البدء هذه. وهذا يطرح السؤال التالي: ما مصدر هذه الكائنات والأفكار التأسيسية؟

كثيرًا ما يكون الدافع الضروري هو المنفعة. فنحن نحتاج إلى الأعداد، مثلًا، حتى نستطيع العد (عد رؤوس الماشية مثلًا)، ونحتاج إلى الكائنات الهندسية كالمستطيلات مثلًا من أجل قياس مساحات الحقول. وأحيانًا يكون الدافع جماليًّا، ما درجة الجاذبية أو الإثارة التي تنطوي عليها القصة الناتجة؟ إن تغيير الافتراضات المبدئية سيؤدي أحيانًا إلى إطلاق العنان لبِنى ونظريات فسيحة وشاملة، في حين يعوق ظهور بنى ونظريات أخرى. فيمكننا –مثلًا- اختراع منظومة جديدة للحساب تنص على أن حاصل ضرب العدد السالب في العدد السالب يكون عددًا سالبًا (وهو ما يزيح عبء التفسيرات المحبطة عن كاهل معلمي الرياضيات)، لكن سيترتب على ذلك اختفاء العديد من الخصائص البدهية والمرغوبة الأخرى لخط الأعداد. فعلماء الرياضيات يحكمون على الكائنات التأسيسية (مثل الأعداد السالبة) وخصائصها (مثل حاصل ضربها معًا) في إطار مشهد رياضي متسق أوسع نطاقًا. ولهذا قبل أن يُقدِم عالم الرياضيات على إثبات نظرية جديدة، فإنه يحتاج إلى مشاهدة المسرحية بينما تتكشف أحداثها أمامه. حينها فقط يمكن للمُنَظِّر أن يعرف ما عليه إثباته: ونعني بهذا النتيجة الحتمية الثابتة. هذا من شأنه أن يضع عملية ممارسة الرياضيات في ثلاث مراحل، هي الاختراع والاكتشاف والبرهنة.

تتألف شخصيات المسرحية على نحوٍ شبه دائم من كائنات أبسط. على سبيل المثال، تُعرَّف الدائرة بأنها كل النقاط الواقعة على مسافة متساوية من نقطة مركزية. إذًا يعتمد تعريف الدائرة على تعريف النقطة، التي هي أبسط أنواع الكائنات، وعلى المسافة بين نقطتين، التي هي خاصية من خصائص تلك الكائنات الأبسط. وبالمثل، الضرب عبارة عن عملية جمع متكررة، والرفع إلى القوة الأسيَّة معناه عملية ضرب متكررة لعددٍ ما في نفسه. ولذا، فإن خصائص الرفع إلى القوة الأسيَّة مشتقة من خصائص عملية الضرب. وفي المقابل، يمكننا معرفة الكائنات الرياضية المعقدة عن طريق دراسة الكائنات الأبسط التي تُعرَّف في ضوئها. وقد حدا هذا ببعض علماء الرياضيات والفلاسفة إلى تصوُّر الرياضيات باعتبارها هرمًا مقلوبًا، حيث يُستنتَج الكثير من الكائنات والأفكار المعقدة من قاعدة ضيقة من المفاهيم البسيطة.

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بدأت مجموعةٌ من علماء الرياضيات والفلاسفة تتساءل عن الأساس الذي يرتكز عليه هرم الرياضيات الثقيل هذا. وقد كانوا يخشون بشدة من أن الرياضيات ليس لها أساسات، وأنه لا يوجد أساس للحقائق البسيطة مثل 1 + 1 = 2. (استحوذ هذا الأمر على تفكير عدد من الشخصيات إلى حد الهوس، وعانى الكثير منهم أمراضًا عقلية). وبعد خمسين عامًا من البلبلة، لم يُفلح هذا المشروع التوسعي في الوصول إلى إجابة واحدة موحدة تُرضي كل الأهداف الأصلية، لكنه أدى في المقابل إلى ظهور عدة فروع جديدة من الرياضيات والفلسفة.

كان بعض علماء الرياضيات يأملون حل الأزمة التأسيسية عن طريق وضع مجموعة بسيطة نسبيًّا من البدهيات التي يمكن اشتقاق كل الحقائق الرياضية استنادًا إليها. غير أن العمل الذي قام به عالِم الرياضيات كورت جودل في ثلاثينيات القرن العشرين كثيرًا ما يُفَسَّر على أنه أثبت أن مثل هذا الاختزال إلى البدهيات أمرٌ مستحيل. فأولًا، بيَّن جودل أن أي منظومة مرشحة ومعقولة من البدهيات ستكون ناقصة؛ إذ توجد عبارات رياضية ليس بوسع المنظومة إثباتها أو دحضها. غير أن الضربة القاصمة جاءت من مبرهنة جودل الثانية حول عدم اكتمال الرياضيات. فأي منظومة تأسيسية من البدهيات ينبغي أن تكون متسقة، بعبارة أخرى، يجب أن تخلو من تعبيرات يمكن إثباتها أو دحضها في الوقت ذاته. (ستكون الرياضيات أقل إمتاعًا بكثير إذا أمكننا إثبات أن العدد 7 عدد أولي وفي الوقت ذاته ليس عددًا أوليًّا). علاوة على ذلك، ينبغي أن تكون المنظومة قادرةً على إثبات اتساقها الذاتي؛ أي يجب أن تضمن رياضيًّا ذلك الاتساق. وتنص مبرهنة جودل الثانية على أن هذا أمرٌ مستحيل.

أدى السعي للعثور على أسس الرياضيات إلى الاكتشاف المدهش لمنظومة من البدهيات الأساسية عُرِفت باسم نظرية مجموعات زيرميلو-فرانكل، التي يمكن أن نشتق منها غالبية الرياضيات المثيرة للاهتمام وذات الصلة. هذه البدهيات، القائمة على مجموعات الكائنات أو تجميعاتها، ليست الأساس المثالي الذي كان يطمح بعض علماء الرياضيات والفلاسفة للوصول إليه، لكنها بسيطة على نحو يثير الإعجاب، وتُعد أساسًا بالفعل لأغلب الرياضيات.

على مدار القرن العشرين، ناقش علماء الرياضيات مسألة ما إذا كانت نظرية مجموعات زيرميلو-فرانكل تحتاج إلى تعزيز بقاعدة إضافية، تُعرَف باسم بدهية الاختيار، ومفادها أنه إذا كان لديك عدد لا نهائي من مجموعات الكائنات، فبمقدورك تكوين مجموعة جديدة عن طريق اختيار كائن واحد من كل مجموعة. فكر في صف من الدلاء، كلٌّ منها يحتوي على مجموعة من الكرات، ودلو واحد فارغ. يمكنك أن تختار كرةً واحدةً من كل دلو في الصف وأن تضعها داخل الدلو الفارغ. من شأن بدهية الاختيار أن تمكِّنك من فعل هذا مع صف لا نهائي من الدلاء. لا تمتاز هذه البدهية بالجاذبية الحدسية وحسب، بل هي ضرورية كذلك لإثبات العديد من العبارات الرياضية المفيدة والمرغوب فيها. لكنها تشير ضمنًا إلى بعض الأشياء العجيبة، مثل متناقضة باناخ-تارسكي، التي تنص على أنه بإمكانك تقسيم كرة مصمتة إلى خمس قطع، ثم إعادة تجميع تلك القطع على هيئة كرتين جديدتين مصمتتين، كلٌّ منهما مساوية في الحجم للكرة الأولى. بعبارة أخرى، يمكنك مضاعفة الكرة. يُحكَم على الافتراضات التأسيسية من واقع البِنى التي تُنتجها، وتتضمن بدهية الاختيار العديد من العبارات المهمة، لكنها أيضًا تأتي بأعباء إضافية. ومن دون بدهية الاختيار، تبدو الرياضيات وكأنها تفتقر إلى حقائق أساسية، رغم أنه مع بدهية الاختيار تتضمن الرياضيات بعض العبارات العجيبة التي يمكن أن تكون غير مرغوب فيها.

تستخدم معظم الرياضيات مجموعةً قياسيةً من التعريفات والأعراف التي تشكلت بمرور الوقت. على سبيل المثال، اعتاد علماء الرياضيات في السابق اعتبار العدد 1 عددًا أوليًّا، لكنهم توقفوا عن ذلك. بيْد أنهم لا يزالون يتجادلون بشأن ما إذا كان ينبغي اعتبار العدد 0 عددًا طبيعيًّا أم لا (تُعرَّف الأعداد الطبيعية، التي تُسمَّى أحيانًا أعداد العد، بأنها الأعداد 0، 1، 2، 3 …، أو 1، 2، 3 …، وذلك يتوقف على الشخص الذي تطرح عليه السؤال). ومسألة تحديد الشخصيات أو الاختراعات التي يمكن أن تصبح جزءًا من القانون الرياضي تعتمد عادةً على مقدار الإثارة الذي تتسم به المسرحية الناتجة عنها، وقد تستغرق ملاحظة هذا الأمر سنوات. ومن هذا المنطلق، تُعَد المعرفة الرياضية تراكمية. فمن الممكن تجاهل النظريات القديمة، لكنها نادرًا ما تُبطَل أو تُلغى، على النقيض مما يحدث عادةً في العلوم الطبيعية. فعوضًا عن ذلك، يُؤْثر علماء الرياضيات أن يحولوا انتباههم فحسب صوب مجموعة جديدة من الافتراضات الناشئة، وأن يستكشفوا النظرية التي تخرج إلى النور.

الاكتشاف

كما ذكرت من قبل، عادةً ما يقدم علماء الرياضيات تعريفًا للكائنات الرياضية والبدهيات واضعين تطبيقًا معينًا في أذهانهم. لكن مرةً تلو الأخرى تفاجئهم هذه الكائنات خلال المرحلة الثانية من العملية الرياضية وهي مرحلة الاكتشاف. فالأعداد الأولية، مثلًا، هي الوحدات البنائية لعملية الضرب، أي أصغر الوحدات. فالعدد يكون أوليًّا إذا لم يكن ممكنًا كتابته كحاصل ضرب عددين أصغر منه، وكل الأعداد غير الأولية (المركبة) يمكن تكوينها عن طريق ضرب مجموعة فريدة من الأعداد الأولية معًا.

في عام 1742، وضع عالِم الرياضيات كريستيان جولدباخ فرضيةً مفادها أن كل عدد زوجي أكبر من 2 هو مجموع عددين أوليين. فإذا اخترت أي عدد زوجي، فإن الحدسية المسماة حدسية جولدباخ تتنبأ بأنك تستطيع العثور على عددين أوليين يمكن جمعهما للحصول على هذا العدد الزوجي. فإذا اخترت العدد 8، يكون هذان العددان هما 3 و5، وإذا اخترت العدد 42، يكون العددان هما 13 + 29. إن حدسية جولدباخ مدهشة؛ لأنه رغم أن الأعداد الأولية كانت مصممةً من أجل ضربها معًا، فإنها تقترح علاقةً عرضيةً مذهلة بين الأعداد الزوجية ومجاميع الأعداد الأولية.

ثمة كم وافر من الأدلة يدعم حدسية جولدباخ. فخلال الـ300 عام التي أعقبت وصوله إلى هذه الملحوظة الأصلية، أكدت الحاسبات صحتها بالنسبة لكل الأعداد الزوجية التي تقل عن 4 × 1810. غير أن علماء الرياضيات لم يجدوا هذه الأدلة كافيةً كي يعلنوا صحة حدسية جولدباخ. فبصرف النظر عن كم الأعداد الزوجية التي يتحقق منها الحاسب، سيظل هناك مثال معاكس –عدد زوجي لا يساوي مجموعة عددين أوليين– مستترًا في مكان ما.

تخيل أن الحاسب يطبع نتائجه، وفي كل مرة يعثر فيها على عددين أوليين يساوي مجموعهما عددًا زوجيًّا محددًا، يطبع الحاسب ذلك العدد. في وقتنا الحالي، لدينا قائمة طويلة للغاية من الأعداد، يمكنك أن تقدمها إلى صديق لك باعتبارها سببًا جيدًا لإقناعه بصحة حدسية جولدباخ. غير أن صديقك الذكي يستطيع دومًا التفكير في عدد زوجي غير مُدرج على القائمة، ويسألك كيف تعرف أن حدسية جولدباخ تنطبق على هذا العدد. فمن المستحيل أن تظهر كل الأعداد الزوجية (التي لا حصر لها) على تلك القائمة. سيكون إعطاء برهان رياضي –حجة منطقية قائمة على المبادئ الأساسية تُبيِّن أن حدسية جولدباخ تنطبق على كل عدد زوجي– كافيًا لرفع هذه الحدسية إلى مرتبة النظرية أو الحقيقة. ولم يتمكن أحدٌ حتى يومنا هذا من تقديم مثل هذا البرهان.

تُسلط حدسية جولدباخ الضوء على فارق مهم بين مرحلة الاكتشاف في الرياضيات ومرحلة البرهنة. فخلال مرحلة الاكتشاف يسعى المرء إلى الحصول على أدلة دامغة تُثبت صحة حقيقة رياضية، وفي العلم التجريبي يكون ذلك في المعتاد هو الهدف النهائي. لكن الحقائق الرياضية تحتاج إلى برهان.

تساعد الأنماط والأدلة علماء الرياضيات في تنظيم النتائج الرياضية وتصنيفها وتحديد ما يتعين عليهم برهنته، لكن هذه النتائج من الممكن أيضًا أن تكون خادعة. فعلى سبيل المثال، دعنا نبني متتالية من الأعداد التالية: 121، 1211، 12111، 121111، 1211111، وهكذا. ودعنا نضع حدسية مفادها أن كل الأعداد في هذه المتتالية ليست أعدادًا أولية. من السهل جمع أدلة تؤيد صحة هذه الحدسية. فبإمكانك أن ترى أن العدد 121 ليس عددًا أوليًّا، لأن 121 = 11 × 11. وبالمثل، الأعداد 1211، 12111، 121111 ليست أعدادًا أولية. يظل هذا النمط صامدًا لبعض الوقت –لمدة طويلة كافية إلى أن تشعر بأنك قد سئمت من التحقق– لكنه يُخفق على نحو مفاجئ. فالعنصر رقم 136 في هذه المتتالية (أي العدد 12111...111، الذي يُكتَب فيه الرقم 1 بعد الرقم 2 لـ 136 مرة) هو عدد أولي. من المغري التفكير بأن الحاسبات الحديثة يمكنها مساعدتك في حل هذه المشكلة عن طريق تمكينك من اختبار الحدسية على مزيد من الأعداد في المتتالية. لكن ثمة أمثلة على أنماط رياضية تظل مُنطبقةً بالنسبة لأول 4210 عنصر من إحدى المتتاليات، ثم تُخفق بعد ذلك. فحتى باستخدام كل القدرة الحاسوبية الموجودة في العالم، لن تستطيع مطلقًا اختبار ذلك الكم الهائل من الأعداد.

ورغم ذلك، فإن مرحلة الاكتشاف من العملية الرياضية بالغة الأهمية. فهي تكشف الصلات الخفية على غرار حدسية جولدباخ. وفي أحيانٍ كثيرة، يخضع فرعان منفصلان بالكامل من الرياضيات لدراسة مكثفة كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر قبل أن تُكتشَف علاقة عميقة بين الفرعين. ومن الأمثلة البسيطة نسبيًّا على ذلك متطابقة أويلر eiπ + 1 = 0 التي تربط الثابت الهندسي π بالعدد i المحدد جبريًّا بأنه الجذر التربيعي للعدد -1، وذلك عن طريق العدد e، قاعدة اللوغاريتم الطبيعي. هذه الاكتشافات المدهشة جزءٌ من جمال الرياضيات وغرابتها، وهي تشير فيما يبدو إلى بنية كامنة عميقة لا يزال علماء الرياضيات في بداية الطريق نحو الفهم الكامل لها.

بهذا المنظور، نكتسب شعورًا بأن الرياضيات اختراع واكتشاف في الوقت ذاته. فالكائنات الرياضية محل الدراسة محددة بدقة، لكنها تكتسب حياةً خاصةً بها، كاشفةً النقاب عن تعقيد غير متوقع. ولذا تتطلب العملية الرياضية على ما يبدو النظر إلى الكائنات الرياضية على أنها حقيقة واختراع في الوقت عينه، أي بوصفها كائنات لها خصائص ملموسة وقابلة للاكتشاف، وكذلك بوصفها اختراعات ذهنية يسهل التلاعب بها. غير أن الفيلسوفة بينيلوبي مادي كتبت تقول إن هذه الثنائية لا تصنع فارقًا بالنسبة للكيفية التي يعمل بها علماء الرياضيات "ما دام التفكير المزدوج مقبولًا".

واقعية أم غير واقعية؟

الواقعية الرياضية هي الموقف الفلسفي الذي يهيمن فيما يبدو على مرحلة الاكتشاف؛ فالكائنات موضوع الدراسة الرياضية –من الدوائر والأعداد الأولية إلى المصفوفات ومتعددات الشُّعَب– حقيقية ولها وجود مستقل عن العقول البشرية. وكما هو الحال بالنسبة لعالِم الفلك الذي يستكشف كوكبًا بعيدًا، أو عالِم الحفريات الذي يدرس الديناصورات، يجمع علماء الرياضيات الرؤى الكاشفة المتعلقة بكيانات واقعية. فإثبات صحة حدسية جولدباخ، مثلًا، معناه بيان أن الأعداد الزوجية والأعداد الأولية مرتبطة بطريقة معينة عن طريق الجمع، تمامًا مثلما يبين عالِم الحفريات أن أحد أنواع الديناصورات انحدر عن نوع آخر عن طريق إثبات وجود ارتباط بين البنيتين التشريحيتين لهما.

إن الواقعية التي تتجلى في صور متعددة، مثل الأفلاطونية (المستوحاة من نظرية المُثُل الأفلاطونية للفيلسوف الإغريقي القديم أفلاطون)، تعطي تفسيرًا سهلًا لشمولية الرياضيات ونفعها. فالكائن الرياضي له خصائص، على غرار كون العدد 7 عددًا أوليًّا، بالطريقة عينها التي ربما امتلك بها أحد الديناصورات القدرة على الطيران. والنظريات الرياضية، مثل الحقيقة القائلة بأن مجموع أي عددين زوجيين هو عدد زوجي، تكون صحيحةً لأن الأعداد الزوجية موجودة بالفعل وتجمع بينها علاقة معينة. وهذا يفسر لماذا يتفق البشر بوجه عام رغم الفوارق الزمنية والجغرافية والثقافية بشأن الحقائق الرياضية؛ فجميعها يشير إلى الكيانات الثابتة ذاتها.

غير أن هناك بعض الاعتراضات المهمة على الواقعية. فإذا كانت الكائنات الرياضية موجودة حقًّا، من المؤكد أن خصائصها شديدة الغرابة. فمثلًا، تتصف هذه الكائنات بأنها خاملة سببيًّا، بمعنى أنها لا يمكن أن تكون سببًا لأي شيء، ومن ثم يستحيل عليك حرفيًّا التفاعل معها. ويمثل هذا الأمر مشكلةً لأننا فيما يبدو نكتسب معرفتنا بأي كائن عن طريق تأثيره. فقد تحللت الديناصورات إلى عظام يستطيع علماء الحفريات رؤيتها ولمسها، كما أنه باستطاعة الكوكب المرور أمام نجم بحيث يحجب ضوءه عن أنظارنا. لكن الدائرة كائن مجرد، منفصل عن المكان والزمن. وحقيقة أن π هي نسبة محيط الدائرة إلى قطرها لا تتعلق بعبوة صودا أو كعكة محلاة، بل هي تشير إلى دائرة رياضية مجردة، تكون فيها المسافات دقيقةً والنقاط الواقعة على الدائرة متناهيةَ الصغر. هذه الدائرة المثالية خاملة سببيًّا ويبدو مستحيلًا الوصول إليها. كيف يتأتى لنا إذًا معرفة الحقائق المتعلقة بها من دون امتلاك حاسة سادسة خاصة من نوعٍ ما؟

هذه هي مشكلة الواقعية، إنها تفشل في تفسير الكيفية التي نعرف بها الحقائق المتعلقة بالكائنات الرياضية المجردة. وكل هذا من الممكن أن يدفع عالِم الرياضيات إلى التراجُع عن موقفه الواقعي التقليدي وأن يتمسك بالخطوة الأولى من العملية الرياضية وهي الاختراع. فعن طريق تصوير الرياضيات على أنها تدريب ذهني شكلي على نحو خالص أو خيال بالكامل، من السهولة بمكانٍ أن تتجنب اللاواقعية التعامل مع مشكلات نظرية المعرفة.

الشكليَّة إحدى صور اللاواقعية، وهي موقف فلسفي يُشدِّد على أن الرياضيات أشبه بلعبة، وأن علماء الرياضيات يتبعون قواعد اللعبة وحسب. فالتصريح بأن العدد 7 عدد أولي يشبه التصريح بأن الحصان هو القطعة الوحيدة في لعبة الشطرنج التي تستطيع التحرك على شكل الحرف L. والخيالية موقف فلسفي آخر يزعم أن الكائنات الرياضية محض خيال. وبناءً عليه، فإن التصريح بأن العدد 7 عدد أولي أشبه بالتصريح بأن كل الأحصنة أحادية القرن بيضاء اللون. فالرياضيات تكون ذات معنى في إطار كونها الخيالي، لكنها تفتقر إلى أي معنى حقيقي خارجه.

ثمة مقايضة حتمية هنا. فإذا كانت الرياضيات مجرد شيء مُختلَق، فكيف لها أن تُشكِّل مثل هذا الجزء الضروري من العلم؟ بدءًا من ميكانيكا الكم وصولًا إلى النماذج الإيكولوجية، تُعد الرياضيات أداةً علميةً شاملةً ودقيقة. والعلماء لا يتوقعون من الجسيمات أن تتحرك وفقًا لقواعد الشطرنج مثلما لا يتوقعون من الشرخ الموجود في طبق العشاء أن يحاكي مسار هانزل وجريتل، بل يقع عبء التوصيف العلمي بصورة حصرية على عاتق الرياضيات، وهي التي تميزه عن الألعاب أو القصص الخيالية الأخرى.

وفي النهاية، لا تؤثر هذه الأسئلة على ممارسة الرياضيات. فعلماء الرياضيات أحرار في اختيار تفسيراتهم الخاصة لمهنتهم. وفي كتاب «الخبرة الرياضية»، The Mathematical Experience، كتب فيليب ديفيز وروبن هيرش عبارةً شهيرةً قالا فيها: "إن عالِم الرياضيات التقليدي يتبع المذهب الأفلاطوني في أيام العمل، والمذهب الشكلي في العطلات الأسبوعية". وعن طريق إخضاع كل خلافاتهم لعملية دقيقة تعتنق كلتا مرحلتي الاختراع والاكتشاف، يمتاز علماء الرياضيات بفاعلية هائلة في التوصل إلى إجماع في الرأي داخل المجال.