خسرت هيلاري كلينتون الانتخابات في شهر نوفمبر الماضي، وكان أحد الأسباب الرئيسية لهذه الخسارة على الأرجح هو أحد أكثر ابتكارات البشرية خللًا: البريد الإلكتروني.

وبطبيعة الحال كان استخدامها لنظام "خادم" خاص لإرسال رسائل البريد الإلكتروني خلال فترة عملها وزيرةً للخارجية سببًا للعديد من الانتقادات التي وُجِّهت إليها. وقد أضعف حملتها كذلك السيل المستمر من رسائل البريد الإلكتروني المخترق، والتي لم تكن إيجابية في كثير من الأوقات، خصوصًا تلك الرسائل الخاصة باللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي ورئيس حملتها الانتخابية جون بودستا.

بطبيعة الحال، لم تكن تسريبات البريد الإلكتروني الخاصة بهيلاري كلينتون هي أول تسريبات ذات آثار مدمرة في التاريخ. فربما نتذكر جميعًا فضيحة تسريب رسائل البريد الإلكتروني لعلماء المناخ في عام 2009، والتي كشفت -كما يقول النقاد- مؤامرة للمبالغة في وصف أزمة التغيُّر المناخي. وهناك أيضًا القرصنة التي تعرضت لها شركة "سوني بيكتشرز إنترتينمنت" في عام 2014، والتي تسببت في تسريب رسائل بريد إلكتروني ووثائق أخرى ونشرها على الملأ، الأمر الذي كان له عواقب كارثية على مستوى الشركة والمستوى الشخصي والمهني؛ فقد أُلغيت أفلام بميزانيات تبلغ ملايين الدولارات، وفقدت مسؤولة تنفيذية رفيعة المستوى وظيفتها، كما جرى تدمير العديد من العلاقات الشخصية.

وهناك أيضًا حادثة القرصنة التي تعرضت لها شركة "لينكد إن" في عام 2012 (اختراق سجلات 165 مليون عميل)، وشركة "إيفرنوت" في عام 2013 (اختراق سجلات 50 مليون عميل)، وشركة "تارجت" في 2013 (اختراق سجلات 110 ملايين عميل)، و"هوم ديبوت" في 2014 (اختراق 56 مليون بطاقة ائتمان و53 مليون عنوان بريد إلكتروني)، وشركة "ياهو"، التي أعمل بها، في عام 2014 (اختراق سجلات 500 مليون عميل)، وشركة "أنثيم" في عام 2015 (اختراق سجلات 80 مليون عميل).

منذ عام 2005، تعرضت أنظمة البريد الإلكتروني بالشركات للاختراق أكثر من 5100 مرة، مؤثرةً على نحو مليار سجل. ولا تنفك وتيرة الاختراقات وحجمها يتزايدان باستمرار. وعلى مدار سنوات طويلة، ظل الخبراء يقدمون النصائح نفسها لتأمين الحياة الرقمية: استخدام كلمات مرور معقدة، تغييرها أكثر من مرة، عدم استخدام كلمة المرور نفسها في أكثر من خدمة واحدة. بعضنا يفعل ذلك، ولكن أغلبنا لا يفعل. ولكن أتعلمون شيئًا؟ لن تختلف النتيجة كثيرًا سواء أتَّبعت هذه النصيحة أم لم تتبعها.

في كل حالة من حالات هجمات القرصنة، لم يكن لتعقيد كلمة المرور أي تأثير، فالاختراق سيصل إلى بياناتك سواء كانت كلمة المرور التي تستخدمها معقدة مثل: (k&1!#_qw<>poi23@37!j)، أو بسيطة مثل استخدام كلمة password نفسها كلمة مرور. وحالات الاختراق التي تعرضت لها الشركات الكبرى لم تأت بالضرورة من قِبَل أشرار يخمنون كلمات المرور.

في الاختراق التي تعرضت له شركة "تارجت"، اعتمدت عملية القرصنة على برنامج خبيث يقوم بتسجيل بيانات بطاقات الائتمان التي يجري تمريرها في أجهزة قراءة بطاقات الائتمان بالمتاجر. وتسريب الصور العارية لنجمات هوليوود الصاعدات في عام 2014 كان سببه خدعة احتيال أو تصيُّد؛ (فقد أرسل المخترق إلى الممثلات رسائل بريد إلكتروني زائفة حول وجود "مشكلة في الحساب"، وعندما ضغطن على الرابط لإصلاح المشكلة، انتقلن إلى صفحة "زائفة" تطلب منهن تسجيل بيانات الدخول إلى البريد الإلكتروني– وهكذا أرسلن للمخترق كلمات المرور بأنفسهن). وقد أفشى موظفو بودستا واللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي كلمات مرورهم أيضًا بسبب الخدع الاحتيالية نفسها.

ومن ثَم، فإن استخدام كلمة مرور قوية وطويلة ومعقدة لم يكن ليجدي نفعًا في أي من هذه الحالات. لذا أعتقد أنه قد حان الوقت -عزيزي القارئ- لنعترف بالأمر: لقد خسرنا هذه المعركة. ينبغي أن نقبل حقيقة أن اختراقات البيانات لم تعُد انحرافات صادمة، بل أصبحت الأمر الواقع الجديد. لقد انقضى عصر التأمين الموثوق للمعلومات، وينبغي لنا أن نغيِّر طريقة تفكيرنا. البريد الإلكتروني لن يصبح آمنًا تمامًا لأي شخص. فلنبدأ إذًا خطوات استيعاب هذا الواقع الجديد مرورًا بمراحله المختلفة: الإنكار والغضب والتفاوض والاكتئاب ثم القَبول.

في الحقيقة، لم يكن "الهدف" من البريد الإلكتروني هو أن يكون آمنًا قَط. فأغلب الرسائل تُرسَل كنصٍّ واضح غير مشفر تسهل قراءته من جهاز المُرسِل إلى موقع خدمة البريد الإلكتروني التابع لها (سواء أكان "جي ميل" أو غيره)، الذي يرسله بدوره إلى موقع خدمة البريد الإلكتروني للمرسَل إليه ومنه إلى جهاز المرسَل إليه. والتشفير حل نادر وجزئي ومزعج.

بالطبع هناك عدة وسائل للتواصل الآمن؛ إذ يمكنك -على سبيل المثال- استخدام برنامج دردشة مشفر مثل "كريبتوكات" Cryptocat أو "تشات سيكيور" ChatSecure أو "بي كيو تشات" PQ Chat. ولكن هذا النهج ليس هو الحل، فالتطبيق نفسه يجب أن يكون مستخدمًا لدى كلا طرفي المحادثة، ولن تصل هذه البرامج مطلقًا إلى ما وصلت إليه خدمات البريد الإلكتروني من انتشار وعالمية.

هناك خدمات "لا يمكن اختراقها" أيضًا مثل "توتانوتا" Tutanota و"بوستيو" Posteo، ولكن هذه الخدمات متاحة مقابل رسوم، ولهذا لن تصبح أيضًا منتشرة وشائعة. وهكذا، طالما أنك لست سياسيًّا أو شخصية مشهورة، فكونك شخصًا عاديًّا غير معروف هو المصدر الأكبر لحمايتك؛ لأن المخترقين والقراصنة في الواقع لن يهتموا عادةً بالتجسس على رسائل البريد الإلكتروني لأشخاص يَعُدُّونهم "نكرة". ولعل هذا يبعث في نفوسنا بعض الاطمئنان.

لذا، فبغض النظر عن هويتك، النصيحة المؤكدة الوحيدة التي نقدمها لك هي تلك الدعابة التي راجت مؤخرًا على الإنترنت: "ارقص كما لو أن لا أحد يشاهدك، واكتب رسائل البريد الإلكتروني كما لو أنها ستُقرأ علنًا في ساحة المحكمة".