عند بداية تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، أخبر باراك أوباما وكالة ناسا أن تحول تركيزها عن القمر -وهو الوجهة التي حددها لها سلفه جورج دبليو. بوش- والتوجه إلى المريخ بدلًا منه. وكان ريتشارد نيكسون قد حث ناسا على إلغاء بعثة أبوللو الأخيرة لإعادة توجيه التمويل نحو برنامج مكوك الفضاء. ولسوء الحظ، يبدو أن الرئيس المنتخب دونالد ترامب يعتزم السير على النهج نفسه؛ إذ صرح ترامب في حديث له مع مجلة "سبيس نيوز" SpaceNews قبل شهر من الانتخابات: "بعد تولي المنصب الرئاسي، سوف يكون لدينا مراجعة شاملة لخططنا الخاصة بالفضاء، وسوف نعمل مع الكونجرس على تحديد الأولويات والمهام".

تأتي عمليات إعادة التوجيه المتكررة هذه بتكلفة باهظة؛ إذ إن استكشاف الفضاء مشروع طويل الأمد، وتغيير الآراء والتوجهات كل أربع أو ثماني سنوات يعني إهدار الجهد والوقت والمال. وقد يكون إعادة التوجيه من جديد أمرًا كارثيًّا؛ فقد استعادت ناسا أخيرًا الزخم بعد آخر تغيير في خططها في عام 2010 وأعلنت أنها على المسار الصحيح لإطلاق صاروخ نظام الإطلاق الفضائي (SLS) الضخم، والذي من المقرر أن يستهدف الكوكب الأحمر. وقد صرح تشارلز بولدن -مدير وكالة ناسا- في أكتوبر 2015: "هذا ليس توقيتًا مناسبًا لإعادة البدء من جديد". يحتاج برنامج الفضاء الأمريكي إلى الاستقرار، وقد اقترحت العديد من المجموعات تغييرات يمكنها المساعدة.

من بين التغييرات المقترحة أن تكون فترة خدمة مديري ناسا أطول من أربع سنوات. في الوقت الراهن، عندما يتولى رئيس جديد المنصب الرئاسي، فإنه يرشِّح مديرًا جديدًا للوكالة، ثم يحصل على موافقة مجلس الشيوخ. وقد اقترحت "مؤسسة الفضاء"، وهي مؤسسة غير ربحية، في تقرير لها صدر عام 2012 بعنوان "الريادة" أنه ينبغي أن تكون مدة خدمة مديري ناسا خمسة أعوام قابلة للتجديد؛ لمنع التعديل الشامل لبرنامجها في كل مرة يصل فيها رئيس جديد إلى البيت الأبيض.

أشار التقرير أيضًا إلى ضرورة أن يؤدي العلماء والخبراء دورًا أقوى في تحديد أهداف رحلات الفضاء المأهولة بشريًّا للولايات المتحدة، مقترحًا أن يقوم الرئيس والكونجرس بتعيين لجنة مستقلة للتصديق على خطط مدتها عشرة أعوام وثلاثون عامًا تقوم ناسا بوضعها. ثم تقوم الوكالة بتقديم تلك الخطط للكونجرس للتصديق عليها كل خمس سنوات. ويشبه هذا الأسلوب كثيرًا الطريقة التي تتبعها ناسا في تحديد أهدافها البحثية في الفيزياء وعلوم الأرض ومجالات أخرى، وفي تخصيص التمويل المحدد لها من الكونجرس، وذلك بناءً على الأولويات التي تتحدد من خلال استفتاءات مستقلة تُجرَى كل 10 أعوام من قِبَل الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب.

كما أن تلك التوجيهات الإرشادية سوف توفر لوكالة ناسا أيضًا الاستقرار المادي الذي تحتاجه بشدة. عندما يعيد الكونجرس تحديد التمويل المخصص لها كل عام، يتسبب ذلك في فوضى عارمة في المشروعات الفضائية التي قد تستغرق عقدًا من الزمن لإطلاقها. على سبيل المثال، أدى تقليص الميزانيات على مدار السنوات الخمس الماضية إلى تأجيل العمل في سفن فضاء جديدة كانت ناسا تعمل على تطويرها مع شركات تجارية لتحمل رواد الفضاء إلى المحطة الفضائية. كما يدعو تقرير "الريادة" إلى إنشاء الكونجرس صندوقًا خاصًّا يمكن للوكالة أن تسحب منه وفقًا لاحتياجاتها؛ وهذا من شأنه أن يتيح لها الإنفاق أكثر في السنوات التي يبدأ فيها إرسال البعثات الكبرى، ثم تقتصد لاحقًا عندما تنخفض النفقات.

تتداخل بعض هذه الأهداف مع قانون الحفاظ على الريادة الفضائية، والذي طرحه جون كولبيرسون -النائب عن ولاية تكساس- في عام 2015، والذي لم يجر التصويت عليه قط. وكان هذا القانون من شأنه تكوين مجلس إدارة للإشراف على وكالة ناسا وتقديم الطلبات السنوية لميزانيتها. وكان من شأن ذلك المجلس أيضًا القيام باختيار مرشحين لمنصب مدير ناسا وعرض القائمة على الرئيس، والذي سوف يقوم حينها بترشيح أحد الأسماء الموجودة بالقائمة للخدمة لمدة 10 سنوات. ولكن قوبل مشروع القانون هذا بمعارضة من قِبل أعضاء الحزب الديمقراطي بالمجلس، والذين اعترضوا قائلين إن اختيار أعضاء المجلس من قِبَل الرئيس والكونجرس، باستخدام نهج يعتمد على الحزب الذي له الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ من شأنه أن "يدفع بالسياسات الحزبية إلى داخل ذلك المجلس".

وعلى الرغم من الاختلاف في التفاصيل، فإن مشروع هذا القانون، وتقرير مؤسسة الفضاء، وغيرهما من الاقتراحات يتفق على ضرورة أن تكون مدة خدمة مدير وكالة ناسا أطول، وعلى الحاجة إلى تأسيس مجلس استشاري للمساعدة في تحديد أهدافها بناءً على أسس علمية. وعندما يتولى الرئيس ترامب والكونجرس الجديد مهام منصبهم، ينبغي عليهم تشريع هذه التغييرات. إذا ما تحررت وكالة ناسا من القيود المختلفة وحظيت باستقلالية أكبر، ستتفرغ لتحقيق الأهداف التي تعكس رؤيتها، والتي ستجني الولايات المتحدة ثمارها في المستقبل.