عادةً ما يطلب الباحثون فئران التجارب من الأماكن المخصصة لبيعها عبر شبكة الإنترنت، لكن العالِم المتخصص في علم المناعة، ديفيد ماسوبست، اختار طريقًا أكثر صعوبة للحصول على ما يريد. فعندما كان يُجري بعض الأبحاث قبل سنوات في جامعة إيموري، قاد سيارته متجهًا إلى حظيرة تقع على بُعد عدة ساعات لينصب الشراك لتلك القوارض ويصطادها بنفسه؛ إذ كانت تراوده الشكوك في أن فئران التجارب التي تُباع في المتاجر تفتقر إلى بعض الخلايا المناعية الرئيسية؛ لأن أجهزة المناعة الخاصة بها غرة وعديمة الخبرة؛ نتيجة تربيتها في منشآت نظيفة وصحية للغاية. فأجرى ماسوبست -الذي أصبح أستاذًا بجامعة مينيسوتا- تجارب رسمية للتأكد من تلك الشكوك على مدار عقد من الزمن، واكتشف أنه كان على حق: ففئران التجارب التي يستخدمها المجتمع العلمي وشركات الأدوية في العالم لاختبار العقاقير واللقاحات المستخدَمة في علاج الأمراض التي تصيب البشر ما هي إلا نماذج ضعيفة للجهاز المناعي في جسم الإنسان البالغ.

وكما جاء في دورية Nature الدولية في العدد الذي نُشر في فصل الربيع، اكتشف ماسوبست وزملاؤه أن الجهاز المناعي للفئران التي تُربى في المنشآت الخالية من الجراثيم أقرب إلى الجهاز المناعي للأطفال منه إلى البالغين، وذلك وفقًا لأنواع الخلايا المناعية الموجودة والجينات النشطة في تلك الخلايا. فعلى سبيل المثال، لم يعثر فريق البحث على الخلايا التائية القاتلة (CD8+ T)، التي تعد المستجيب الأول في حالة التعرض لعدوى في فئران التجارب البالغة، لكنها كانت شديدة الوضوح في فئران الحظيرة والفئران الآتية من أماكن بيع الحيوانات الأليفة. وفي هذا الشأن يقول بورفيش كاتري -المتخصص في علم المناعة الحاسوبي في جامعة ستانفورد، والذي لم يشارك في الدراسة-: "كنا نعرف هذا الأمر، ولكن من الجيد أن نراه أخيرًا وقد أُثبت علميًّا".

الأهم من ذلك أنه عندما وضع الباحثون فئران تجارب "نظيفة" مع الفئران الأخرى "غير النظيفة" من أماكن بيع الحيوانات الأليفة (والتي كانت تحمل جراثيم)، نفق نحو خُمْس فئران التجارب بسبب العدوى خلال أشهر قليلة، بينما طوّرت الفئران التي نجحت في البقاء على قيد الحياة أجسامًا مناعية أقوى، وتحول النشاط الجيني في خلاياها المناعية ليشبه ذلك الموجود لدى الإنسان البالغ. وفي تجارب المتابعة، قاومت هذه الفئران عدوى البكتيريا بالضبط مثل الفئران التي تلقت لقاحًا مضادًّا لتلك العوامل المُمرِضة.

وتشير تلك النتائج إلى أن مشاركة فئران التجارب أماكن العيش مع حيوانات من البرية أو من أماكن بيع الحيوانات الأليفة قد تعطي الباحثين نظرة أكثر واقعية على نمط تطور الأمراض والاستجابة للعلاج لدى البالغين. إضافةً إلى ذلك، يمكن لهذه الدراسة –بعد أن أثبتت أن فئران التجارب هي نموذج فاشل لسمات مناعية رئيسية– أن تساعد في تفسير لماذا تلقى العلاجات التي تُختبر على الحيوانات فشلًا ذريعًا عند تطبيقها على البشر؛ فيقول كاتري: "إن المتغيرات التي لها أهمية في الواقع غير موجودة في التجارب التي تخضع للتحكم في كافة العوامل".