في أكتوبر الماضي نشب حريق تَبس Tubbs المروِّع بمقاطعتي سُنوما ونابا بكاليفورنيا، وشق طريقه في أكثر من 36 ألف إيكر (فدان إنجليزى)، وقتل 22 شخصًا، ودمر ما يقرب من 6 آلاف مبنى. وكان هذا الحريق أكثر الحرائق الهائلة تدميرًا في تاريخ الولاية من حيث عدد الخسائر في المنشآت، وذلك وفق إدارة الغابات والحماية من الحريق بكاليفورنيا.

وقبل هذا بنصف قرن، التهم حريق هانلي Hanley نحو 53 ألف إيكر على طول مسار مماثل تقريبًا. ومع أن هذا الحريق يبقى أكبر حريق مسجل في مقاطعة سُنوما، فإنه لم يدمر سوى بضع عشرات من المنشآت، معظمها من المنازل. والفرق الرئيسي بين ذلك الحين والوقت الحالي هو توسُّع ما يسميه الباحثون الواجهة الفاصلة بين المساحات البرية والحضرية، وهي المنطقة التي تشتمل على منازل ضمن الغطاء النباتي الطبيعي أو في جواره المباشر.

Sources: “Rapid Growth of the US Wildland-Urban Interface Raises Wildfire Risk,” by Volker C. Radeloff et al., in Proceedings of the National Academy of Sciences USA, Vol. 115, No. 13; March 27, 2018 (Wui data); National Interagency Fire Center (fire and cost data). Illustration by Amanda Montañez

بين عامي 1990 و2010، ازدادت مساحة الواجهة الفاصلة بين المساحات البرية والحضرية في الولايات المتحدة بنسبة 33% لتصل إلى نحو 190 مليون إيكر، وذلك وفقًا لدراسة نُشرت في مارس في "فعاليات الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة". وازداد عدد المنازل ضمن منطقة الواجهة الفاصلة بنسبة 41% خلال المدة نفسها؛ إذ بلغت الزيادة نحو 13 مليون منزل جديد. ويعمل وجود المزيد من المباني في منطقة الواجهة على زيادة الأضرار التي تسببها الحرائق الهائلة (لصعوبة مكافحة حرائق المباني). ليس هذا فحسب، بل يزيد أيضًا من مخاطر اندلاع مثل هذه الحرائق من الأصل. يقول مؤلف الدراسة الرئيسي فولكر ريدلوف، عالِم بيئة الغابات لدى جامعة وسكونسين في ماديسون: "إن دائرة الغابات قلقة بشأن وجود المزيد والمزيد من المنازل التي يجري بناؤها ضمن الغطاء النباتي بالأراضي البرية وبالقرب منه بسبب هذه الضربة المزدوجة".

في الوقت الذي نشب فيه حريق هانلي عام 1964 كان هناك القليل من السكان في مقاطعة سُنوما. لكن الألوف من الناس استقروا هناك في العقود التالية، رغبةً منهم في تحقيق رؤيتهم للحلم الأمريكي: العيش في بيت مزوَّد بحديقة خلفية وسور ذي أوتاد بيضاء. وعلى مستوى الولايات المتحدة ككل، يزيد إجمالي مناطق الواجهة الفاصلة في الوقت الحالي عن مساحة ولاية واشنطن، وتشتمل هذه المناطق على بيت من كل ثلاثة بيوت تقريبًا. وقد يعكس هذا التوجه رغبة مالكي المنازل في أن يكونوا قريبين من الطبيعة، إلا أن الحرائق الهائلة في مشهد من مثل هذا النوع تمثل تهديدًا للناس وللاقتصاد أكبر مما تمثله في أماكن أخرى.

بين عامي 1990 و2010، ازداد عدد سكان الولايات المتحدة بمقدار 60 مليون نسمة، وبنى الأمريكيون ما يقرب من 30 مليون منزل إضافي، إلا أنه لم يكن واضحًا في السابق نسبة المنازل الواقعة ضمن مناطق الواجهة الفاصلة من هذه الزيادة في عدد المنازل. ولم يكن واضحًا أيضًا ما إذا كان نمو مناطق الواجهة الفاصلة ناجمًا عن بناء منازل جديدة أو عن استعادة أنظمة بيئية طبيعية على طول مناطق سبق تطويرها عمرانيًّا بالفعل. وفي الدراسة الجديدة، ضم ريدلوف وفريقه بيانات إحصاءات سكانية رسمية إلى صور مأخوذة بالأقمار الصناعية لتحديد مدى نمو مناطق الواجهة الفاصلة كميًّا منذ عام 1990. إن فهم سبب توسُّع مناطق الواجهة الفاصلة وكيفيته يُعَدُّ على درجة كبيرة من الأهمية لأغراض تقييم سياسات إدارة الحرائق الهائلة، خاصةً في ضوء العبء الاقتصادي الهائل الذي تفرضه تلك الحرائق.

وقياسًا بعدد وحدات الإيكر ازدادت مساحات الأراضي التي تنشب فيها الحرائق الهائلة كل عام بنسبة طفيفة عبر العقود القليلة الماضية، إلا أن مقدار ما تنفقه الوكالات الاتحادية من دولارات دافعي الضرائب على مكافحة هذه الحرائق قد ارتفع بشكل حاد. في عام 2017 بلغت تلك الفاتورة 2.9 مليار دولار، منها 2.4 مليار دولار أنفقتها دائرة الغابات الأمريكية وحدها. وبرغم أن تكاليف إخماد الحرائق من جانب الدائرة قد تضاعفت لأكثر من ثلاث مرات منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، إلا أن موازنة الدائرة لم تواكب تلك الزيادة.

 تقول جينيفر كيه. بالش، عالِمة بيئة الحرائق لدى جامعة كولورادو بولدر، والتي لم تكن مشاركة في الدراسة: "إذا كانوا ينفقون جزءًا كبيرًا من موازنتهم [الكلية] على إدارة الحرائق، فإنهم لا ينفقونها على أشياء أخرى». على سبيل المثال، تُسهم الأراضي التي تديرها دائرة الغابات بحوالي خُمس مصادر الإمداد بالمياه في البلاد. وبالنسبة لكاليفورنيا، فإنها تُسهم بالنصف تقريبًا. وتركيز الدائرة لمواردها في أعمال مكافحة الحريق وحدها يترك لها مالًا أقل لأعمال صيانة واستصلاح مستجمعات المياه.

وتضيف بالش: "في الوقت الحالي هناك الكثير من الناس الذين يعيشون عمليًّا على خط النار. هل يتوقع الناس من الوكالات الاتحادية كدائرة الغابات حماية جميع هذه المنازل؟ إذا كان الأمر كذلك، فيجب علينا فعلًا التفكير بميزانياتنا المخصصة لتكاليف إخماد الحرائق". وتُبدي بالش ملحوظة مفادها أن نمو مناطق الواجهة الفاصلة يتسارع بلا بوادر تشير إلى تباطُئه. وتقول بالش: "في الكثير من الأماكن بالولايات المتحدة ليست المسألة مسألة ’ماذا لو‘، بل مسألة ’متى‘ سوف يتعرض هذا المنزل أو ذاك لنيران أحد الحرائق الهائلة".

وبالرغم من وجود خطوات يمكن لمالكي المنازل ومطوِّري المناطق السكنية اتخاذها لتقليل ذلك الخطر (مثل استعمال مواد بناء أكثر مقاوَمةً للنيران، واعتماد خيارات أكثر ملاءمةً فيما يتعلق بتنسيق الموقع)، يقول ريدلوف إن على المسؤولين المحليين البدء في أخذ مخاطر الحرائق في الحسبان ضمن مخططاتهم. وبدلًا من محاولة منع وقوع الحرائق، قد يكون من الأكثر حكمةً توقُّع تلك الحرائق التي يُعَدُّ حدوثها أمرًا حتميًّا. ويؤكد ريدلوف أن المجتمعات يمكن لها أن تكون أكثر وعيًا بمخاطر الحرائق من خلال مقاومة إغراءات السماح بالبناء على الأراضي التي تنطوي على مخاطر عالية، ويقول: "هذا لم يحصل حتى الآن، على الأقل ليس على نطاق واسع". ووفق ريدلوف فإن هذا أمر مخيب للآمال؛ "لأننا نعرف أن الحرائق سوف تستمر، وأن التغيُّر المناخي سوف يأتي بظروف جوية مساعِدة على اندلاع الحرائق الكبيرة على نحوٍ أشد تكرارًا في المستقبل". وقد سبق اقتراح حلول متنوعة لمشكلة البناء في مناطق الواجهة الفاصلة، لكن أيًّا منها لم يمنع الناس من تعريض أنفسهم لخطر النزوات المُتَّقدة للطبيعة.

نُشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان "إلى داخل الحريق الهائل".