كثيرًا ما يواجه الآباء الذين يفكرون في تسجيل ابن مريض أو ابنة مريضة في تجربة سريرية فيضًا من المشاعر المتضاربة. فمن ناحية، يأملون أن تؤدي التجربة إلى طفرة علاجية، ومن ناحية أخرى، يجب أن يتعاملوا مع عدم اليقين والخوف المصاحب لتعريض طفلهم بملء إرادتهم إلى علاج غير مثبت قد تَثبُت عدم فاعليته أو ربما يتضح أنه أشد ضررًا من العلاج القياسي. ولكن الأمر الذي قد لا يتوقعه الآباء هو أن إسهام طفلهم في الفهم العلمي قد يذهب هباءً؛ إذ قد لا تكتمل الدراسة مطلقًا، أو تفشل في النشر في الأدبيات الطبية.

هذا الجهد الضائع أمر مرجح حدوثه بقوة، وفقًا لدراسة أُجريت عام 2016. استعرض باحثون من جامعة هارفرد أكثر من 550 تجربة سريرية أجريت على الأطفال، سُجِّلَت لدى الحكومة الفيدرالية الأمريكية على مدى ثلاث سنوات بين عامي 2008 و2011، ووجدوا أن أكثر من 40 في المئة منها لم تصل قَط إلى نهايتها، أو أنها اكتملت ولكنها لم تُنشَر حتى بعد مرور خمس سنوات. وإجمالًا، شارك أكثر من 77,500 طفل في دراسات أسهمت إسهامًا ضعيفًا -أو لم تُسهِم قط- في تطوير علاجات لأمراضهم؛ لأن البحث اختفى من وجهة نظر علمية. وبصرف النظر عن إهدار الوقت والمال والموارد، تُعَد هذه الإخفاقات "مأسَوية؛ لأن لدينا القليل جدًّا من المعلومات عن التجارب السريرية المجراة على الأطفال من الأساس"، وفق قول فلورنس بورجوا، أستاذ مساعد في طب الأطفال وطب الطوارئ في كلية الطب بجامعة هارفرد، شاركت في وضع الدراسة.

تُبذَل حاليًّا جهودٌ لتحسين هذا الحال؛ إذ يدرس الباحثون في الجامعات والمراكز الطبية سير عملهم للكشف عن العقبات الخفية التي تحول دون إدراج الأطفال في التجارب السريرية. وفي الوقت نفسه، تجمع هيئة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية الخبراء من الأوساط الأكاديمية والصناعية والحكومية، في محاولة لجعل نتائج التجارب متاحةً على نطاق أوسع. ورغم أن التقدم تدريجي وبطيء، يؤمن المؤيدون بأنهم على المسار الصحيح.

طريقٌ مسدود

على مدى عقود، دأب الأطباء الذين يرغبون في وصف دواء معين لطفل مريض على تعديل الجرعة بإنقاصها عن الكميات المعطاة للبالغين استنادًا إلى وزن الطفل فقط. ولكن الأطفال ليسوا مجرد بالغين صغيري الحجم؛ فالطبيعة الفسيولوجية لأجسامهم تتغير بسرعة مع انتقالهم من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، مما يعني أن الأدوية المختلفة قد تسبب تأثيرات لا يمكن توقعها في أجسامهم. فمثلًا، لا يستطيع الرضع استقلاب دواء مخدِّر يدعى بروبوفول بمعدل الاستقلاب نفسه لدى البالغين، الأمر الذي يؤدي إلى تراكمه بشكل سُمِّي عند الرضع. كما يختلف حديثو الولادة والأطفال والبالغون في تفكيك العقاقير المضادة للنوبات، مما يجعل تقدير الجرعات الآمنة على أساس الوزن والحجم وحدهما أمرًا صعبًا.

وفي حين أُجريت دراسات سريرية على البالغين في الولايات المتحدة منذ أكثر من 100 سنة، فإن شركات الأدوية لم تختبر منتجاتها على نحوٍ منتظم على الأطفال قبل تسعينيات القرن العشرين، عندما بدأت الحكومة الاتحادية في تقديم حوافز مالية لإجرائها. وقدَّم قانون تحديث إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لعام 1997 للشركات ستة أشهر من الحماية الإضافية لبراءة كل دواء يُختبَر على الأطفال، وبعد ذلك، بدأت البنية الأساسية للتجارب السريرية المجراة على الأطفال بالتشكُّل. وقد توسعت قوانين إضافية في تلك العروض، ودشنت برامج لتطوير عقاقير الأطفال في معاهد الصحة الوطنية.

ومع ذلك، ما زالت مشكلة عدم التطابق الفسيولوجي قائمة، ولا يزال العديد من الأطباء قلقين بشأن حساب الجرعات المناسبة، وهذا أمر مفهوم. غير أن ترددهم ليس التحدي الوحيد. فبعد استبعاد التجارب التي لا تزال في طور إدراج المشاركين أو تلك التي لم تبدأ في إدراجهم بعد، وجد فريق هارفرد أن السبب الأكبر وراء فشل الدراسات هو أنها لم تتمكن من جذب عددٍ كافٍ من الأطفال للمشاركة في المقام الأول.

كثيرا ما تكون قلة عدد المُدرَجين مشكلةً في التجارب المُجراة على البالغين أيضًا، غير أن الاستقصاءات المجراة على الأطفال تواجه تحديات فريدة. قد لا يتوافر لدى أطباء الأطفال داخل مجتمع هذه المهنة الوقت الكافي للمشاركة في الأبحاث السريرية، خاصةً إذا كانوا يعملون بعيدًا عن المستشفيات الأكاديمية التي تتوافر فيها الموارد الداعمة للتجارب السريرية بسهولة. علاوة على ذلك فإن عدد الأطفال، ببساطة، ليس كعدد البالغين. فنسبة 20٪ فقط من سكان الولايات المتحدة هم أقل من 14 سنة من العمر. كما أن الأطفال -لحسن الحظ- تقل احتمالات معاناتهم من الأمراض الخطيرة كثيرًا عن البالغين. "إن معظم أمراض الطفولة، بطبيعتها، نادرة"، هكذا يقول داني بنجامين، أستاذ طب الأطفال في كلية الطب، جامعة ديوك.

تعرف روني جيليت كل ما يتعلق بصعوبات الإدراج من واقع خبرتها المباشرة. فقد تعيَّن على جيليت -أستاذ طب حديثي الولادة في جامعة روتشستر- إيقاف تجربة سريرية في عام 2014 كان من شأنها أن توضح المدة التي ينبغي أن يعالَج فيها حديثو الولادة إذا ما أصيبوا بالنوبات. يصاب طفل واحد من بين 200 طفل تقريبًا بنوبات خلال أيام من الولادة، ويختلف الأطباء حول المدة التي يحب إعطاء هؤلاء الرضع فيها الأدوية المضادة للنوبات؛ إذ يستمر بعضهم في العلاج إلى أن تتوقف النوبات فقط، في حين يطيل البعض الآخر أمد إعطاء الأدوية لعدة أسابيع أو حتى شهور في محاولة لمنع تكرار حدوث النوبات.

كانت جيليت تخشى من أن العلاج الممتد قد يُلحق الأذى بأدمغة الرُّضَع، على الرغم من معرفتها أيضًا أن تكرار النوبات قد يسبب ضررًا عصبيًّا. وكانت الطريقة الوحيدة لمعرفة كيفية تحقيق التوازن بين الفوائد المرجوة والمخاطر المحتملة هي إجراء تجربة سريرية. وهكذا، بعد التوزيع العشوائي للأطفال على أحد النهجين أو الآخر، وُضعت خطة لمراقبة تطورهم العصبي. وقد احتاجت إلى إدراج 250 طفلًا في غضون سنتين، بحيث يكون حجم العينة كافيًا لكي تتأكد من أن نتائجها موثوق بها من الناحية الإحصائية.

غير أن ذوي الأطفال -وممرضات حديثي الولادة، على نحو أثار دهشة جيليت إلى حد ما- كانوا متشككين. وعن هذا تقول جيليت: "أبدى البعض قلقًا بشأن تقديم العلاج الممتد للأطفال، وأعرب آخرون عن قلقهم من الدواء الوهمي. كانت مخاوفهم متشابهة ولكن أسبابها متعارضة". اضطرت جيليت إلى إلغاء الدراسة حين لم تتمكن سوى من إدراج 13 طفلًا فقط بعد عام، وبقي سؤالها الأساسي دون إجابة.

على أي حال، فإن اجتذاب العدد المطلوب من المشاركين في دراسةٍ ما لا يضمن نشرها أو مشاركة نتائجها على نطاق واسع. فعلى سبيل المثال، لدى شركات الأدوية تاريخ جيد في إدراج عددٍ كافٍ من الأطفال لاستكمال استقصاءاتهم. ولكن عددًا أقل من نتائج التجارب التي تُجريها يُنشَر فعلًا في مجلة علمية مقارنة بالتجارب الأكاديمية التي تمولها معاهد الصحة الوطنية أو المنظمات المستقلة الأخرى. تقول بورجوا من جامعة هارفرد: "لا تهتم شركات الأدوية بالنشر إلا إذا كانت النتائج تدعم أهدافها التجارية". بعبارة أخرى، تميل الشركات إلى نشر الدراسات ذات النتائج الإيجابية فقط. وكما كتبت بورجوا وزميلتها في بحثهما عام 2016، فإنهما تعتبران عدم النشر "انتهاكًا للحتمية الأخلاقية التي تقضي بمشاركة نتائج التجارب التي يشارك فيها أشخاص". أما الباحثون في الجامعات، فتمثل الأبحاث المنشورة لهم مسألة حياة أو موت، وفق تفسير بورجوا، وهكذا "لك أن تتوقع أن التجارب الأكاديمية ستتمخض عن عدد أكبر من الدراسات المنشورة، وهذا ما وجدناه فعلًا".

مسألة ثقة

على نحوٍ عام، يتطلب إحراز تقدم في عملية معقدة كالتجارب السريرية تنسيقًا وتعاونًا أكبر بين مجموعات عديدة من الأشخاص. في الخريف الماضي دشنت معاهد الصحة الوطنية شبكةً جديدة لابتكار التجارب تجمع بين الصناعة والهيئات التنظيمية والجامعات وسواها من المنظمات الأخرى، بغرض زيادة عدد الأشخاص المحرومين من الخدمات -ومن ضمنهم الأطفال- الذين تساعدهم الدراسات الطبية. ومن بين التحديات التي حددتها الشبكة الحاجة إلى تواصل أفضل بين المهنيين الذين يحاولون إدراج مشاركين جدد في تجربة -ويُعرفون باسم المشرفين على الإدراج- ومقدمي الرعاية للأطفال.

"عادةً ما لا يأخذ المشرفون على الإدراج وقتًا كافيًا لفهم الظروف والدوافع اليومية لدى مجموعات الأفراد الذين يحاولون إدراجهم"، هكذا تقول إيفون جوستين، التي تدير أحد البرامج الممولة حديثًا في الشبكة، ومقره المركز الطبي في جامعة فاندربيلت. وقد بدأت جوستين، إلى جانب زميلتها تيفاني إسرائيل، في تنسيق اجتماعات الرابطة نيابةً عن باحثي التجارب السريرية قبل إطلاق دراساتهم. وخلال "جلسات الاستماع" هذه، كما تسميها، تتحدث جوستين مع الأسر لمعرفة المزيد عن العوائق التي قد تحول بينهم وبين المشاركة. ربما يمثل الانتقال من مواقع الدراسة وإليها عائقًا، أو قد يشعر الوالدان بانعدام قيمة المشاركة في حال عُيِّن أطفالهم في المجموعة الضابطة. وهي تقول: "الباحثون غير ملزمين بأخذ مشورة أعضاء الرابطة، ولكن أولئك الذين يستشيرونهم كثيرًا ما يشعرون بالسعادة تجاه النتائج".

على صعيد النشر، تشدِّد الوكالات الحكومية على بعض النواحي التنظيمية للتأكد من أن الباحثين سيجعلون ما يتوصلون إليه من نتائج متاحًا للآخرين، وذلك سواء نُشرَت النتائج في دورية علمية أم لم تُنشَر. الباحثون في الولايات المتحدة مُلزَمون بتسجيل التجارب الجديدة ونشر النتائج النهائية في قاعدة بيانات قابلة للبحث تابعة لمعاهد الصحة الوطنية على الموقع ClinicalTrials.gov. ويواجه غير الملتزمين بالتسجيل عقوبات صارمة بموجب قانون يُعرَف باسم قانون تعديلات إدارة الغذاء والدواء لعام 2007. يمكن لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن تفرض غرامة على شركات الأدوية غير الملتزمة قدرها 10,000$ في اليوم، ويمكن لمعاهد الصحة الوطنية أن ترفع الدعم عن العلماء الذين تتولى رعايتهم. ولكن من الناحية الفعلية، لم تُعاقَب أي شركة ولم يتلقَّ أي عالِم تموله معاهد الصحة الوطنية أي عقوبة على الإطلاق. ووفقًا لجيري شيهان، المدير المساعد لتطوير السياسات في المكتبة الوطنية للطب، فإن قانون عام 2007 ملآن بالغموض حول التجارب السريرية التي يجب تسجيلها في الموقع، وحول أنواع النتائج التي يتعين الإبلاغ بها.

في محاولة لسدّ أي ثغرات، أصدرت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية (التي تعد معاهد الصحة الوطنية وإدارة الغذاء والدواء جزءًا منها) قرارًا مطولًا يوضح ما هو مطلوب بالتفصيل الممل. أصبح هذا القرار ساريًا في يناير. ولكن مسألة ما إن كان يزوِّد الأطباء بما يكفي من المعلومات لوصف أدوية جديدة -أو لمنع علاجات غير ضرورية أو حتى خطيرة- للأطفال لا تزال قيد البحث. غير أن هذا المجهود وغيره ينبغي أن يحد، على أقل تقدير، من احتمال فقدان الإسهامات المقدمة من الأطفال المشاركين في الدراسات العلمية.

نشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان "مأزق الأطفال"