بالنسبة لتريزا، منسقة التمريض بالمركز الطبي بجامعة ستانفورد، البالغة من العمر 41 عامًا، كان تناوُل أول طبق من البيض المخفوق والمقلي تجربة استثنائية لا مثيل لها. كانت تريزا قد فقدت شهيتها تمامًا في الأيام التي تلت إجراء العملية، ولم تكن تتناول سوى السوائل، وتتناولها بطلب من الجراح الذي أجرى لها العملية فحسب. وعندما عادت رغبتها في تناول الطعام، بدا الأمر وكأن شيئًا في علاقتها بالطعام قد تغير تغيُّرًا جوهريًّا.

لقد كان طبق البيض -أول وجبة غير سائلة تتناولها تريزا خلال مدة أربعة أسابيع- تجربةً ملأى بالتجليات، فقد اكتشفت المذاق البسيط والناعم والزبدي للطعام، وتفاجأت بأن تلك الوجبة أصبحت بالنسبة لها وجبة مشبعة تمامًا. لقد اختفت الرغبة في تناول الحلوى والأطعمة المالحة اللذيذة، ولم تعد البطاطس المقلية -التي كانت تعشقها في الماضي- والحلوى الدسمة تغريها. لقد عادت إليها الرغبة في تناول الطعام، غير أنه للمرة الأولى على الإطلاق في حياتها أصبح اتباع العادات الغذائية الصحية سهلًا.

خضعت تريزا لعملية تكميم المعدة، وهي واحدة من مجموعة من جراحات علاج السمنة التي تتحكم في المعدة والأمعاء للمساعدة على إنقاص الوزن. وقد كانت النتيجة التي أثارت دهشة تريزا بشدة أكثر من إنقاص الكثير من الكيلوجرامات من وزنها، ذلك التغيُّر الجذري في اشتهائها الطعام منذ إجراء العملية في عام 2012.

كانت تريزا تعاني بسبب وزنها منذ طفولتها، كما أن سنوات العلاج الهرموني في أثناء محاولات الحمل لم تساعدها، فضلًا عن تأثير الحمل في حد ذاته. وتتذكر تريزا قائلة: "فجأة وبسرعة شديدة أصبح وزني 122 كيلوجرامًا تقريبًا، ولم أستطع التخلص من الوزن الزائد على الرغم من أني جربت كل السبل، جميع أنواع الحميات الغذائية والكثير من التمرينات الرياضية". كما أن الوزن الزائد جعل من الصعب عليها التعامل مع طفلها الصغير، فتقول: "لم أكن أستطيع مجاراة ابني".

تستطيع عملية تكميم المعدة تقليص حجم المعدة من حجم كرة القدم إلى حجم الموزة، أي ما يقرب من 15% من حجمها الأصلي. وبعد مرور عام، بعد شهور من تناول الطعام الصحي وتقليل حجم الوجبات، انخفض وزن تريزا ليصبح 68 كيلوجرامًا تقريبًا، فتقول تريزا: "كان هذا الوزن قليلًا بالنسبة لي، لكن تلك الجراحة غيرت الطريقة التي آكل بها".

منذ ستينيات القرن العشرين، عندما طُرحت تلك الأساليب، كان الأطباء ينظرون إلى جراحات علاج السمنة على أنها في الأساس عملية إصلاح ميكانيكية؛ فقد كان المنطق الذي يقف وراءها هو أن المعدة الأصغر حجمًا لا يمكنها تحمُّل الكثير من الطعام ومعالجته، فيشعر المرضى بالشبع أسرع ويتناولون كميات طعام أقل، وبالتالي يفقدون الوزن.

وهذه الفكرة صحيحة جزئيًّا، غير أن العلماء يدركون الآن أن الأمر ليس بهذه البساطة. لقد كان السبب وراء نجاح تريزا في إنقاص وزنها على الأرجح هو التغيُّر الجوهري في الطريقة التي تتواصل بها أمعاؤها مع دماغها، والعكس صحيح. لقد حفزت العملية الجراحية بصورة غير مباشرة روابط عصبية جديدة، مما أدى إلى تغيير الطريقة التي تفكر بها في الطعام وتشتهيه.

وقد كشفت الأبحاث العلمية الحديثة أن تنظيم الشهية والأيض والوزن يتم من خلال حديث معقد بين الأمعاء والدماغ، وهو حديث تتفاعل فيه المؤثرات الميكانيكية والهرمونات والأحماض الصفراء، بل وحتى الميكروبات التي تعيش في الأمعاء، مع متاهة من الدوائر العصبية. واكتشف العلماء أن جراحات علاج السمنة تمس تلك الأنظمة وربما تغيرها. وفي خضم ذلك، فإنها تساعد الباحثين على تحديد كيف يتحكم هذا التداخل المعقد في سلوكيات الطعام واشتهاء أطعمة محددة والبحث المحموم عن السعرات الحرارية عند الشعور بالجوع. وقد تكشف هذه الأبحاث أيضًا الستار عن أهداف جديدة، تشمل الميكروبات وربما الدماغ نفسه، تجعل من التدخلات الجراحية المحفوفة بالمخاطر إجراءات قديمة من الأساس.

لقاء الدماغ والأمعاء

لا شك أننا شعرنا جميعًا في وقت ما بالتأثيرات الجسدية للتواصل المعوي-الدماغي، على سبيل المثال شعور الفراشات في المعدة الذي يأتي مع الحب، وقرقرة البطن التي تأتي قبل إلقاء حديث أمام جمهور. فهذه التأثيرات مصدرها أن الدماغ يرسل إشارات إلى الجهاز الهضمي من خلال الهرمونات والإشارات العصبية.

والعكس صحيح كذلك، إذ يمكن أن ترسل الأمعاء إشارات إلى الدماغ أيضًا. في الواقع، فإن الجهاز العصبي المعوي، والذي يُعرف أيضًا باسم الدماغ الثاني، يمر عبر بطن الإنسان. وهذه الشبكة العصبية تساعد على التحكم في هضم الطعام ودفعه في الجهاز الهضمي الذي يبلغ طوله 9 أمتار تقريبًا. كما أن الأمعاء تتواصل مباشرة مع الدماغ أيضًا من خلال العصب المبهم الذي يربط الدماغ بالعديد من أعضاء الجسم الرئيسية.

ثمة مساران رئيسيان بين الأمعاء والدماغ ينظمان الشهية، وكلاهما يتضمن منطقة دماغية مركزية صغيرة يُطلق عليها الوطاء، وهي مهد إنتاج الهرمونات التي تساعد على مراقبة العديد من عمليات جسم الإنسان.

النظام الأول يأتي دوره في أثناء الصيام، إذ تفرز المعدة هرمون الجريلين الذي يحفز منطقة داخل الوطاء يُطلق عليها النواة المقوسة، التي تطلق الببتيد العصبي Y، وهو ناقل عصبي يقوم بدوره بتنشيط مراكز الشهية في القشرة الدماغية، وهي الطبقات الخارجية من الدماغ، مما يدفعنا للسعي وراء الحصول على طعام. وفي أثناء انتظار أوقات الوجبات، يرسل الدماغ إشارة إلى المعدة من خلال العصب المبهم، ليجعلها تستعد لعملية الهضم. وكما يقول أندريس أكوستا كارديناس -طبيب الجهاز الهضمي وخبير السمنة في مايو كلينك-: "يحدث هذا ببساطة عند رؤية الطعام أو شم رائحته أو التفكير فيه؛ إذ يعمل الدماغ على إعداد الجسم لاستقبال الطعام".

أما المسار المعوي-الدماغي الثاني فإنه يقمع الشهية. فعندما يأكل الإنسان، يقوم الجسم بإفراز العديد من الهرمونات الأخرى، مثل اللبتين والإنسولين، من الأنسجة الدهنية والبنكرياس والجهاز الهضمي. ويؤدي كلٌّ من هذه الهرمونات بصورة منفردة العديد من الأدوار في الهضم والأيض، ومعًا فإنها ترسل إشارات إلى منطقة أخرى من الوطاء تخبره بأن الجسم يشبع، فيخبرنا الدماغ أن نتوقف عن تناول الطعام.

Credit: Jessica Peterson Getty Images

إن حلقة الشهية والشبع دائمًا ما تكون نشطة، غير أن مسارات الجوع تتفاعل أيضًا مع مناطق دماغية مثل اللوزة الدماغية، المرتبطة بالمشاعر، والوطاء، مركز الذاكرة في الدماغ. ومن ثَمَّ، فإن الحالة المزاجية هي المحرك الرئيسي وراء الإحساس بالأطعمة المريحة أو ما تشعر به المعدة أكثر من الاعتياد على تناول الطعام في أوقات معينة والذكريات الملأى بالحنين للفطائر التي اعتادت جدتك إعدادها لك. ونتيجة لعمليات التفكير العليا، أصبح للطعام الآن سياق، بل وأصبح الطعام ثقافة. وكما يقول الكاتب المسرحي الشهير جورج برنارد شو: "لا حب أصدق من حب الطعام".

هذا إلى جانب الحماسة اللذيذة التي تصاحب الجلوس في انتظار الطعام، كما أن تناول الطعام ينشط دوائر المكافأة مما يدفعنا لتناول الطعام من أجل الشعور بالسعادة بعيدًا عن الاحتياج إلى الطاقة، وهذا الجزء تحديدًا من المحور المعوي-الدماغي هو الذي يرى الكثير من العلماء أنه يسهم في مشكلة السمنة.

ويؤكد التصوير العصبي أن الطعام -على غرار الجنس والمخدرات والمقامرة وغيرها من الرذائل- يمكن أن يتسبب في زيادة في إفراز الدوبامين في دوائر المكافأة بالدماغ. ويعمل نشاط هذا الناقل العصبي بمنزلة محفِّز قوي يمكنه تعزيز الرغبة في تناول الطعام من أجل لذة تناول الطعام في حد ذاتها وليس كوسيلة للبقاء على قيد الحياة. وقد توصل الباحثون إلى أنه بالنسبة للفئران فإن الرغبة في تناوُل الحلوى تتفوق حتى على الكوكايين. وبالنسبة للبشر، أكدت الطبيبة النفسية نورا فولكاو -مدير المعهد الوطني لتعاطي المخدرات- ما يعرفه محبو الشوكولاتة في كل مكان، وهو أن تأثير الطعام على نظام المكافأة بالجسم يمكن أن يتغلب على الإحساس بالشبع ويدفع الإنسان إلى الاستمرار في تناول الطعام. وتشير هذه النتائج إلى التداخل البيولوجي العصبي بين الإدمان والإفراط في تناول الطعام، على الرغم من أن إمكانية تحوُّل تناول الطعام في حد ذاته إلى إدمان محض تظل مثار جدل.

الحلول الجراحية

بفضل تدفُّق الهرمونات المرسال والنواقل العصبية، فإن التواصل بين العقل والمعدة لا يتوقف، ومن ثم فإن مقاطعة هذا الحوار القائم بينهما -كما تفعل جراحات علاج السمنة- تكون له عواقب ولا شك.

وقد أثبتت الأبحاث أنه في الأيام والأسابيع التي تلي إجراء إحدى عمليات علاج السمنة، تقل بشدة الشهية لتناول الأطعمة السكرية والدهنية والمالحة (كما اكتشفت تريزا). وقد توصلت دراسة نشرها هانز-رودولف بيرثود -عالِم البيولوجيا العصبية بجامعة ولاية لويزيانا- في عام 2010، إلى أن الفئران لم تعد تفضِّل تناوُل الأطعمة التي تحتوي على نسبة مرتفعة من الدهون عقب الخضوع لعملية تحويل مسار المعدة. وفي تسعينيات القرن العشرين، أفادت العديد من الفرق البحثية أنه بعد إجراء هذه العملية، عادةً ما يفقد المرضى الرغبة في تناول الأطعمة الحلوة والمالحة. ومؤخرًا، توصل فريق بحثي في جامعة براون في عام 2012 إلى أن المرضى البالغين قد انخفضت لديهم الرغبة في تناول الحلوى والأطعمة السريعة انخفاضًا ملحوظًا عقب الخضوع لإحدى جراحات علاج السمنة، وقد ظهرت نتائج مشابهة في حالة المرضى في مرحلة المراهقة في دراسة أُجريت في عام 2015.

Credit: Peter Dazeley Getty Images

ربما يكون السبب وراء تغيُّر اشتهاء أطعمة بعينها هو التغيرات في إرسال واستقبال النواقل العصبية في الجهاز المعوي-الدماغي. وفي عام 2016، توصل بيرثود وزملاؤه إلى أنه على المدى القصير، أي في غضون 10 أيام تقريبًا عقب إجراء الجراحة، تسببت جراحة علاج السمنة في الفئران في زيادة في النشاط العصبي الذي تثيره الوجبات في المناطق الدماغية المعروفة بتواصُلها مع الأمعاء مقارنة بالنشاط الدماغي قبل العملية. بالتحديد، لوحظ ازدياد النشاط في الرابط المؤدي من الخلايا العصبية التي تستشعر المعدة في جذع الدماغ إلى النواة شبه العضدية الجانبية، وجزء من نظام المكافأة في الدماغ وكذلك اللوزة الدماغية.

يُعَدُّ عالم الكيمياء الحيوية ريتشارد بالميتر -من جامعة واشنطن- أحد الخبراء في هذا المضمار. وفي دراسة أُجريت في عام 2013، ونُشرت في دورية Nature، استخدم فريق بالميتر أساليب جينية معقدة وأساليب محفِّزة للخلايا –من بينها علم البصريات الوراثي الذي يعتمد على الضوء للتحكم في الأنسجة الحية– لتنشيط أو تهدئة خلايا عصبية محددة في مسار النواة شبه العضدية في جذع الدماغ لدى الفئران. وقد توصل إلى أن تنشيط هذه الدائرة العصبية يقلل بشدة استهلاك الطعام، غير أن إيقاف نشاطها ترك الدماغ فاقد الإحساس بمجموعة الهرمونات المتنوعة التي عادة ما ترسل إشارات الشبع، ومن ثم تستمر الفئران في الأكل.

وتشير أبحاث بالميتر إلى أن إشراك مسار النواة شبه العضدية بجذع الدماغ يساعد على الحد من الشهية. ونظرًا لأن هذا المسار نفسه يصبح نشطًا بصورة غير عادية بعد إجراء جراحة علاج السمنة، فعلى الأرجح أن التنشيط المفرط الذي اكتشفه بيرثود جزء من المجهود المعوي-الدماغي لتقييم حالة الشبع بعد إجراء الجراحة، وكما يقول بيرثود: "يتعيَّن على الدماغ أن يتعلم من جديد كيف يمكنه الشبع بكميات أقل من الطعام".

بعبارة أخرى، لا شك أن جراحات علاج السمنة عبارة عن تغيير ميكانيكي؛ إذ إنه مع تصغير حجم المعدة يحتاج الجسم إلى التكيُّف مع الحجم الجديد. غير أن هذا ليس كل ما في الأمر، فبعد إجراء الجراحة، ربما يصل المزيد من الطعام غير المهضوم إلى الأمعاء، ويفترض بيرثود أنه ربما يثير استجابة هرمونية تنبه الدماغ إلى تقليل كميات الطعام التي تدخل إلى الجسم، وفي خضم هذا يغير نشاط الدماغ استجابةً لتناول الطعام. وإذا كان افتراضه صحيحًا، فإن نجاح الجراحة، على المدى القصير على الأقل، ربما يرتبط بتأثيرها على المحور المعوي-الدماغي بقدر تأثيرها على حجم المعدة.

العقل الميكروبي

ثمة لاعب آخر مشترك في عملية التواصل المعقدة بين الدماغ والأمعاء ربما يفسر تأثيرات جراحات علاج السمنة. فيرى الخبراء أن المجتمع الميكروبي –تريليونات العضيات وحيدة الخلية التي تتجول بنشاط داخل الجهاز الهضمي البشري– متورطة في عدد لا حصر له من الاضطرابات، من بينها العديد من الاضطرابات التي تؤثر على الدماغ. ويُعتقد أن تلك الكائنات المقيمة بداخلنا والجينوم الخاص بها (أو الميكروبيوم) لها دور في الإصابة بأمراض مثل التوحُّد والتصلُّب المتعدِّد والاكتئاب والفصام، من خلال التواصل مع الدماغ، إما بشكل غير مباشر من خلال الهرمونات والجهاز المناعي، أو بشكل مباشر من خلال العصب المبهم.

وتشير الأبحاث التي أجراها لي كابلان -المتخصص في طب الجهاز الهضمي ومدير مركز الوزن في مستشفى ماساتشوستس العام- إلى أن المجتمع الميكروبي ربما يكون له دور في السمنة. وفي دراسة نُشرت في عام 2013 في دورية "ساينس ترانسليشنال مديسين" Science Translational Medicine، قام كابلان وزملاؤه بنقل المجتمع الميكروبي من أمعاء فئران خضعت لعملية تحويل مسار المعدة إلى فئران لم تخضع لهذه العملية. وفي حين أن المجموعة التي خضعت للعملية فقدت 30% من وزنها، فإن الفئران التي نُقل إليها المجتمع الميكروبي فقدت 5% من وزنها، وهي نسبة ليست بالقليلة (وفي الوقت نفسه لم تشهد المجموعة الضابطة التي لم تخضع للعملية أي تغير ملحوظ في الوزن). وحقيقة أن القوارض يمكنها أن تفقد الوزن من دون إجراء جراحة، فقط عن طريق تلقي ميكروبات من فئران أخرى خضعت للعملية تشير إلى أن تلك المجتمعات الميكروبية ربما تكون مسؤولة جزئيًّا عن فاعلية عمليات علاج السمنة.

كما توصلت دراسة مشابهة نشرها فريدريك باكيد -عالِم الأحياء بجامعة جوتنبرج في السويد- في عام 2015 إلى أن نوعين من جراحات علاج السمنة –تحويل مسار المعدة بطريقة Roux-en-Y gastric ورأب المعدة برباط عمودي- يتسببان في تغيُّرات دائمة في المجتمع الميكروبي في أمعاء الإنسان. ويمكن تفسير تلك التغيُّرات بالعديد من العوامل، من بينها تغيير النمط الغذائي بعد الخضوع للعملية، ومستويات الحموضة في الجهاز الهضمي، وحقيقة أن عملية تغيير مسار المعدة تتسبب في دخول الطعام غير المهضوم والصفراء (السائل الهضمي أخضر اللون الذي يفرزه الكبد) إلى الأحشاء في نقطة أبعد من الأمعاء.

وفي البحث نفسه، قام باكيد وزملاؤه بإطعام الفئران عينات من المجتمعات الميكروبية المأخوذة من بشر مرضى مصابين بالسمنة بعضهم خضع لعملية لعلاج السمنة والبعض الآخر لم يخضع لها. وقد ازداد وزن جميع الفئران بدرجات مختلفة، ولكن الفئران التي أُطعمت عينات من مجتمعات ميكروبية مأخوذة من مرضى خضعوا للعملية اكتسبت وزنًا أقل بنسبة 43%.

كيف يمكن أن تؤثر التغيرات في المجتمع الميكروبي في أمعاء الإنسان على تفاعلاته مع المحور المعوي-الدماغي وتؤثر على الوزن؟ على الرغم من أن الإجابة لا تزال غير واضحة، ثمة بعض الخيوط الواعدة للتوصل إلى إجابة.

يمكن لأنواع محددة من المجتمعات الميكروبية التي تعيش بأمعاء الإنسان تحفيز إشارات عصبية وهرمونية إلى الدماغ بحيث تؤثر على تطور الدوائر العصبية المرتبطة بالتحكم في الحركة والقلق. ويشك باكيد أن هذه الميكروبات بعد الخضوع لإحدى عمليات علاج السمنة قد يكون لها تأثير مقارن على المناطق الدماغية المرتبطة بالشهية والتوق لبعض الأطعمة.

ويمكن أن يؤدي الناقل العصبي سيروتونين دورًا خاصًّا في هذا الأمر أيضًا. يتم إنتاج 90% تقريبًا من السيروتونين في جسم الإنسان في الأمعاء، وقد توصل الباحثون في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في عام 2015 إلى أن جزءًا على الأقل من هذا الإنتاج يعتمد على الميكروبات، ومن ثَم فإن التغيُّر في تلك الميكروبات يؤدي إلى التغيُّر في إنتاج السيروتونين. وهذا من شأنه أن يُحدِث فارقًا نظرًا لأن تحفيز مستقبلات السيروتونين بالدماغ يمكن أن يقلل بشدة زيادة الوزن في القوارض والبشر، كما أكدت العديد من الدراسات.

علاج المحور المعوي-الدماغي

الجانب المشرق في هذه النتائج أن عمليات علاج السمنة ألقت بالضوء على اتجاهات جديدة في علاج السمنة التي تؤثر على أكثر من 600 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم. وبعض من هذه الاتجاهات ربما تجعل من العمليات الجراحية إجراءً قديمًا أو على الأقل لا نلجأ إليه إلا في الحالات المستعصية فحسب. وهكذا، فقد يكون السلاح الأول في المعركة ضد زيادة الوزن هو السيطرة على المحور المعوي-الدماغي.

على سبيل المثال، في عام 2015 وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على جهاز يعمل على تحفيز العصب المبهم للقضاء على التوق لتناول الطعام. فيقوم أحد الجراحين بزرع الجهاز -الذي يتكون من مولد نبضات كهربائية وأقطاب كهربائية- في البطن حتى يمكنه إرسال موجات كهربائية إلى العصب المبهم. وعلى الرغم من أن آلية عمل الجهاز غير معروفة بالضبط، فقد توصلت الدراسة التي أدت إلى الموافقة على الجهاز إلى أن المرضى الذين تلقوا علاجًا لعام واحد بهذه الوسيلة فقدوا من وزنهم الزائد 8.5% أكثر من أولئك الذين لم يستخدموا ذلك الجهاز.

ويقدم هذا الأسلوب لبعض المرضى بدائل أقل تدخُّلًا من جراحات علاج السمنة، ولكن في الوقت الراهن فإن محفِّزات العصب المبهم ليست على قدر فاعلية العديد من علاجات السمنة الأخرى. وفي الوقت نفسه، يدرس عدد من جراحي الأعصاب استخدام أسلوب يُعرَف باسم التحفيز العميق للدماغ، وتتضمن هذه العملية -التي حصلت على الموافقة لاستخدامها في علاج مرض باركنسون واضطراب الوسواس القهري- تحفيز مناطق دماغية محددة باستخدام الأقطاب الكهربائية المزروعة في الدماغ. وعلى الرغم من أن هذه الأبحاث لا تزال في مهدها، يجري استكشاف العديد من المناطق الدماغية المشتركة في التحكم في الشهية بصفتها أهدافًا محتملة.

ويعتقد أكوستا كارديناس -من مايو كلينك- أنه في المستقبل سيكون النهج الأمثل لعلاج السمنة شخصيًّا وفق كل مريض، فيقول: "إن السمنة مرض يصيب المحور المعوي-الدماغي، ولكني أعتقد أننا بحاجة إلى تحديد أي جزء من ذلك المحور غير طبيعي في حالة كل مريض لتحديد علاج شخصي يتناسب مع حالته. وأنا أحاول أن أحدد المرضى الذين لديهم مشكلات مع الميكروبيوم أو الهرمونات أو سلوك الأكل العاطفي؛ حتى نتمكن من تحقيق الاستجابة القصوى للعلاج".

وفي عام 2015، درس أكوستا كارديناس وزملاؤه العديد من العوامل التي يُحتمَل أن تكون مرتبطة بالسمنة في أكثر من 500 شخص من أصحاب الوزن الطبيعي والوزن الزائد ومرضى السمنة. ومن بين العوامل التي درسوها مدى سرعة شبع المشتركين في الدراسة، ومدى سرعة تفريغ المعدة، ومستويات الهرمونات استجابة لتناول الطعام والسمات النفسية. وتدعم النتائج التي توصل إليها أكوستا كارديناس فكرة وجود فئات فرعية واضحة من السمنة، وأن السبب والعلاج المثالي للسمنة يكون على الأرجح خاصًّا بحالة كل مريض على حدة. على سبيل المثال، 14% من الأفراد الذين يعانون من السمنة المشتركين في الدراسة التي أجراها لديهم عنصر سلوكي أو عاطفي من شأنه أن يدفع النصائح العلاجية في اتجاه العلاج السلوكي بعيدًا عن إجراء جراحة أو تناول علاج. كما أنه يتوقع أنه في المستقبل قد يعالج مرضى السمنة ممن لديهم مجتمع ميكروبي غير طبيعي باستخدام وصفة علاجية من مضاد حيوي أو معينات حيوية.

في الوقت الراهن، لا نعرف يقينًا أي نوع من الاضطرابات في المحور المعوي-الدماغي أدى إلى زيادة وزن تريزا، ولكن من الواضح أن إجراء تلك الجراحة كان مفيدًا بالنسبة لها؛ إذ إنها نجحت في الحفاظ على وزنها عند 73 كيلوجرامًا تقريبًا لأكثر من أربع سنوات إلى اليوم، ولم تعد قدماها تؤلمانها، وأصبح لديها المزيد من الطاقة ويمكنها مجاراة ابنها. ورغم أنها تعترف بأن بعض التوق للطعام قد عاد على مدار تلك السنوات، فإن تلك الرغبات ليست بالقوة التي كانت عليها من قبل، وأصبح بإمكانها التحكم فيها بسهولة أكبر.

وتتذكر تريزا قائلة: "قبل إجراء تلك الجراحة لم يكن لديَّ أي قدرة على التحكم في النفس، ولم يكن بإمكاني كبح جماح شهيتي. أما اليوم، فإذا ظهرت البطاطس المقلية على مائدة العشاء، يمكنني تناول بعضها ولكني لا أكون مضطرة إلى منع نفسي وحرمانها من تناولها؛ إذ لم تعد لديَّ تلك الرغبة المُلحَّة في تناول الطعام بالطريقة التي كنت عليها. وعادةً ما آخذ نصف وجبة الطعام معي إلى المنزل؛ إذ لم يعد بإمكاني إنهاؤها".