لفترة طويلة ساد الاعتقاد بأن البشر يحتكرون سمة الوعي بالعمليات الإدراكية؛ وهي قدرة الفرد على التفكُّر في حالته الذهنية. ولكن مؤخرًا أظهرت القِرَدة في الأسر امتلاكها لهذه المهارة، عن طريق إظهار أنها مُدركةٌ لمستوى معرفتها، أي أنها تعرف متى تفتقر إلى معلومة أساسية لحل لغز ما أو للعثور على طعام. وتقدم الآن دراسة أجريت على قرود المكاك الريسوسي شبه البَرِّيَّة دليلًا مهمًّا على أن الوعي بالعمليات الإدراكية ليس حكرًا على البشر أو القردة أو الحيوانات المدربة وحدها.

قامت ألكساندرا روساتي من جامعة هارفارد، ولوري سانتوس من جامعة ييل، بمراقبة 120 من قرود المكاك الريسوسي في أثناء بحثها عن طعامٍ وضَعَتْه الباحثتان إما في نهاية أنبوب منفرد، أو في واحد من أنبوبين وُضِعا على شكل حرف V (انظر الرسم التوضيحي المرفق). وفي كلتا الحالتين، سُمِحَ لنصف القرود بمشاهدة عملية وضع الطعام –بحيث كانت تعرف مكان الطعام- بينما حُجِبَت الرؤية بواسطة ستارٍ عن النصف الآخر من القرود. وشارك كل قرد في التجربة مَرَّةً واحدة.

كان السؤال الرئيسي هو ماذا تفعل القرود التي لم تشاهد أين وُضِع الطعام في حالة وضع الطعام في الأنبوبين. أفضل استراتيجية للتعامل مع هذا الموقف تتمثل في أن تنظر القرود في نقطة انحناء الحرف V، أي عند مركز التقاء الأنبوبين، وهو ما يسمح لها بفحص الأنبوبين في الوقت نفسه. لكن الإقدام بثقة على اختيار هذه الطريقة يتطلب وعيًا بالعمليات الإدراكية، إذ يحتاج القرد تحديدًا إلى إدراك أنه لا يعرف أين جرى إخفاء الطعام، ثم يتعين عليه بعد ذلك التفكُّر في الخيارات المتاحة أمامه، ثم اختيار مسار معين.

في هذه الحالة، بدأ 27 قردًا من 30 البحث عن طريق النظر داخل الفجوة بين الأنبوبين، مقارنة بثلاثة عشر قردًا في حالة وضع الطعام في الأنبوبين مع السماح للقرود برؤيته -أي أنها كانت تعرف أين وُضع الطعام بالفعل. استبعدت الباحثتان إمكانية أن يكون ما فعلته القرود هو مجرد الاقتراب من مركز ذلك الشكل الذي يحوي الطعام، إذ إن أقل من ثلث القرود اقترب من نقطة المركز تلك في حالة الأنبوب المنفرد. بالإضافة إلى ذلك، استغرقت القرود في حالة الأنبوبين مع حجب عملية وضع الطعام بضع ثوانٍ أكثر للبدء في البحث عن الطعام، وهو ما يشير إلى أنها كانت تفكر فيما يمكنها فعله قبل أن تبدأ في التنفيذ.

تقول روساتي: "كان يمكن للقرود أن تبحث عشوائيًّا عن الطعام في كل موضع، لكنها لم تفعل"، وهو ما يشير إلى أن تأثير الوعي بالعمليات الإدراكية كان قائمًا في تلك اللحظة.

ويُثني مايكل بيران من جامعة ولاية جورجيا –والذي يدرس الوعي بالعمليات الإدراكية عند القردة– على الدراسة باعتبارها دليلًا مهمًّا جديدًا، ويقول: "إننا بإثبات صحة هذا الأمر في مجموعة شِبْهِ بَرِّيَّة من القرود، يمكن أن نكون على ثقة أكبر بأن بعض الحيوانات لديها وعي بالعمليات الإدراكية".