يمثّل الدماغ تحديًا فريدًا من نوعه لكثير من العلاجات الطبية: فهو آمن تمامًا وراء طبقة لا يمكن اختراقها من الخلايا المتراصّة بإحكام. وعلى الرغم من أن الحاجز الدموي الدماغي يمنع وصول المواد الكيميائية الضارة والبكتيريا إلى مركز التحكم في جسمنا، فإنه يمنع أيضًا وصول ما يقرب من 95 في المئة من الأدوية، التي تُعطَى عن طريق الفم أو الوريد. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يضطر الأطباء الذين يعالجون المرضى الذين يعانون الأمراض العصبية التنكسية، مثل مرض باركنسون (الشلل الرعاش)، إلى حقن الأدوية مباشرة في الدماغ، وهو ما يتطلب ثقب الجمجمة.
وحقق بعض العلماء نجاحات طفيفة في توصيل الأدوية، التي تُعطى عن طريق الحقن الوريدي، لما وراء الحاجز بمساعدة الموجات فوق الصوتية أو على شكل جسيمات نانوية، ولكن هذه الأساليب يمكن أن تستهدف مناطق محدودة جدًّا. والآن، تكشف مختصة علم الأعصاب فيفيانا جرادينارو، وزملاؤها في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، أن فيروسًا غير ضار يمكنه اجتياز الحاجز، وتوصيل العلاج إلى جميع أنحاء الدماغ.

طريقة يمكن البناء عليها
وتحول فريق جرادينارو إلى الفيروسات، بسبب صغر العوامل المسببة للعدوى وبراعتها في دخول الخلايا والسطو على الحمض النووي داخلها، كما أنها مزوّدة بهياكل بروتينية يمكنها حمل وتوصيل مواد مفيدة، كالأدوية أو العلاجات الجينية. وللعثور على فيروس مناسب لدخول الدماغ، عمد الباحثون إلى هندسة سلالة من فيروس مرتبط بالفيروس الغدي adeno-associated virus إلى ملايين من المتغيرات التي تمتلك هياكل مختلفة قليلًا من الناحية البنيوية. فيما بعد، حقن العلماء هذه المتغيرات في فأر، وبعد أسبوع، استعادوا السلالات، التي تمكنت من الوصول إلى الدماغ. وقد تمكن فيروس يسمى AAV-PHP.B من اجتياز الحاجز الدموي الدماغي بطريقة يمكن البناء عليها.

بعد ذلك، أجرى الفريق اختبارًا لمعرفة مدى قدرة الفيروس AAV-PHP.B على العمل كناقل محتمَل للعلاج الجيني، وهي تقنية تعالج الأمراض عن طريق إدخال جينات جديدة إلى الخلايا، أو عن طريق الاستبدال بالجينات الموجودة هناك أو تعطيلها. وحقن العلماء الفيروس في مجرى دم أحد الفئران. في هذه الحالة، كان الفيروس يحمل جينات مُشفرة ببروتينات فلورية خضراء، تتسم بقدرتها على التألُّق ضوئيًّا. فإذا تمكن الفيروس من الوصول إلى الدماغ، واندمج الحمض النووي الجديد في الخلايا العصبية، فإنه يمكن تتبع نسبة النجاح عن طريق اللون الأخضر المتألق.

 

في واقع الأمر، لَحَظ الباحثون أن الفيروس اخترق معظم خلايا الدماغ، وأن الآثار المتألقة استمرت مدة عام كامل. وقد نُشرت النتائج أخيرًا في دورية نيتشر بيوتكنولوجي Nature Biotechnology.

 

إمكانات هائلة
في المستقبل، يمكن استخدام هذا الأسلوب لعلاج مجموعة من الأمراض العصبية. "إن القدرة على إيصال الجينات إلى الدماغ دون اللجوء إلى الأساليب الباضعة ستكون مفيدة جدًّا كأداة بحثية، كما أن لها إمكانات هائلة في العيادة أيضًا"، وفقًا لقول أنتوني زادور، عالِم الأعصاب الذي يدرس توصيلات الدماغ في مختبر كولد سبرنج هاربور. وكما تعتقد جرادينارو أيضًا، فإن هذا الأسلوب مرشح جيد لاستهداف مناطق أخرى غير الدماغ، مثل الجهاز العصبي الطرفي. وتضيف: إن العدد الهائل من الأعصاب الطرفية يجعل علاج الألم في حالات الاعتلال العصبي صعبًا، ويمكن لفيروس واحد أن يتسلل إليها جميعًا.

 

نُشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان "فك حصار الدماغ".