أطلقت شركة "أبل" في شهر سبتمبر الماضي نماذج جديدة من هاتف آيفون دون مقبس سماعات الرأس، ولكن هذا لم يسعد جمهورها.

وقد كتب أحد المعلقين يقول: "لقد تخلصت من موصل، وأضافت مصدر إزعاج تحت شعار زيادة الأرباح"، في حين قال آخر: "إن "أبل" تريد أن ترى مدى سذاجة الجمهور فقط"؛ في حين أضاف ثالث: "لا سبب حقيقي للتخلص من مقبس السماعة الممتاز المُستخدم في جميع أنحاء العالم".

وكما اتضح بعد ذلك، ثمة سبب يقف وراء هذا القرار؛ فعلى الرغم من أن المقبس نفسه صغير الحجم، فإن الجزء الخاص به داخل الهاتف ضخم نسبيًّا. وبإزالته -وفقًا لما تقوله شركة "أبل"- استطاعت وضع بطارية أكبر، مما يمنح هاتف "آيفون 7" ساعتي عمل إضافيتين في كل مرة يجري شحنه فيها، وكاميرا مستقرة للتقليل من الصور الضبابية، ومكبرَيْ صوت ستيريو.

وأضافت "أبل" في علبة الهاتف الجديد سماعتي أذن جديدتين (تعملان من خلال مقبس شحن الهاتف) ومحولًا مقاس بوصتين لسماعات الرأس الموجودة بالفعل. والقصد من هاتين الأداتين السلكيتين هو أن تكونا إجراءً مؤقتًا إلى أن نشتري جميعًا سماعات الرأس اللاسلكية، التي يبلغ ثمنها حاليًّا 17 دولارًا. (جدير بالذكر أن مبيعات سماعات الرأس التي تعمل بالبلوتوث تجاوزت هذا العام مبيعات السماعات السلكية لأول مرة). فتقول "أبل" إن كل شيء يتحول ليصبح لاسلكيًّا، فلماذا لا يشمل هذا الموسيقى التي نستمع إليها أيضًا؟

إذا كنت مراقبًا تشهد ما يحدث من عالم آخر، فإنك غالبًا ستتساءل متعجبًا: علامَ كل هذه الجلبة؟ لقد أنهت "أبل" حياة منتج رُوِّج له قبل 52 سنة، وتقدم طريقتين مجانيتين لاستبداله، واستغلت الحيز الداخلي من أجل تقديم مواصفات أفضل. فما المشكلة في ذلك؟

أما إذا كنت تراقب الأمر من عالمنا على مدار العشرين عامًا الماضية، فربما تتعجب من ذاكرتنا القصيرة.

إن رغبة "أبل" في القضاء على مكون "قياسي" باسم التطور ليست مفاجأة؛ فهذه الشركة في الواقع هي التي اشتهرت بإلغاء مشغلات الأقراص المرنة ومشغلات الأقراص المضغوطة لذاكرة القراءة فقط (CD-ROM) ومودم الاتصال بالإنترنت عبر خطوط الهاتف الأرضي. كما أنها الشركة التي تخلصت من لوحات المفاتيح المادية في الهواتف الذكية، وأوقفت إنتاج سلسلة من موصلاتها، مثل ADB و SCSIوFireWire ومقبس شحن هاتف آيفون الأصلي.

وفي كل مرة، يثير قرارها غضب الجمهور. فقد جاء في المقال النقدي الذي نشرته صحيفة "بوسطن جلوب" في عام 1998: "إن جهاز "آي ماك" نظيف وأنيق ودون أقراص مرنة، ولكن مصيره المحتوم هو الفشل"، (وسرعان ما أصبح جهاز "آي ماك" الكمبيوتر الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة). وفي كل مرة، يكون رد فعل شركات صناعة الكمبيوتر هو أن تحذو حذو "أبل"؛ فقد ألغت شركتا "ديل" و"هوليت-باكارد" وغيرهما من الشركات مشغلات الأقراص المرنة، ومودم الاتصال بالإنترنت عبر خطوط الهاتف الأرضي من أجهزتها بعد ذلك.

وبالتالي، فقد أوضح نمط سير الأمور واضحًا الآن: تُغيِّر شركات تكنولوجيا المعلومات (غالبًا تحت قيادة شركة "أبل") قليلًا في الطريقة التي تصنع بها منتجاتها، ثم يملأ الجمهور الدنيا بالصراخ والعويل، وكذلك كتَّاب المقالات (وأنا كنت واحدًا منهم).

ثم لا تمر بضع سنوات حتى نكون جميعًا قد تقبلنا التكنولوجيا الجديدة ونسينا القديمة. وعلى الأرجح قد مرت عدة سنوات منذ أن شعر المستخدمون بالحنين لسرعة الاتصال التي يوفرها مودم الاتصال بالإنترنت عبر خطوط الهاتف الأرضي، ومر عقد منذ أن تمنى أحدهم لو كان لديه مشغل أقراص مرنة.

لكن هل يعني هذا أننا أغبياء أو ليس لدينا بُعد نظر؟ ليس بالضبط. في حالة التكنولوجيا، يكون لكل تغيير ثمن، وبالطبع ثمة تكلفة مالية. فعندما تخلت صناعة الكمبيوتر عن الأقراص المرنة وأقراص CD-ROM، غدت مقتنياتنا من تلك الأقراص عديمة القيمة. وفي حالة مقبس سماعة الرأس الذي هو في طريقه إلى الاختفاء، ستكون هناك تكلفة سماعات الأذن الجديدة اللاسلكية.

وهناك أيضًا تكلفة التعلُّم. ففي كل مرة يجردنا فيها أحدهم من مهارةٍ ما بعد أن أتقنَّاها ويأتينا بشيء جديد لا نتقنه بعد، نجد أنفسنا أمام تحدٍّ يستهلك الكثير من الوقت. كما أن هناك تكلفة التجهيزات أيضًا؛ ففي أثناء الفترة الانتقالية إلى تبني النمط القياسي الجديد، يكون علينا غالبًا شراء واستخدام تكنولوجيا مؤقتة، مثل مشغلات أقراص DVD الخارجية ومودم USB، أو محولات منافذ سماعات الرأس.

بالإضافة إلى ذلك أيضًا هناك التكلفة النفسية للتغيير، إنه ذلك الرد الفعل الغريزي العاجز إزاء تغيير نمط الحياة. إن البشر لا يحبون تغيير نمط حياتهم حتى لو كان المنطق يقول بضرورة هذه التغييرات (انظر أيضًا ما يحدث في حالة التغير المناخي أو اتباع حمية غذائية أو التدخين).

ذلك لأن التغيير في جوهره يعني القفز إلى المجهول، والمجهول بالنسبة للإنسان –كما يمكن أن يُخبرنا أحد أسلافنا من النياندرتال وهو يقترب من كهف مظلم– مخيف للغاية.

إن شركات التكنولوجيا الكبرى سترغب دائمًا في أن تلقي بجمهورها بقوة إلى المستقبل. وفي نهاية المطاف، رغم أن المقاومة لا جدوى منها، فإنها مفهومة تمامًا.