يبدو التصويت عبر الإنترنت فكرةً واعدة. ففي النهاية، نحن نؤدي بالفعل الكثير من المهمات عبر الإنترنت، وننقل بشكل روتيني بيانات حساسة، مثل السجلات المالية أو الطبية، عن طريق تشفيرها. فضلًا عن أنه توجد طرق تشفير تسمى إمكانية التحقق المتكامل، تَعِدُ المواطنين بتسجيل أصواتهم كما أرادوا لها، وحساب كل صوت، وأن تكون النتيجة النهائية هي مجموع كل الأصوات. كما قد تشجع الراحة والسهولة في التصويت عبر الإنترنت على مزيد من المشاركة في العمليات الانتخابية.

وأي مكان لتجريب التصويت عبر الإنترنت أفضل من سويسرا، حيث الناس يبادرون بالتصويت مبكرًا ويقومون بعمليات تصويت متكررة؟ فرغم أن السويسريين لديهم برلمان تقليدي، فإن العديد من القرارات المهمة تمر عبر التصويت المباشر للشعب. وهذا يجعل من الانتخابات أمرًا مألوفًا ومتكررًا هناك! ففي عام 2018 فقط، أجرى السويسريون 10 استفتاءات مختلفة على مجموعة متنوعة من الموضوعات. وبطبيعة الحال، التصويت بهذه الغزارة يجعل السويسريين أكثر حساسيةً من غيرهم تجاه الراحة والسهولة الانتخابية.

يوجد بالفعل تصويت محدود عبر الإنترنت في بعض المقاطعات السويسرية، باستخدام نظامين معتمدين منفصلين. وتقول الحكومة إن ثلثي مَن لهم حق التصويت قد اتجهوا إلى هذا الخيار، مما يدل على تزايُد الإقبال على هذا النوع من التصويت. وعندما قررت البلاد مؤخرًا محاولة توسيع نطاق التصويت عبر الإنترنت بشكل كبير، اتبعت نهجًا نظاميًّا على الطريقة السويسرية. تمثلت الخطوة الأولى في إجراء استفتاء زائف، والاستعانة بقراصنة "القبعة البيضاء" في العالم -وهم باحثون أمنيون مهمتهم كشف مواطن الضعف بحيث يمكن إصلاحها- لاختراق النظام، مع تقديم نحو 150,000 دولار من المكافآت المادية والمعنوية.

حصدت فرق قراصنة القبعة البيضاء المكافآت سريعًا. فقد أظهرت ثلاث فرق مستقلة أن القراصنة يمكنهم تغيير نتائج التصويت دون اكتشاف ذلك، وهذا هو السيناريو الأسوأ على الإطلاق. يتعلق الخلل بالطريقة التي "يخلط" بها النظام الأصوات المشفرة لحماية خصوصية الناخب قبل عمليات الفرز. هذا الخلل يمكن إصلاحه. لكن، حتى لو تم إصلاحه، فكيف يمكن طمأنة الناخبين بشكل كامل إلى أنهم يجب أن يثقوا بالنظام الجديد؟

هنا يكمن الخلل الأكبر في جميع برامج التصويت الإلكتروني؛ فالبرامج التي لا تستخدم التشفير لا يمكن أن توفر الضمانات الأساسية للاقتراع السري والتحقق من عمليات الفرز، وتلك التي تستخدم برامج تشفيرية تتطلب أن يثق الناخبون بالخبراء. تُعَد إستونيا -الدولة التي استخدمت التصويت عبر الإنترنت منذ عام 2005- مثالًا على الحالة الثانية التي تُستخدم فيها البرامج التشفيرية. وقد أشاد فريق من الباحثين في جامعة أكسفورد، قام بفحص نظام إستونيا في عام 2016، بالعديد من إجراءات السلامة، لكنه ألمح إلى أنه نظرًا إلى صغر حجم البلاد، فإن المسؤولين يعتمدون أيضًا على بناء جسور الثقة بين الأفراد الذين يديرون انتخاباتهم من خلال العلاقات الشخصية. يبدو أن الإستونيين يعتقدون أن هذا جيد بما يكفي، لكنه ليس نموذجًا سهل التصدير.

شيء آخر يميز إستونيا هو نظام الهوية الرقمية الإلزامي، حيث يتم إصدار بطاقة تعريفية مشفرة لكل مواطن إستوني، تُستخدم على نطاق واسع في أعمال القطاعين العام والخاص. ومع أن ذلك يساعد في حل مشكلة كيفية تحديد هوية الناخبين ومنع التصويت المزدوج، فإنه يخلق مشكلةً أخرى، إذ يمكن أيضًا أن تعمل هذه الأنظمة كنظام تتبُّع ومراقبة موسَّع، وهو ما قد يثير قلق دول أخرى.

كذلك قد تخلق الهويات الرقمية مشكلة ثالثة؛ ففي عام 2017، اكتُشفت نقطة ضعف في أجهزة حاسوب البطاقات الإستونية، مما قد يسمح بسرقة الهوية، وهو الأمر الأساسي الذي من المفترض أن تمنعه هذه النوعية من البطاقات. سارع المسؤولون إلى استبدال البطاقات وتحديث أنظمتهم، لكن السبب الوحيد لعدم وقوع أزمة حقيقية هو أن هذا الخلل لم يُستغَل فعليًّا. في المرة القادمة قد يختلف الحال.

في النهاية، يكمن الخلل الأكبر -حتى في أكثر الأنظمة التصويتية عبر الإنترنت أمنًا- في أن عمليات التصويت تسير من خلال الثقة بالخبراء. صحيح أنه يمكن أن تحدث أخطاء أو عمليات احتيال من الناخبين في أنظمة متنوعة، لكن التصويت الإلكتروني يحد من إمكانية إخفاء هذه العمليات ومن نطاقها. فقطعًا، عمليات الاقتراع الورقي يمكن أن يشوبها الفساد، لكن هذا يتطلب تنظيم أعداد كبيرة من الأفراد في برنامج سري يصعب إخفاؤه. وفي حال الاشتباه في وقوع عمليات تزوير، يمكن فقط إعادة فرز الأصوات في حضور مراقبين يقظين.

تمثل الثقة بالعملية الانتخابية حجر الزاوية في شرعية أي حكومة ديمقراطية. ولا تستطيع أنظمة التصويت عبر الإنترنت طمأنة المواطنين بشكل كامل إلى عدم وجود أبواب خفية أو سرية، أو تطبيقات معيبة، أو مواطن ضعف. وبدلًا من التصويت عبر الإنترنت، يجب أن تركز الأنظمة الديمقراطية على جعل التصويت مريحًا وسهلًا من خلال إجراءات أخرى، مثل منح إجازات قومية في أيام الانتخابات، وزيادة عدد أماكن الاقتراع، وتوفير أعداد كافية من آلات التصويت لتقليل حجم طوابير الانتظار، وتوفير وسائل انتقال إلى أماكن الاقتراع للأفراد الذين يحتاجون إليها، وغير ذلك. إن عملية التصويت أكثر أهميةً من أن يُعهَد بها إلى برامج تعتمد على "الثقة بالخبراء".