أحيانًا يُطلَق على أكبر انقراض جماعي شهده كوكب الأرض حتى يومنا هذا اسم "الموت الكبير"، ولهذه التسمية سبب وجيه؛ فقد قضى هذا الانقراض الجماعي على نحو 70% من الحياة على اليابسة و95% من الحياة في المحيطات. ولوقت طويل ظل الباحثون يشيرون بأصابع الاتهام إلى النشاط البركاني المكثف في المنطقة التي يُطلَق عليها اليوم اسم سيبيريا، وذلك باعتباره الجاني الرئيس وراء تلك الكارثة الكبرى المعروفة أيضًا باسم الانقراض الجماعي البِرمي الترياسي، والذي وقع قبل 252 مليون سنة. وقد حددت دراسة أُجريت مؤخرًا تفاصيل بالغة الأهمية عن "آلية القتل"، على الأقل بالنسبة للحياة البحرية؛ فقد عانت المحيطات في جميع أنحاء العالم نقصًا حادًّا في الأكسجين، مما أدى إلى اختناق أنظمة إيكولوجية بكاملها.

في وقت سابق، اشتبه العلماء في أن ظاهرة الأنوكسيا Anoxia، أو نقص الأكسجين، كانت هي المسؤولة عن تدمير الحياة في المسطحات المائية. وجاءت البيانات الداعمة لذلك الافتراض من الصخور البحرية التي تشكلت في محيط تيثيز Tethys القديم، لكن هذا المسطح المائي لم يمكن يمثل سوى حوالي 15% من مساحة بحار الأرض، وهذا يكفي بالكاد لقول أي شيء قطعي حول عالم البحار ككل، وفق قول فايفي تشانج، عالِمة الجيوكيمياء بجامعة ولاية أريزونا، والتي قادت هذه البحوث الجديدة.

على النقيض من ذلك، تقول تشانج: "تشير بياناتنا إلى أن تفاقمًا سريعًا للأنوكسيا البحرية حدث على المستوى العالمي في أثناء الانقراض الجماعي البِرمي الترياسي". وكان أساس الاكتشاف الذي توصل إليه الفريق، والذي نُشر في مجلة "جيولوجي" Geology في أبريل الماضي، هو طريقة مستحدثة تستخدِم قياسات اليورانيوم في الصخور للاستدلال على مستويات الأكسجين في محيطات العصور القديمة. هذا النهج مكَّن الباحثين من رصد قرائن في صخور من اليابان تشكلت في وقت تزامن مع وقت الانقراض وسط المحيط الأعظم بانثالاسا Panthalassa، والذي ما لبث أن غطى معظم الكوكب واشتمل في خضمه على غالبية المياه المالحة الموجودة على الكوكب. يقول جريجوري برينيكا، عالِم الجيوكيمياء بجامعة مونستر في ألمانيا، وليس من المشاركين في الدراسة: "الشيء الأكثر إثارة هو… البصمة التي تتصف بالعالمية، والتي يُمكنهم رؤيتها".

ربما تكون لتلك النتائج أهمية خاصة في العصور الحديثة؛ لأن الباعث على حالة الأنوكسيا التي وقعت في العصور القديمة كان على الأرجح تغيُّر المناخ الناجم عن ضخ براكين سيبيريا لغاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. أما في الوقت الحاضر، ونظرًا لأن النشاط البشري يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب، فإن المحيطات تحتفظ بكميات من الأكسجين تقل عن تلك التي كانت تحتفظ بها قبل عقود عديدة مضت. ويحذر برينيكا من التكهن بشأن المستقبل، ولكنه يضيف: "أعتقد أنه من الواضح إلى حدٍّ ما أن المخلوقات تموت عندما تحدث تغيرات واسعة النطاق في المحيطات".

نُشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان "بحار مختنقة"