• تشهد موجة تجميد البويضات البشرية صعودًا، بفضل قوى اجتماعية، إلى جانب الإنجازات الطبيّة التي تجعل هذه التقنية واعدةً أكثر مما مضى.
  • أما التطورات التقنيّة الرئيسية التي تعزِّز من قابلية نجاح هذه العمليّة فتتضمن تقنيةً للتجميد السريع تتيح تجميد البويضات من دون تكوين بلورات ثلجيّة، وطرقًا جديدةً لحضانة الأجنّة تسمح لها بالبقاء مدةً أطول خارج جسم المرأة.
  • إلا أن أغلبيّة البويضات النسائيّة التي جرى تجميدها لا تزال مجمدةً تنتظر الاختبار. ولا أحد يعلم كيف سيكون أداؤها حينما تقرر أغلبية النساء إذابة تجميدها، على أمل الحمل.

يبدو أن الأصفر المبهج هو اللون المفضَّل لسلاسل شركات الحفاظ على الصحة في تصميم شعارات تجتذب النساء المهتمّات بصحتهن. على سبيل المثال تستخدم شركة سول سايكل (SoulCycle) ثمرة الجريب فروت التي تخلص الجسم من السموم شعارًا لها، أما شركة دراي بار (Drybar) فاختارت زهرة الحوذان الصفراء المبهجة. وفي العام الماضي بدأت شاحنات تحمل درجات زهرة دوار الشمس الصفراء تظهر في أماكن ازدحام المارّة في مانهاتن ولوس أنجلوس. هذه الشاحنات هي عيادات متنقلة للخصوبة، تدعو النساء لركوبها وتعلُّم كيفيّة حماية سلالة خلاياهن الوراثية الإنجابيّة بتجميد بويضاتهنّ. والدعايات على جوانب هذه الشاحنات تبذل وعودًا مثل "امتلكي مستقبلكِ"، وتطرح ادعاءات مثل "نتفهم خصوبتكِ".

هذه المركبات مبعوثة من جهة كايند بادي Kindbody، وهي عيادة خاصّة صغيرة للخصوبة تستهدف تلك الفئة من العميلات اللاتي ينتظمن في حصص التمرين بالدراجات الثابتة وفي صالونات تجفيف الشعر، وهي واحدة من عدد صغير متزايد من المؤسسات التي تُقَدِّم خدمات الخصوبة، والتي تشمل الحصول على بويضات المرأة أو خلاياها البيضيّة، وتجميدها من أجل استعمالٍ لاحق. ولأن البويضات هي أحد أهم العوامل في خصوبة الأنثى، ولأن جودة البويضات وكميتها يقلّان مع تقدم العمر، فإن تخزينها يَعِدُ بإطالة مدة خصوبة المرأة وإمكانية تأجيل قرار إنجاب الأطفال. كما تصرِّح خدمة إكستند فرتيليتي (Extend Fertility) المنافسة: "تملك النساء اليوم خيارات أكثر من أي وقتٍ مضى، وها نحن نقدِّم لكن خيارًا آخر: خيار البدء بتأسيس أسرتك حينما تكونين مستعدة".

إن ظهور العيادات الصغيرة المتخصصة في تجميد البويضات هو أحد أبرز التطوّرات الحديثة –وإن لم يكن الوحيد- في تقنيات الإنجاب المستعين بالتقنية، وهو علم (وتجارة) مساعدة الناس على إنجاب الأطفال الذين يشاؤون. ظهرت هذه العيادات الخاصّة نتيجة التقاء التمكين الاقتصاديّ للنساء مع دعم رؤوس الأموال المجازفة والتقدم الطبيّ الحقيقيّ. وليست العيادات المتنقلة هي النتيجة الوحيدة لذلك، بل إن تجميد البويضات يشهد صعودًا مستمرًّا في عيادات الخصوبة المعتمدة ذات السمعة الحسنة، مثل عيادة الخصوبة بجامعة كاليفورنيا الجنوبية. وفق كلام مدير العيادة ريتشارد بولسون، 40 في المئة من دورات سحب البويضات –حيث تُحْقَن المرأة بهرمونات تُحفز مبايضها على إطلاق عدد كبير من البويضات، يجمعها الأطباء بعد ذلك بينما تكون المرأة تحت التخدير- تُجرى من أجل تجميد البويضات. (نسبة الستين في المئة الباقية من الدورات التي تتم في العيادة تشمل نساءً يخضعن لعلاج العقم وينوين استخدام البويضات في وقتٍ قريب).

في نهاية المطاف، يؤكِّد مقدمو هذه الخدمة أن تجميد البويضات قد بلغ حدًّا من التطور يسوِّغ المبلغ الذي يتجاوز عشرة آلاف دولار، والذي تراهن النساء باستثماره في العمليّة والأدوية، إذ لا يشملهما التأمين الصحي (ولا يشمل هذا السعر تكاليف التخزين التي على النساء دفعها سنويًّا للحفاظ على البويضات مُجمدة). تنبع هذه الثقة من المنجزات المهمّة في علم الخصوبة والحَمل التي أُنجِزَت خلال العقد الماضي، ومن أهمها العمليّة التي تتيح للأطباء التجميد السريع للبويضات. وقد حقق الأطباء كذلك تقدمًا كبيرًا في علم التخصيب في المختبر (IVF) –وهي العمليّة التي تأتي بعد تجميد البويضات- إذ تُجمع بويضة مذابة التجميد (أو طازجة) بحيوانٍ منويّ لتحقيق الإخصاب في طبق بِتْري، ثم إنماء الجنين الناتج حتى يصل إلى مرحلة يمكن فيها إعادته إلى رحم المرأة لزرعه.

يجسد هذا كله تغيرًا كبيرًا في علم إنجاب الأطفال، تغيرًا يشير –نظريًّا- إلى أن النساء لسن مقيَّدات بالفكرة التقليديّة عن دنوّ أجلهنّ الإنجابيّ البيولوجيّ. لكن عمليًّا، الحقيقة أكثر تعقيدًا. فعلى النساء أن يضعن في اعتبارهنّ عوامل أخرى غير بويضاتهنّ، منها صحتهنّ العامّة وسلامة الحيوان المنويّ اللاتي ينوين استخدامه، عند تقرير وقت الحمل. كما أن صحة الرهان على هذه التقنيات الجديدة لا تزال تنتظر تأكيدًا؛ إذ إن الأغلبية العظمى من البويضات المجمَّدة في العيادات لم يُذَب تجميدها بعد. ويظل السؤال قائمًا: هل ستكون كلها قابلةً للحياة؟ هل يستطيع العلم فعلًا الحفاظ على الخصوبة لوقتٍ لاحق؟

الازدهار في مجال التجميد

في بعض الأماكن، مثل منطقة خليج سان فرانسيسكو، يرتبط النمو في مجال تجميد البويضات جزئيًّا بشركات التقنية القريبة في الموقع، مثل فيسبوك وجوجل، التي تغطّي حاليًّا (مع بعض الضجة الإعلامية) هذه العمليّة لموظفاتها. أما في وادي السيليكون، فقد صار تجميد البويضات جزءًا من حزمة المنافع التي قد تفكّر المرأة العاملة الذكية في الاستفادة منها، وهو ما يشبه مدخرات تقاعُد لتكوين أسرةٍ مستقبلية. كذلك ينبع هذا الازدهار من تيارات أخرى متلاقية، أحدها هو سهولة تعامل أبناء جيل الألفيّة مع الشبكات الاجتماعيّة؛ إذ إن للعيادات الخاصّة حضورًا قويًّا على موقعي إنستجرام وتويتر، وكذلك عددٌ متزايد من العيادات التقليديّة. حتى المواعدة الإلكترونية –التي بعثت الأمل في جمع شتات القلوب البشريّة بمجرد تحميل تطبيق- لها أثرها. تقول مارسيل سيدارز، مديرة مركز جامعة كاليفورنيا وسان فرانسيسكو للصحة الإنجابيّة: "قالت لي بعض النساء إنهنّ صرن يستبعدن النظر إلى كل شخص يواعدنه نظرة ’هل هو شخصٌ بإمكاني الزواج به؟‘".

إن النمو في مجال تجميد البويضات ينمّ كذلك عن اعتياد لدى العامّة على دفع رسوم شهرية مقابل السلع. إذ يعتبر تجميد البويضات –من ضمن ما يعتبر- خدمةَ اشتراكٍ مدفوعٍ أخرى، مثل نِتفلكس (Netflix) أو زيبكار (Zipcar). بمجرَّد أن يتم تجميد الخلايا البيضيّة يجب أن تظلّ مجمدةً حتى تُسْتَخدم، وبعد أن تمرّ المرأة بعمليّة سحب البويضات، وهي عملية غير سهلة أو رخيصة، سيكون لديها دافع قويّ للاستمرار في دفع رسوم التخزين، التي قد تصل إلى 500 أو 1000 دولار سنويًّا. وكلّ دفعة من البويضات المجمدة في النيتروجين السائل تمثِّل تيارًا مستمرًّا من الدخل لسنوات، للعيادة وللمستثمرين فيها على حدٍّ سواء.

أدوات التزجيج، مثل إس-كرايولوك (الظاهر في الصورة)، تساعد على تجميد البويضات والأجنة فورًا تقريبًا، لمنع تعرُّضها للتلف. Credit: Jamie Chung

إلا أن موجة التجميد هي أيضًا ناتج للعلم. حينما طلبنا من بولسون الحديث عن مراحل تقدّم هذا المجال، عاد بفكره إلى الماضي حينما كان التخصيب المعمليّ لا يزال في صباه. كانت أول طفلة وُلِدَت من خلال التخصيب المعمليّ هي لويس براون، التي وُلِدَت عام 1978، والتي صارت الآن أمًّا هي نفسها. كانت التقنية المستخدمة لهذه العمليّة منعدمة، حتى إن الأطباء اضطروا إلى تصميم أدواتهم الخاصّة للحصول على البويضات وتحضين الأجنّة؛ فحينما أجرى طبيب النساء الراحل باتريك ستيبتو وعالِم الفسيولوجيا الراحل روبرت إدواردز التجارب التي تسببت في ميلاد براون، أبقوا على الأجنّة دافئةً في جرابٍ شُق في جِلد أرنبٍ حيّ.

وحتى ثمانينيات القرن الماضي كان بإمكان مريضات التخصيب المعمليّ أن يتوقعن على أفضل التقديرات نسبة ولادة من 10 إلى 15 في المئة. يقول ألان بنزياس، الأستاذ المساعد بكلية طب هارفارد والطبيب بعيادة بوسطن للتخصيب المعمليّ: "تمكنَّا من مساعدة عدد قليل من الناس، لكن ليس الأغلبية، إذ فشل الإجراء مع أغلب الأشخاص".

ودائمًا ما كان سحب البويضات –السلالة الإنجابيّة الأنثوية المحميّة جيدًا- صعبًا. شهدت ثمانينيات القرن العشرين تطوير تقنيات أساسية وتحسينها؛ فأولًا كان على الأطباء إجراء جراحة بالمنظار لاستخراج بويضة واحدة بمجرد تبويضها. ثم تعلموا حَقن هرمونات قادرة على تحفيز تبويض البويضات بكميات أكبر وفي توقيت يسهل توقُّعه، وتعلموا الحصول عليها مهبليًّا باستخدام إبرة تصل إلى المبيضين. أما تسعينيات القرن العشرين فكانت –على نحوٍ غير متوقع- عقد الرجال. فعقم الذكور –أي بطء الحيوانات المنويّة أو تشوهها أو قلة عددها- سببٌ شائعٌ لعدم قدرة الزوجين على الإنجاب. ولزمن طويلٍ كان "العلاج" الوحيد لعقم الذكور هو التبرع بالحيوانات المنويّة. ثم في عام 1992 أعلن العلماء في بلجيكا عن أول ولادة لطفلٍ حيّ عبر حَقن الحيوان المنويّ داخل السيتوبلازم (ICSI)، وهو إجراء يتضمن حقن حيوان منويّ وحيد داخل البويضة. كان حَقن الحيوان المنويّ داخل السيتوبلازم تقنيّة ثوريّة عالجت عقم الذكور، للأزواج القادرين على تحمُّل تكلفتها.

لأكثر من نصف قرن كان من السهل جدًّا تجميد الحيوانات المنويّة؛ فهي أشبه بقذائف لا تحمل سوى الحمض النوويّ. وترجع أول ولادة بشرية مسجَّلة من حيوانٍ منويّ مجمد إلى عام 1953. لكن الوضع كان مختلفًا بالنسبة للبويضة التي هي من أكبر الخلايا في الجسم ومن الصعب تجميدها بشكلٍ جيد، إذ يتكون أغلبها من الماء، ما يعني إمكانيّة تكوُّن بلورات من الثلج ذات حواف حادّة تتلف العُضَيَّات والبنى الرقيقة الأخرى. لسنوات، كان تجميد البويضات يستلزم تجفيفها إلى أقصى حدٍّ ممكن، ثم إدخال كميات ضئيلة من واقي البرودة، وهو نوعٌ من المواد المضادة للتجميد يهدف إلى منع تكوُّن البلورات. وقد كانت العملية بأسرها تتم ببطء شديد. تقول إيمي سباركس، عالِمة الأجنّة بجامعة آيوا، والتي تتذكّر عناء تخفيض الحرارة درجة بدرجة: "كانت عمليّة مرهقة، تستغرق حوالي ساعتين إلى ثلاث ساعات". أتاحت هذه التقنية ميلاد أول إنسان من جنين مُجَمَّد عام 1984، أما أول ولادة من خليّة بيضيّة مجمدة فسُجِّلت بعد ذلك بعامين، أي عام 1986. لكن بالنسبة للبويضات ظلّ التجميد صعبًا ومُتْلِفًا؛ إذ كانت المحصلة النهائيّة عادةً تشبه ما يحدث عند إذابة الآيس كريم ثم إعادة تجميده: تَحَبُّبٌ ثلجيّ. تعلق سباركس بقولها: "حينما يُذاب تجميد البويضة لا يصبح ثمّة منفذ للماء الناتج من تلك البلورات الثلجية، فيسبب التلف للخليّة".

ثم منذ حوالي عشر سنوات حدث أهم إنجازٍ علميّ حديث في مجال الإنجاب المستعين بالتقنيّة، ألا وهو التزجيج (Vitrification، مصطلح مشتق من vitrum، وهي كلمة لاتينية معناها "زجاج") الذي يضمن إمكانية تجميد البويضات (والأجنة) بسرعة مذهلة. تشمل العمليّة كميات من مضادات التجميد أكبر من الطرق السابقة، والتغطيس المباشر إلى النيتروجين السائل، ما يستثير "التبريد فائق السرعة"، ويقلل تمامًا من تكوُّن بلورات الثلج، ويحول البويضة فورًا إلى حالة شبيهة بالزجاج. تقول سيرينا تشن، مديرة العيادة بمركز سانت بارناباس الطبي في نيو جيرسي: "خلال السنوات العشر الماضية أدى تأثير التزجيج إلى تغيير شكل المجال حقًّا بطرقٍ لم نكن نتوقعها".

بدلًا من تنمية الجنين في محضن المعمل، يمكن إدخال أداة إنفوسيل إلى مهبل المريضة لتحضين الجنين هناك Credit: Jamie Chung

يشبه التزجيج ضغط زر "الإيقاف المؤقت" كما تقول تشن؛ فحينما يحين الوقت يضغط المختبر زرّ "تشغيل" ليبدأ التذويب السريع. والنتائج مدهشة، حتى إنه في عام 2018، أصدرت لجنة الأخلاقيات بالجمعية الأمريكية لطب الإنجاب (ASRM) –والتي كانت حتى ذلك الحين رافضةً التوصية بتعميم استخدام التقنية مجتمعيًّا- دراسةً تقول بأن تجميد البويضات "للنساء اللاتي يحاولن حفظ قدرتهن الإنجابيّة للمستقبل" يمكن اعتباره الآن "مسموحًا به من الناحية الأخلاقية". باختصار: صار تجميد البويضات اتجاهًا سائدًا. ثمة خلاف بين العيادات بشأن ما إذا كانت البويضات المجمّدة صالحةً للحياة والنمو مثلها مثل البويضات الطازجة، إلا أن أغلب الخبراء -ومنهم بولسون وسباركس- يقولون إن البويضات المجمدة تشبه جدًّا جدًّا نظريتها الطازجة. وليس ثمة شك في أن البويضات المجمدة من امرأة في الثانية والثلاثين من العمر أفضل من البويضات الطازجة المأخوذة من المرأة نفسها بعدما بلغت الثانية والأربعين من عمرها.

لكن حتى أفضل البويضات لا تنتج دائمًا أطفالًا. تشرح سيدارز للمريضات أنه لا يجب عليهنّ تأجيل استخدام البويضات المجمّدة حتى بدايات الأربعينيات؛ لأنه في حالة عدم نجاح هذه البويضات قد لا تفلح الطريقة القديمة للإنجاب هي الأخرى. وهنا تكمن المعضلة؛ فإذا لم يكن باستطاعة النساء الانتظار حتى تضعف بويضاتهن الطازجة، فما الجدوى من تجميدها من الأصل؟

خطوات واسعة في مجال التخصيب المعمليّ

ليس التزجيج هو التقدم الوحيد الذي يعزِّز مستقبل تجميد البويضات؛ إذ شهدت عناصر أخرى من التخصيب المعمليّ تطورات كبيرة، مثل المعيار الجديد المتمثل في إنماء الجنين في المعمل لمدة خمسة أيام قبل إرجاعه إلى المرأة. منذ عقْدٍ مضى كانت الأجنّة عادةً ما تنقل في مرحلة الأيام الثلاثة حين تكون مكوَّنةً من ثماني خلايا فقط. الآن تصل الأجنة البشرية إلى الرحم كـ"أكياس أريميّة" تتكون من حوالي 100 خلية، وهي أكثر نضجًا وقوةً وذات فرص نجاحٍ أكبر. وفقًا لبيانات مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) لعام 2016، فإن حوالي 50 في المئة من الأجنّة الطازجة المنقولة في اليوم الخامس في النساء الأقل من 35 عامًا تمخضت عن ولادة طفلٍ حي، مقارنة بنسبة 34.4 في المئة من الأجنة المنقولة في اليوم الثالث. أما بالنسبة للنساء بين عمر 35 و37 عامًا فكانت النسب 42.1 في المئة للنقل في اليوم الخامس مقابل 28.6 في المئة للنقل في اليوم الثالث.

علاوةً على ذلك، تتحسن مستويات النجاح؛ لأنه صار في إمكان المعامل الآن المحاكاة الدقيقة للبيئة الكيميائية لقناة فالوب حيث تقضي الأجنّة أيامها الخمسة الأولى في الحمل الطبيعي. وتحسَّن كذلك أداء المعامل في تنظيم كميات النيتروجين والأكسجين وثاني أكسيد الكربون وتركيزاتها. إضافةً إلى أن الحاضنات الحالية تستخدم تقنيةً مكوّنةً من أجزاء ثابتة، ما يعني تقليل الحاجة إلى فتح الأبواب وإغلاقها، بحيث يستقر الجنين دون إزعاج.

إن القدرة على إنماء الأجنة إلى مرحلة الكيسة الأروميّة تتيح لعلماء الأجنّة إمكانية التعرف بسهولة على أفضل البويضات في دُفعة البويضات قبل اختيار أيِّها للزرع. علاوةً على ذلك تحسَّنت قدرتهم على الحكم من خلال عمليّة تسمى الانتقاء الجينيّ قبل الزرع. في عصر أجنّة الأيام الثلاثة، كان العلماء يضطرون إلى تصيُّد خلية واحدة من كتلة من ثماني خلايا إذا أرادوا قياس الصحة الجينيّة للجنين، وهو إجراء معمليّ مريع، حتى إن سباركس لا تزال "تحلم بكوابيس" عنه. أما الآن فالأسهل بكثير استخدام الليزر لالتقاط بعض الخلايا من جزء من الكيسة الأروميّة تنشأ منه المشيمة –وهي قسم أقلّ حيويّةً من القسم المخصص للجنين.

عمومًا، فإن تحسُّن قدرة علماء الأجنّة على تجميد الأجنّة واختبارها تعني "تغيرًا ضخمًا" كما يقول بنزياس. قبل حوالي عشر سنوات، كانت فرص نجاح الأجنّة المجمَّدة أقل بعشرة في المئة من الأجنة الطازجة. ويقول بنزياس: "والآن صرنا نتحدث عن تكافؤ النسبتين". نظريًّا، تحسُّن الفرص يعني أنه سواء استخدمت النساء بويضات تم الحصول عليها خلال الشهر نفسه أو بويضات سبق تجميدها قبل الحين بسنوات، فإن بإمكان العيادات نقل جنين واحد فقط كل مرة بدلًا من نقل جنينين أو ثلاثة كما كان معتادًا. لمدة 14 عامًا كانت سياسة جامعة آيوا تقضي بأنه إذا كانت المرأة أصغر من 38 عامًا ولم يسبق لها إجراء عمليات نقلٍ فاشلة في العيادة وتمتلك على الأقل كيسة أرومية واحدة بحالة جيدة ظاهريًّا (أي جنينًا عمره خمسة أيام)، فإنه "لا يُزرع في رحمها سوى جنين واحد"، كما تقول سباركس. قللت هذه الاتجاهات من نسب انتشار التوائم، وخاصةً التوائم الثلاثيّة أو الأعداد الأكبر، التي هي حملٌ أكثر خطورةً بكثير على الأجنّة والأمهات من الحمل بجنين واحد. في جامعة آيوا، كانت نسب ولادة التوائم 40 في المئة عام 2001، وحاليًّا أصبحت أقل من 5 في المئة. وعلى مستوى المجال، وفقًا لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ازدادت نسب عمليات نقل الأجنة المفردة بما يفوق ثلاثة أضعاف، من 12 في المئة عام 2007 إلى 40 في المئة عام 2016. يساوي ذلك في الأهميّة أن نسبة نقل الأجنة المفردة الطازجة التي تنتج عنها ولادة طفل حيّ قد ازدادت من 21 في المئة عام 2007 إلى 37 في المئة عام 2016.

هذه الابتكارات ليست سوى البداية. ثمة اختراع جديد يسمح للمرأة بتحضين الجنين داخل جهازٍ يتم إدخاله في مهبلها بدلًا من تحضينه في محضن في المعمل. فضلًا عن أن هنالك تقنيات أكثر جذريّةً قادمة في الأفق؛ فمثلًا العلاج باستبدال الميتوكوندريا هو إجراء مثير للجدل يمكنه القضاء على خطر الإصابة بأمراض جينية من الميتوكوندريا، عبر حَقن نواة بويضة الأم في بويضة من امرأة غير مصابة بالمرض، بعدما تُزال نواة هذه البويضة وتُترك الميتوكوندريا خاصتها باقية. هذا الإجراء ممنوع في الولايات المتحدة بسبب المخاوف من اختلاط الحمض النووي لامرأتين، إلا أنه يتمّ تطويره في إنجلترا. كذلك يقول بولسون إنه سيأتي يوم يمكن فيه استخدام تقنيات الخلايا الجذعية لتصنيع الحيوانات المنوية والبويضات من خلايا الجسم العادية، مثل خلايا الجلد. ومع أن هذا يبدو كقصص الخيال العلمي، إلا أن هذه العمليّة لن تتضمن أي تغيير للحمض النوويّ للخلية، لذا فإنها على الأقل لن تكون مصدرَ قلق أكثر من نقل الميتوكوندريا. بهذه التقنية لن تحتاج النساء إلى تخزين البويضات. يقول بولسون: "سيكون بإمكان المرأة في سن الخامسة والأربعين أن تحصل على بويضة من خلايا جلدها". قد يبدو هذا مغرقًا في الخيال، لكن كذلك بدا التخصيب المعمليّ قبل أربعين عامًا. ويؤكد بولسن: "سوف يحدث ذلك".

الوقت ليس في صالح النساء

الواقع هو أن المرأة تولد بكل الخلايا البيضيّة التي مُنحت لها، لكن بمرور الوقت يتناقص مخزونها المبيضيّ، وكذلك تتناقص جودة بويضاتها.

وطالما كان الحديث حول هذا الموضوع مشحونًا بالتوتر. ففي عام 2001 حينما أطلقت الجمعية الأمريكية لطب الإنجاب حملةً دعائيّة تتناول جزئيًّا العقم المرتبط بالعمر، هاجمت المنظمة الوطنية للمرأة الحملة لكونها تعسفيّة ومعادية للنسويّة. وتقول تشن إن رد الفعل هذا يضرّ بالنساء ضررًا كبيرًا؛ فالبويضات الأكبر سنًّا ذات احتمال أكبر للإصابة بشذوذات في الكروموسومات، فضلًا عن أنها أكثر عرضةً للإجهاض وما يليه من حزن. تضيف تشن أن تجميد البويضات عادةً ما يُصور على أنه اختياريّ ونرجسيّ، "يشبه جراحات التجميل أو شراء سيارة ميني كوبر لطيفة"، وفق تعبيرها. إلا أن النساء يواجهن ضغوطًا كثيرة، خاصةً في سن منتصف الثلاثينيات، حيث تعني كل سنة تأخيرٍ للحمل زيادةً في قدرة المرأة على الكسب. وتضيف تشن: "ليست المسألة أن النساء أنانيّات ويحاولن الاهتمام بوظائفهن. الحقيقة أن الكثير من الناس لم يعثروا بعد على شريك حياتهم المناسب".

إلا أن تشن قلقة أيضًا بشأن الاستغلال التجاريّ لتقنية كانت تهدفُ أساسًا إلى مساعدة مريضات السرطان على الحفاظ على خصوبتهنّ خلال فترة العلاج. أما جايك أندرسون-بياليس، المؤسس المشارك بموقع فيرتيليتي آي كيو (FertilityIQ) لتثقيف المستهلك، فلديه قلق من أن النساء لا يدركن أن تناول الهرمونات ثم الخضوع لإجراء سحب البويضات ليس عمليةً صغرى تستغرق وقتًا قصيرًا. فضلًا عن أنه لا يوجد بعدُ ما يضمن أن تُسفر البويضات عن ولادة جنين حي. وسيكون رد الفعل الغاضب هائلًا إذا حاولت العديد من النساء اللاتي يجمِّدن بويضاتهن حاليًّا استخدامها لاحقًا، ليكتشفن أن استثمارهنّ قد فشل. إن السر الدفين لصناعة الخصوبة –حتى الآن- كان ولادات التوائم، ويستمر أندرسون-بياليس قائلًا: "وإن كان هناك من عار سيلحق بها فسيكون هو تجميد البويضات"، وهو يشير بهذا الكلام إلى خطر ألا تكون البويضات صالحةً للحياة بمجرّد إذابة تجميدها –وذلك ناتجٌ مدمِّرٌ للنساء اللاتي بِيع لهنّ الأمل بتجميد البويضات. تتفق سيدارز في أن بعض النساء يبالغن في التفاؤل والثقة حيال ما يمكن للتقنية أن تحققه، مضيفةً: "نضطر إلى أن نكرر للمريضات: ليس ثمّة طفل رضيع في المُجَمِّد، بل "بذرة محتملة" لطفل".