مؤخرًا، صرّح الرئيس دونالد ترامب بأنّ مشكلة تعاطي المواد شبه الأفيونية باتت تشكّل حالة طوارئ وطنية في الولايات المتحدة، وكان ما دفعه إلى هذا التصريح في المقام الأول، الوفيات المرتبطة بتعاطي المواد شبه الأفيونية، التي كانت الأغلبية الساحقة منها من بين إخوتنا وأخواتنا من البيض. وتعهّد الرئيس ترامب بـ"بذل الكثير من الوقت والجهد والمال لحل أزمة تعاطي المواد شبه الأفيونية"، مشيرًا إلى أنها "مشكلة خطِرة لم تشهد البلاد مثلها من قبل".

هذا زعمٌ باطل. فاعتبارًا من أواخر الستينيات من القرن الماضي، تصاعدت أزمة الهيروين حتى آلت إلى حالٍ مماثل، عدا أنّ الصورة المرسومة في الإعلام لمدمن الهيروين آنذاك أنه كان أسود البشرة، ومُعْدَمًا وكان يتورط في ارتكاب جرائم صغيرة متكررة ليُشبِع إدمانه. كان أحد الحلول المتَّبعة هو حبس المتعاطين، وخاصةً بعد تمرير قوانين روكفلر سيئة السمعة للمخدرات التي سنَّتها ولاية نيويورك في عام 1973. وبحلول السنوات الأولى للألفية الثالثة، كان أكثر من 90 بالمئة من الأشخاص الذي حُكم عليهم بموجب تلك القوانين من السود أو من ذوي الأصول اللاتينية، بنسبة تفوق بكثير حجم المتعاطين الذين كانوا يمثلونهم.

يساورني القلق من أن يعمل إعلان أزمة تعاطي المواد شبه الأفيونية كحالة طوارئ وطنية، بالدرجة الأولى، على زيادة الميزانيات المخصصة لإنفاذ القانون، وهو ما من شأنه أن يعجِّل من تصاعد هذا النوع نفسه من التمييز العنصري النمطي. تُظْهر بيانات فدرالية حديثة أنّ أكثر من 80 بالمئة من المدانين بالاتّجار بالهيروين إما من السود أو من أصول لاتينية، على الرغم من أنّ معدلات تعاطي البِيض للمواد شبه الأفيونية أعلى من المجموعات العرقية الأخرى، وأنهم يميلون إلى شراء العقاقير المخدرة من أفراد من داخل مجموعتهم العرقية نفسها.

وادعى الرئيس أيضًا أنّ أزمة تعاطي المواد شبه الأفيونية "مشكلة عالمية". لكنّها ليست كذلك. فالناس في أنحاء أوروبا ومناطق أخرى -حيث المواد شبه الأفيونية متاحة بسهولة ويسر- لا يموتون بمعدلات مماثلة لأقرانهم في الولايات المتحدة، لأسباب أهمها أنّ الإدمان في أوروبا وفي هذه المناطق لا يُعامَل باعتباره جريمة، وإنّما بوصفه مشكلةً تتعلق بالصحة العامة.

بالتأكيد قد يموت المرء من جَرَّاء تعاطيه جرعة مفرطة من أحد المركبات شبه الأفيونية فحسب، ولكن هذا لا يشكل إلا قلةً من تلك الآلاف من الوفيات المرتبطة بتعاطي المواد شبه الأفيونية. إذ ينتج الكثير من الوفيات عندما يخلط أشخاص مادةً شبه أفيونية بمادة مهدئة أخرى (مثل الكحول)، أو أحد العقاقير من مضادات الهستامين (مثل عقار بروميثازين) أو أحد مشتقات البنزوديازيبين (مثل عقار زانكس أو كلونوبين). إن الناس لا يموتون بسبب المواد شبه الأفيونية، إنهم يموتون بسبب الجهل.

وأُضيف إلى القائمة في الوقت الحالي نوعًا آخر من المواد شبه الأفيونية، وهو مخدر فنتانيل، الذي يولّد إحساسًا بالانتشاء يشبه الإحساس الذي يولده الهيروين إلّا أنّه أقوى بكثير. وممّا يزيد الطين بلَّةً، أنه وفق بعض التقارير الإعلامية، أحيانًا ما يُغَشّ الهيروين غير المشروع بمخدر الفنتانيل. ويمكن لهذا الأمر بالطبع أن ينطوي على مشكلات –بل إنه قد يسبب الوفاة- لمتعاطي الهيروين الغافلين الذين يفرطون في تناول كميات كبيرة من هذه المادة ظنًّا منهم أنّها هيروين خالص.

أحد الحلول البسيطة لمواجهة هذه المشكلة هو تقديم خدمات مجانية لاختبار نقاء المواد المخدرة دون الكشف عن الهوية. فإذا كانت العينة تحتوي على مواد مغشوشة، يُبَلَّغ المتعاطون بذلك. هذه الخدمات موجودة بالفعل في مناطق مثل بلجيكا والبرتغال وإسبانيا وسويسرا، إذ يتمثل الهدف الأول في تلك البلدان في الحفاظ على سلامة المتعاطين. وبالمثل يجدُر بالضباط القائمين على إنفاذ القانون أن يُجْروا مثل هذه الاختبارات على المواد المخدرة التي يصادرونها من الشوارع، كما ينبغي عليهم إبلاغ أعضاء المجتمع المحلي كلما اكتُشِفَت مواد مغشوشة يُحتمل خطورتها. بالإضافة إلى ذلك، لا بُدّ من الحرص على أن يكون ترياق الجرعة المفرطة للأفيون، نالوكسون، أيسر تكلفةً وأن يكون متاحًا بسهولة، لا لمقدمي الإسعافات الأولية فحسب، بل أيضًا لمتعاطي المواد شبه الأفيونية وعائلاتهم وأصدقائهم.

لا تُدمن الغالبية العظمى من متعاطي المواد شبه الأفيونية على تعاطيها. وتزيد احتمالات وقوع المتعاطين ضحية الإدمان إذا كانوا من البيض، ومن الذكور، وإذا كانوا شبابًا وعاطلين عن العمل، وإذا كانوا يعانون اضطرابات نفسية مصاحبة لتعاطي المخدرات. ولهذا من الأهمية بمكان إجراء تقييم شامل للمرضى الذين يخضعون للعلاج، مع إيلاء اهتمام خاص لهذه العوامل بدلًا من الاكتفاء بالتركيز على هدف غير واقعي كالقضاء على تعاطي المواد شبه الأفيونية.

في الكثير من البلدان، متضمنةً سويسرا وهولندا وألمانيا والدنمارك، قد يشمل علاج إدمان المواد شبه الأفيونية، إلى جانب علاج المشكلات النفسية والطبية للمريض، إعطاء حقنة هيروين يومية، مثلما قد يحصل مريض داء السكري على حقن يومية من الإنسولين. يعمل هؤلاء المرضى بوظائف عادية ويدفعون الضرائب ويعيشون سنوات مديدة حياةً صحيةً ومنتجة. ومع ذلك، في الولايات المتحدة، لا تنال مثل هذه البرامج نصيبها حتى من النّقاش.

لما يناهز عشرين عامًا، ظل عدد الأمريكيين الذين جربوا تعاطي الهيروين للمرة الأولى مستقرًّا نسبيًّا. وشئنا أم أبينا، لن يتغيّر تعاطي الهيروين تحديدًا والمواد شبه الأفيونية بشكل عام. هذه ليست مصادقةً على تعاطي المخدرات، وإنّما هي تقييمٌ واقعيٌّ للأدلة المستمدة من التجربة. معالجة أزمة المواد شبه الأفيونية بتصريحات دالة على الجهل من قِبَل شخصيات سياسية والاستغلال غير المناسب للأموال العامة لا يجديان نفعًا لضمان سلامة المتعاطين. ربما، ولو لمرة واحدة، يجدر بنا أن نجرّب إجراءات تستند إلى العلم وأثبتت نجاحها.

نُشِرَ هذا المقال في الأصل بعنوان "الناس لا يموتون من جَرَّاء الموادِ شبه الأفيونية".