تخيل رجلًا يبلغ من العمر 60 عامًا، يقضي فترة النقاهة في منزله بعد أن أجرى جراحة سرطان البروستاتا، وينعم بصحبة رفيقه المنزلي المسن من فصيلة جولدن ريتريفر إلى جواره. ما لا يعلمه هذا الرجل على الأرجح أن الكلاب المنزلية –مثل كلبه هذا- يمكنها أن تؤدي دورًا مهمًّا في الجهود الرامية إلى القضاء على المعاناة الناجمة عن الإصابة بمرض السرطان، وكذا خفض معدلات الوفاة بسببه.

يتطلب التغلب على السرطان تطبيق كل ما هو متاح للباحثين من أدوات، ومنها الانفتاح على الأفكار الجديدة. فعلى الرغم من الطفرة غير المسبوقة في فهم الباحثين لما يمكن للخلايا السرطانية أن تفعله بجسم الإنسان، فإن ترجمة هذه المعرفة على أرض الواقع إلى إنقاذ حياة المرضى بطيئة بشكل غير مقبول. فقد اكتشف الباحثون العديد من الأدوية التي تشفي السرطانات التي سببوها في القوارض، بيد أن هذه الأدوية غالبًا ما تواجه صعوبات عند تطبيقها في التجارب البشرية. فنماذج القوارض المستخدمة لمحاكاة السرطانات البشرية غير صالحة لتأدية هذا الغرض. ومن ثَم، إذا كنا نريد أن نهزم السرطان، فعلينا أن نسلك طريقًا آخر لإحراز تقدم في هذا الشأن. لنمعن النظر في هذه الحقائق: أكثر من ثلث العائلات الأمريكية تمتلك كلابًا، ويقدر العلماء أن ما يقرب من أربعة ملايين من هذه الحيوانات ستشخص بإصابتها بالسرطان هذا العام. الكلاب الأليفة والبشر هما النوعان الوحيدان اللذان يصابان بصورة طبيعية بسرطان البروستاتا القاتل؛ كما أن نوع سرطان الثدي الذي يصيب الكلاب المنزلية ينتقل إلى العظام تمامًا كما يحدث في النساء، فضلاً عن أن نوع سرطان العظام الأكثر شيوعًا في الكلاب المنزلية -وهو الساركومة العظمية- هو السرطان عينه الذي يصيب المراهقين.

يؤمن الباحثون في مجال علم الأورام المقارن بأن هذه التشابهات تطرح منهجًا جديدًا لمكافحة مرض السرطان المعضل. ويعمل هؤلاء الباحثون على مقارنة السرطان الذي يحدث بشكل طبيعي في كل من الحيوانات والبشر، حيث يستكشفون أوجه التشابه المدهشة بينهما، وكذا الاختلافات البارزة.

في الوقت الراهن، يضم المتخصصون في علم الأورام المقارن الكلاب المنزلية إلى دراساتهم؛ لرصد العراقيل التي تحول دون الوصول إلى علاجٍ شافٍ لمرض السرطان. ومن ضمن القضايا التي تشغل تفكيرهم؛ التوصل إلى علاجات أفضل، وتحديد أي جرعات من الأدوية ستحقق النتيجة الأفضل، وتحديد العوامل البيئية التي تسبب الإصابة بالسرطان، وفهم أسباب مقاومة بعض الأشخاص للأورام الخبيثة، والتوصل إلى وسيلة للوقاية من السرطان. ويتساءلون لماذا لا نحول الكلاب المنزلية المصابة بالسرطان من واقع يدعو للأسى إلى مصدر طبيعي لمساعدة الكلاب الأخرى وكذا لمساعدة البشر؟

لماذا الاتجاه للكلاب تحديدًا؟

ظل العلماء على مدار عقود يختبرون سُمِّيَّة المواد الجديدة لعلاج السرطان على كلاب البيجل في المختبرات قبل دراسة المركبات في البشر. ولدى المتخصصين في علم الأورام المقارن أسباب مقنعة للاعتقاد بأن الكلاب المنزلية المصابة طبيعيًّا بالسرطان يمكن أن تُستخدم أيضًا كنماذج جيدة لاختبار علاجات جديدة واعدة تهدف إلى القضاء على السرطان.

يرتبط أحد الأسباب بالطريقة التي تُجرَى بها التجارب البشرية. فنظرًا للحاجة إلى التأكد من أن الفوائد المحتملة للعلاج التجريبي تفوق المخاطر، ينتهي الأمر بالباحثين إلى تقييم الأدوية ذات فرص النجاح المحدودة، فيحاولون القضاء على السرطانات الضخمة وفي مراحلها المتقدمة التي لم تستجب لعلاجات سابقة بمواد أخرى. على النقيض من ذلك، يستطيع المتخصصون في علم الأورام المقارن اختبار أفكار علاجات جديدة على السرطانات في مراحلها المبكرة، وتقديم الأدوية بنفس الطريقة التي ستُستخدم بها مع البشر في نهاية المطاف. وعندما تُثبت العلاجات التجريبية نجاحًا مع الحيوانات المنزلية، فإن ذلك سيعطي الباحثين ميزة معرفة العلاجات التي على الأرجح ستساعد المرضى من البشر. لذا فإن المتخصصين في علم الأورام المقارن متفائلون بأن النتائج التي سيتوصلون إليها في الدراسات التي تُجرى على الكلاب ستقدم توقعات أفضل من تلك التي تُجرى على القوارض، وستساعد سريعًا في التعرف على المواد التي ينبغي اختبارها (أو عدم اختبارها) في التجارب البشرية واسعة النطاق.

ويرجع السبب وراء قدرة الكلاب المنزلية على كشف الكثير عن السرطانات البشرية جزئيًّا إلى أنها تصاب بأنواع الأورام نفسها التي تصيب البشر. وثمة أمثلة كثيرة على ذلك، إذ إن أكثر أنواع سرطان الغدد الليمفاوية انتشارًا في الكلاب يشبه الأورام الليمفاوية اللاهودجكن التي تصيب الخلايا البائية من الدرجتين المرتفعة والمتوسطة في البشر. كما أن سرطان الساركومة العظمية -أكثر السرطانات العظمية شيوعًا في سلالات الكلاب كبيرة الحجم- يشبه كثيرًا الساركومة العظمية التي تصيب المراهقين، من حيث أماكن الإصابة في الهيكل العظمي ودرجة شراسة المرض. وتحت المجهر، يصعب التمييز بين الخلايا السرطانية لمراهق مصاب بالساركومة العظمية وبين الخلايا العظمية السرطانية لكلب جولدن ريتريفر. كما أن سرطان المثانة، وسرطان الميلانوما، وسرطان الفم أمثلة أخرى على أنواع السرطانات التي تصيب الكلاب والبشر معًا.

ثمة ضرب آخر من ضروب التشابه، إذ إن إناث الكلاب التي يتم إزالة مبايضها قبل البلوغ أقل عرضة للإصابة بسرطان الثدي، مقارنة بمثيلاتها التي لم تصب بالعقم، وهذا يشبه كثيرًا ما يحدث للنساء اللاتي يُجرين استئصالًا للمبايض، أو اللاتي يتأخر بدء الطمث عندهن، أو اللاتي يبلغن سن انقطاع الطمث مبكرًا، إذ تقل احتمالات إصابتهن بسرطان الثدي. بيد أن علم الأحياء ثري بالمبادلات؛ إذ يدرك الباحثون الآن أن العوامل البيولوجية نفسها التي يبدو أنها تساعد على حماية النساء وإناث الكلاب من الإصابة بسرطان الثدي، قد يكون ثمنها هو تعجيل الشيخوخة وقصر العمر.

هناك سمة أخرى مشتركة بين السرطانات التي تصيب الكلاب وتلك التي تصيب البشر؛ وهي النقيلة أو انتشار الخلايا السرطانية إلى أماكن بعيدة في جميع أنحاء الجسم، مما يمثل تهديدًا لحياة المصاب. ومن الأولويات البحثية الحالية حل لغز كيفية انتقال الخلايا السرطانية إلى أعضاء محددة. فعندما تنتقل أنواع معينة من السرطان إلى أعضاء بعيدة، فإنها تفضل الانتشار في أنسجة معينة دون أنسجة أخرى لأسباب لا تزال غير واضحة تمامًا. ونظرًا لأن انتشار السرطان هو السبب الرئيسي لأغلب الوفيات الناجمة عن الإصابة به، فإن الباحثين يسعون إلى فهم أفضل للعوامل المتحكمة فيه. وقد تثبت الدراسات التي تجرى على الكلاب المنزلية المصابة بسرطان البروستاتا أو الثدي فائدتها في هذا الشأن تحديدًا؛ لأن هذه السرطانات غالبًا ما تنتشر في الكلاب كما تنتشر في البشر– إلى الهيكل العظمي.

ثمة أسس نظرية أعمق يستند إليها العلماء أيضًا في اعتقادهم بأن الكلاب الأليفة تشكل نماذج جيدة لدراسة السرطان في البشر. فقد لاحظ علماء الأحياء التطورية أن الكلاب والبشر يشبهون سيارات سباق إندي، وخط النهاية بالنسبة لهما هو النجاح في التكاثر؛ فتصميم كل من البشر والكلاب -على غرار هذه السيارات- يركز على الفوز بالسباق، ولكن بعد ذلك لا يهم السرعة التي تنهار بها. هذا التصميم يجعلنا غير مجهزين لمقاومة الأضرار الجينية التي تتراكم داخل أجسادنا أو إصلاحها. وفي النهاية يمكن أن تتسبب هذه الأضرار في إفساد الخلايا بصورة كافية للإصابة بالسرطان. في الماضي البعيد، لم يكن من المعتاد أن يعيش أسلافنا الفترات الكافية التي تسمح لهم بالإصابة بالسرطانات المرتبطة بتقدم العمر. لكن النظام الصحي والطب الحديث جعلا طول العمر والإصابة بالسرطانات المرتبطة بتقدم السن أمورًا شائعة، وينطبق الأمر نفسه أيضًا على الحيوانات الأليفة. فالكلاب المنزلية، التي نحرص على حمايتها من الافتراس والأمراض، تعيش فترات أطول من أسلافها من الكلاب البرية، ومن ثَم أصبحت أكثر عرضة للإصابة بالسرطان في هرمها. ولذلك عندما يتعلق الأمر بمخاطر الإصابة بالسرطانات المرتبطة بطول الأعمار، نجد تشابهًا كبيرًا بين الكلاب والبشر.

وبعيدًا عن كون الكلاب تصاب بسرطانات تشابه تلك التي تصيب البشر، فإن هذه الحيوانات تُعَد أيضًا مصادر قيمة للمعلومات لأسباب أخرى. مقارنة بالبشر، يعد متوسط أعمار الكلاب قصيرًا، مما يتيح للعلماء سريعًا إمكانية تحديد ما إذا كانت استراتيجية الوقاية الجديدة أو العلاج الجديد لديها فرصة جيدة في تحسين معدلات الشفاء من المرض في البشر أم لا. وأخيرًا، وعلى الرغم من زيادة قدرة الأطباء البيطريين على علاج السرطان مقارنة بالماضي، لا تزال العلاجات المعتادة لكثير من الأورام التي تصيب الكلاب غير فعالة. ونظرًا لأن أغلب الكلاب التي تشخص إصابتها بالسرطان يكون مصيرها الموت، يتوق أصحابها إلى تسجيلها في التجارب السريرية التي ربما تنقذ حياتها، وربما أيضًا توفر الدليل اللازم لنقل العلاجات الواعدة إلى مرحلة التجارب السريرية البشرية.

 

علاجات السرطان المتقدمة

العديد من الدراسات حول علاج السرطان التي تضم كلابًا أُجريت بالفعل أو بدأ تنفيذها. ركزت بعض الجهود البحثية المبكرة على إنقاذ أطراف المراهقين المصابين بسرطان العظام. قبل ثلاثين عامًا، كانت الإصابة بالساركومة العظمية في المراهقين تعني بتر الطرف المصاب، وبدء العلاج الكيميائي (أدوية يتم حقنها في مجرى الدم لتهاجم الأورام في أي مكان بالجسم) غير الفعال أو عدم اللجوء إلى العلاج الكيميائي من الأساس، والموت المحقق. أما اليوم، فيمكن تجنب بتر الأطراف من خلال استئصال الأنسجة العظمية المصابة والاستبدال بها من خلال التطعيم العظمي، وزراعة جزء معدني؛ وهي عملية حققت نتائج ممتازة في الكلاب على يد ستيفن ويثرو وزملائه في جامعة ولاية كولورادو. ابتكر فريق ويثرو أساليب تقنية متطورة تقلل من احتمالية حدوث مضاعفات، مثل وضع أسمنت العظم في الفراغ النخاعي للطُّعم العظمي. كما أوضح الباحثون أن العلاج الكيميائي السابق للجراحة، الذي يُحقن مباشرة في الشريان، يمكن أن يحيل الورم غير القابل للجراحة إلى ورم قابل للجراحة. ويرجع الفضل في الزيادة الملحوظة في نسبة المراهقين الذين يمكن علاجهم اليوم من الساركومة العظمية إلى الجهود البحثية لهذا الفريق.

على الرغم من أن الآثار الموضعية للورم غالبًا ما يتم السيطرة عليها عن طريق الجراحة أو العلاج الإشعاعي، فإن انتقال الورم إلى عضو آخر أصعب في مكافحته، ولذلك يلزم الاستعانة بالعلاج الدوائي. وتهدف المركبات الجديدة قيد التطوير إلى إحداث خلل في العمليات الخلوية الرئيسية التي تنظم بقاء الخلايا السرطانية المنتشرة وتكاثرها، وكذلك درجة حساسيتها للأدوية المضادة للسرطان. فعلى سبيل المثال، يختبر الباحثون أدوية تجريبية تمنع تكوُّن أوعية دموية جديدة، والتي تدعم نمو الورم وانتقاله إلى الأعضاء الأخرى. ويمكن أن توفر التجارب المبكرة لهذه الأدوية على البشر والكلاب بالتوازي فهمًا أعمق لآليات مكافحة السرطان، وتساعد في تحديد الظروف السريرية التي تجعل تلك الأدوية فعالة لأقصى درجة.

بدأ الباحثون المتخصصون في أمراض السرطان يحولون اهتمامهم إلى أنواع معروفة أكثر من المستحضرات الدوائية، مثل الأدوية المضادة للالتهاب اللاستيرويدية، وهي عائلة المركبات التي تشمل إيبوبروفين. وقد أظهرت بعض مضادات الالتهاب اللاستيرويدية نشاطًا ملحوظًا في مقاومة الأورام مع مجموعة من الأورام السرطانية في الكلاب. ففي دراسات أُجريت على الكلاب المصابة بسرطان المثانة، على سبيل المثال، أظهر عقار بيروكسيكام تأثيرًا قويًّا مضادًّا للورم، حتى إن النتائج مهدت الطريق لإجراء تجارب سريرية بشرية على أدوية أخرى من عائلة مضادات الالتهاب اللاستيرويدية (مثل عقار سيليكوكسيب، المثبط لإنزيم السيكلوأوكسيجيناز-2) التي يمكن أن تعزز تأثير أدوية العلاج الكيميائي التقليدية.

ولا يقتصر تطوير علاجات جديدة للسرطان على اكتشاف أدوية جديدة فحسب، ولكن يشمل أيضًا تحسين طريقة إيصال الدواء إلى العضو المراد علاجه؛ فهل من الأفضل أن تأخذ الدواء بالحقن في الوريد أم عبر الأنف؟ هذا هو نوع المعلومات الذي يحتاج إليه العلماء الذين يختبرون أدوية جديدة لعلاج سرطان الرئة. فإذا لم تنجح الكمية المناسبة من الدواء في الوصول إلى الورم، فإنه حتى المواد التي أثبتت فاعليتها بنجاح في قتل الخلايا السرطانية في طبق بتري بالمختبر لن تحظى بفرصة للنجاح مع المرضى من البشر. بالإضافة إلى ذلك، فإن توصيل الدواء مباشرة إلى الهدف –أو ما يُطلق عليه العلاج الموضعي– يتسم بميزة إضافية، هي تجنب السمية المصاحبة للعلاجات غير الموضعية التي تنتشر في الجسد كله.

استخدم الباحثون الكلاب الأليفة لدراسة تقديم أحد أنواع بروتين السيتوكين -وهو جزيء صغير بالنظام المناعي، يطلق عليه إنتـرلوكين-2، عن طريق الأنف لعلاج سرطان الرئة. النتائج الإيجابية من هذه التجارب قادت إلى الانتقال إلى المرحلة التالية من التجارب، وهي اختبار العلاج بالإنترلوكين-2 بالاستنشاق مع المرضى من البشر المصابين بسرطان الرئة، وهو ما أدى بدوره إلى إجراء المزيد من التجارب على نوع آخر من بروتين السيتوكين، وهو عبارة عن عامل محفِّز لمستعمرات خلايا الدم البيضاء الحُبيبية. كما يمكن أن تساعد الكلاب الأليفة الباحثين في تحسين بروتوكولات ضبط الجرعات، وسبل إعطاء الأدوية التي نجحت في الوصول إلى مرحلة التجارب البشرية. ثمة تحدٍّ آخر تساعد الكلاب في تخطيه، ألا وهو تحديد مدى انتشار الورم، فيما يُعرَف باسم التصنيف السريري لمراحل الورم. والتحديد الدقيق للمرحلة التي وصل إليها الورم أمر شديد الأهمية في إعداد خطط علاجية يحقق منها المريض أقصى استفادة، وفي الوقت نفسه يقلل من إمكانية التعرض لعلاجات حادة من غير المحتمل أن تفيد في مرحلة معينة من المرض. فعلى سبيل المثال، تزداد احتمالات أن ينجو مراهق بعد إصابته بساركومة عظمية من خلال التحديد الدقيق لانتقال الورم إلى الرئة (وما يتبع ذلك من استئصال جراحي للورم).

عادةً ما يحدد الأطباء الأماكن التي انتقل إليها الورم ومدى انتشاره باستخدام تقنيات تصوير غير جراحية، مثل التصوير المقطعي المحوسب. ولتقييم دقة هذا المسح، التقط ديفيد واترز -بالاشتراك مع باحثين بكلية الطب بجامعة إنديانا- صورًا مقطعية لرئة بعض الكلاب التي انتقل سرطان العظام فيها إلى الرئة، ثم اختبروا النسيج تشريحيًّا للتأكُّد من أن ما ظهر بالصور ورم فعلًا وليس خطأ. وقد أظهرت النتائج أن أحدث تقنيات التصوير المقطعي -النوع نفسه المستخدم في التصنيف السريري لمراحل سرطان العظام لدى المراهقين– تُظهر انتقال الخلايا السرطانية إلى الرئة بصورة أقل من العدد الحقيقي بكثير. وبعد أن ثبتت الدقة المحدودة التي تتسم بها التقنيات الحالية والتجريبية، فإن الكلاب المنزلية تساعد على تطوير الجيل التالي من التقنيات لتحسين القدرة على الكشف عن السرطان.

السعي نحو الوقاية من السرطان

بيد أن الباحثين في أمراض السرطان يهدفون إلى ما هو أكثر من مجرد تحسين تقنيات الكشف عن السرطان وإيجاد علاجات أفضل له؛ فهم يطمحون أيضًا إلى الوقاية من المرض. ومن المثير للدهشة أن مفهوم الوقاية جديد إلى حد ما في المجتمع البحثي حول مرض السرطان. فالحقيقة التي يعلمها أطباء القلب منذ مدة طويلة –ألا وهي إمكانية إنقاذ ملايين الأرواح عن طريق الوقاية من أمراض القلب– أصبحت الآن تحظى بقبول ورواج في مجال أبحاث السرطان. لقد صِيغَ مصطلح "الوقاية الكيميائية" من السرطان قبل أربعين عامًا للإشارة إلى إعطاء أدوية للمرضى بهدف الوقاية من الإصابة بالسرطان، إلا أن العلماء لم يجتمعوا للنقاش حول سبل الوقاية الفعالة من السرطان حتى أكتوبر عام 2002.

تتصاعد اليوم وتيرة الأبحاث في هذا الشأن؛ إذ يختبر الباحثون مجموعة متنوعة من مركبات الوقاية من السرطان المحتملة. غير أن تحديد الجرعة المناسبة للمركبات الواعدة دائمًا ما يشكل تحديًا، فقد أدى الفشل في تحقيق ذلك إلى حدوث نتائج كارثية في بعض التجارب البشرية المبكرة التي أُجريت على مركبات وقائية. فعلى سبيل المثال، في تجربتين كبيرتين على مركبات للوقاية من سرطان الرئة، أدى تناول الأشخاص لجرعات كبيرة من العنصر الغذائي المضاد للتأكسد بيتا-كاروتين إلى حدوث "زيادة" غير متوقعة في معدلات الإصابة بسرطان الرئة بين الأفراد في مجموعة التجربة، مقارنة بالأفراد في المجموعة المرجعية الذين تلقوا علاجًا وقائيًّا كاذبًا.

هل يمكن أن تساعد الكلاب على تسريع وتيرة التقدم في أبحاث الوقاية من السرطان؟ لقد ساعدت الدراسات على الكلاب بالفعل في تحديد جرعة عنصر مضاد للأكسدة -وهو معدن السيلينيوم الزهيد- الذي يحد من الخلل الجيني المؤدي إلى الإصابة بسرطان البروستاتا لدى كبار السن. وكانت النتيجة التي ساعدت الكلاب على التوصل إليها هي أنه عندما يتعلق الأمر بتناول مكملات غذائية مثل السيلينيوم لتقليل خطر الإصابة بالسرطان، فليس من الضروري أن يكون تناول كميات كبيرة من المعدن المفيد أمرًا جيدًا؛ فالكلاب المسنة التي تناولت جرعات معتدلة من السيلينيوم انخفضت لديها معدلات تضرر الحمض النووي في البروستاتا مقارنة بالكلاب التي تناولت جرعات أقل أو أعلى. ويرى المتخصصون في علم الأورام المقارن أن الدراسات حول الكلاب التي أجريت قبل بدء التجارب البشرية الوقائية الموسعة يمكن أن تيسر عملية تحديد الجرعات الأكثر فاعلية لمواد الوقاية من السرطان، ويمكن أن تساعد المتخصصين في علم الأورام المقارن على توجيه ضربة دقيقة إلى الخلايا السرطانية.

يمكن أن تساعد الكلاب المنزلية في وقاية البشر من السرطان بطريقة أخرى. فعلى مدار سنوات ساعدت الكلاب في معامل الأبحاث على تحسين فهم الآثار الخطيرة وطويلة المدى للجرعات الكبيرة من المواد الكيميائية المسببة للسرطان، غير أن الكلاب المنزلية يمكنها كذلك أن تلعب دور الحارس وهي لا تفعل أكثر من ممارسة حياتها اليومية العادية؛ وذلك من خلال التعرف على المواد المسببة للسرطان الموجودة بجرعات منخفضة في منازلنا أو حولنا. فإذا كان هناك شيء ما حولنا يمكن أن يسبب الإصابة بالسرطان، فإن المرض سيظهر في الحيوانات المنزلية قبل ظهوره في البشر بفترة طويلة؛ نظرًا لقصر أعمارها.

يمكن الاستشهاد بالأسبستوس على سبيل المثال؛ إذ تنتج معظم حالات الإصابة بورم المتوسطة الخبيث أو ما يعرف بالميزوثليوما (ورم خبيث يصيب الأنسجة المبطنة للصدر والبطن) عن التعرض للأسبستوس. وقد تظهر الأعراض بعد مرور ما يصل إلى ثلاثين عامًا من التعرض للمادة المتسببة في الإصابة بالمرض. توصل الباحثون الآن إلى أدلة تثبت أن ورم المتوسطة في الكلاب المنزلية مرتبط إلى حد كبير بالتعرض للأسبستوس، الذي غالبًا ما يكون في أثناء وجودها بالقرب من صاحبها الذي تعرض لتلك المادة في أثناء العمل أو ممارسة هواية ما. ولكن في الكلاب تقل الفترة التي تفصل بين التعرض للأسبستوس وتشخيص الإصابة بالورم نوعًا ما فتكون أقل من ثماني سنوات. ومن ثَم، فإن ظهور السرطان في الكلب قد يحذر أصحابه ويحثهم على البحث عن أي مصادر متبقية من الأسبستوس والتعامل معها على الفور. كما قد تؤدي المراقبة الدقيقة للأفراد الذين تعرضوا للأسبستوس إلى التشخيص المبكر لورم المتوسطة، وبالتالي زيادة احتمالات الشفاء.

كما يمكن أن تساعد الكلاب المنزلية في اكتشاف مخاطر بيئية أخرى. فهناك العديد من الأدلة التي تشير إلى احتواء بعض المناطق الجغرافية على نسب مرتفعة من حالات الإصابة بأنواع محددة من السرطانات. فعلى سبيل المثال، تشهد مقاطعة مارين بولاية كاليفورنيا معدلات عالية للإصابة بسرطان الثدي تحديدًا لدى النساء اللاتي يعشن فيها. ويحاول العلماء تحديد العوامل التي تسهم في الإصابة بالسرطان في تلك المناطق من خلال مقارنة العوامل الوراثية وسلوكيات الأشخاص المصابين بالمرض وغير المصابين. ولدفع هذه الجهود قدمًا، يضع المتخصصون في علم الأورام المقارن سجلات للأورام السرطانية التي تصيب الكلاب المنزلية في تلك المناطق. وإذا ثَبَتَ أن معدلات الإصابة بالسرطان أعلى من المعدلات الطبيعية في كلٍّ من الحيوانات المنزلية والبشر الذين يعيشون في مجتمع معين، فإن ذلك يدعم الشكوك حول وجود شيء ما في البيئة المحيطة يسبب الإصابة بتلك السرطانات.

بل قد يسهم تحليل أنسجة الكلاب في الإسراع من التعرف على مصدر الخطر تحديدًا. الكثير من المواد الكيميائية السامة، مثل المبيدات الحشرية، تتركز في دهون الجسم. لذا قد يكون من المنطقي جمع الأنسجة من الكلاب عند إجراء العمليات الجراحية الاختيارية الشائعة (على سبيل المثال، عمليات إزالة المبايض) أو في أثناء التشريح. بعد ذلك، إذا ما وقعت في منطقة معينة إصابات بين البشر بنوع معين من السرطان بأعداد أكبر من المعتاد، يمكن للباحثين تحليل مستويات المواد الكيميائية المختلفة في العينات، لمعرفة ما إذا كانت أي من هذه المواد موجودة بنسبة ملحوظة وتستحق الدراسة بوصفها عاملًا محتملًا للإسهام في الإصابة بالمرض.

لماذا لم يصب أجدادنا بالسرطان؟

مع شيوع الإصابة بالسرطان في الكلاب المنزلية، قد تساعدنا تلك الحيوانات في حل لغز قديم. كل منا تقريبًا لديه أحد أقاربه الذي كان يدخن علبتين من السجائر يوميًّا ومع هذا لم يصب بسرطان الرئة قَط. إذًا فما العوامل التي تجعل الجسم مقاومًا للسرطان؟ إحدى الطرق لمعرفة الإجابة على هذا السؤال هي إيجاد الأفراد الذين لديهم مقاومة للإصابة بالسرطان وإخضاعهم للدراسة عن كثب عن طريق دراسة جيناتهم ونظامهم الغذائي ونمط حياتهم.

وقد عثر الباحثون على هؤلاء الأشخاص بالفعل؛ وهم "المعمرون المئويون"؛ فقد تبين أن معظم الأشخاص الذين يعيشون حتى يصل سنهم إلى مئة عام يموتون بسبب اضطرابات أخرى غير السرطان. بيد أنه من المستحيل تقريبًا الحصول على معلومات يُعتَد بها من سيدة تبلغ من العمر 102 من الأعوام حول عاداتها الغذائية، وأنشطتها البدنية في سن المراهقة أو عندما كانت في منتصف الأربعينات. لذا طرح واترز سؤالًا بسيطًا: هل ظاهرة مقاومة السرطان في المعمرين تنطبق أيضًا على الكلاب المنزلية؟ وجاءت الإجابة: نعم. ومن خلال التحدث إلى أصحاب الكلاب المنزلية المسنة، يستطيع المتخصصون في علم الأورام المقارن وضع سجلات دقيقة لتاريخ حياة تلك الكلاب "المعمرة". وإذا ما اجتمع هذا الاحتمال مع إمكانية جمع عينات بيولوجية (مثل الدم، لاستخدامه في التحليل الوراثي ولإجراء اختبارات لفحص وظائف الأعضاء) من كلاب مسنة، وكذلك من عدة أجيال من نسلها، سيكون لدى الباحثين معمل ميداني فريد من نوعه لاستكشاف العوامل الوراثية والبيئية لمقاومة السرطان.

كما يمكن التعامل مع لغز مقاومة السرطان بطريقة أخرى؛ عن طريق فحص الاختلافات في القابلية للإصابة بالسرطان بين الكلاب والبشر. في البشر، من المعروف أن السمنة والطعام الغني بالدهون الحيوانية تزيد من مخاطر الإصابة بسرطان القولون. على النقيض، فإن سرطان القولون غير شائع في الكلاب رغم أن العديد من الكلاب المنزلية لديها سمنة وتعتمد على نظام غذائي غني بالدهون. ويفكر العلماء الآن في استخدام الكلاب "كنموذج سلبي" لسرطان القولون أملًا في تحديد العوامل التي يمكن أن تنقل هذه المقاومة للسرطان إلى الأشخاص الذين يجعلهم نمط حياتهم عرضة للإصابة بسرطان القولون. كما أن معرفة عوامل المقاومة قد يشير إلى وسائل جديدة للتدخل في حالة الأشخاص الذين ليست لديهم مقاومة للسرطان.

جهود متنامية

تاريخيًّا، كانت أبحاث علم الأورام المقارن تُجرى في مستشفيات الجامعات ومعاملها، حيث كان يتم تدريب المتخصصين في سرطانات الحيوان. غير أن مؤسسات أخرى بدأت تدرك أهمية وإمكانات هذا النوع من الأبحاث الذي سيُترجم في صورة توفير رعاية صحية أفضل للناس، وقد أصبح لهذه المؤسسات حاليًّا دور فعّال في أبحاث علم الأورام المقارن.

بدأت مؤسسة "جيرالد بي. مورفي للسرطان" في عام 2001 في تسريع اكتشاف أساليب متقدمة للوقاية من سرطان البروستاتا والعظام الذي يصيب البشر والحيوانات وعلاجهما. ولفهم العلاقة بين السرطان والتقدم في العمر بصورة أفضل، طور "مركز دراسات التقدم الاستثنائي في العمر" Center for Exceptional Longevity Studies التابع للمؤسسة، قاعدة بيانات تضم أكثر من 300 من الكلاب المعمرة، تركز على الكشف عن آليات مقاومة السرطان التي تتميز بها هذه الكلاب الأطول عمرًا. وفي عام 2003، طور المعهد الوطني للسرطان "برنامج علم الأورام المقارن"، الذي يصمم تجارب تشمل الكلاب وحيوانات منزلية أخرى مصابة بالسرطان، ويوفر للباحثين كاشفات عالية الجودة خاصة بالكلاب التي يحتاجون إليها من أجل إجراء دراسات متعمقة للبيولوجيا الجزيئية وكيمياء البروتينات والتحليل الجيني لأورام الكلاب.

علاوة على ذلك، فقد اكتملت جهود تحديد التسلسل الجينومي الخاص بالكلاب؛ إذ إن اكتشاف ارتباط جين محدد بأحد أنواع السرطان التي تصيب الكلاب، سيتيح للباحثين معرفة ما إذا كان نفس الجين مرتبطًا أيضًا بالسرطان في البشر، وكيف يحدث ذلك. فدراسة كلاب "ترير الأسكتلندية" المصابة بسرطان المثانة، وكلاب "روتفايلر" المصابة بسرطان العظام، وكلاب "جولدن ريتريفر" المصابة بسرطان الغدد الليمفاوية، يمكن أن تساعد في توضيح المزيج الكارثي بين العوامل الوراثية والبيئية الذي أدى إلى الإصابة بالسرطان.

بالطبع هناك نقاط قصور في استخدام الحيوانات في محاكاة السرطان البشري، سواء كنا نتحدث عن القوارض أو الكلاب أو أي من الحيوانات الأخرى. فلا يوجد نموذج حيواني واحد مثالي لمحاكاة السرطان. أفضل ما يمكننا التوصل إليه علميًّا، هو طرح أسئلة جيدة ثم استخدام الأدوات البحثية التي من المرجح أن تقودنا إلى إجابات ذات معنى. وفي بعض الأحيان، فإن اتباع هذه القاعدة في أبحاث السرطان سيعني الاتجاه نحو الكلاب للتوصل إلى تلك المعلومات التي يصعب الحصول عليها.

التشابهات المثيرة للاهتمام بين السرطانات التي تصيب الكلاب المنزلية والبشر -والتي كانت تشكل يومًا ما محض أمر مثير للفضول– تُطبق حاليًّا بشكل منظم لتحويل السرطان من مرض قاتل إلى تجربة مزعجة غير مميتة. لا يستحث المتخصصون في علم الأورام المقارن الإصابة بالسرطان في الحيوانات، ولكنهم يعالجون الكلاب التي تعاني من نفس أنواع السرطانات القاتلة التي تصاب بها بصورة طبيعية هي وأصدقاؤها من البشر. إنهم يجعلون أصدقاءنا من الكلاب يقتفون أثر قاتل بطرق قد تؤدي إلى إنقاذها وإنقاذ البشرية.

 

 

النموذج الحيواني المثالي: مفهوم خطأ

يجادل بعض الخبراء بأن التقدم الذي تحقق في مجال البحث عن علاج للسرطان كان بطيئًا بصورة مخيبة للآمال بسبب وجود قصور في النماذج الحيوانية المتاحة لمحاكاة سرطانات البشر. لكن ربما لا تكمن المشكلة في الحيوانات نفسها، ولكن في طريقة استخدامها وما نجبرها على أن تقوله لنا.

وفقًا لتعريف القاموس، فإن النموذج ما هو إلا "تقليد"، ومن ثَم فإن النموذج الحيواني للسرطان ليس مطابقًا لإنسان مصاب بالسرطان. غالبًا ما يتم إنتاج نماذج من القوارض عن طريق إصابتها بالسرطان بشكل فوري– أي عن طريق حقنها بخلايا سرطانية، أو تعريضها لجرعات مسرطنة أعلى من الجرعات التي قد يتعرض لها أي إنسان على الإطلاق. ومن المشكوك فيه أن يكون السرطان الناتج عن هذه الطريقة محاكيًا بدقة لعملية معقدة تستغرق غالبًا في البشر أكثر من 20 إلى 30 عامًا لكي تظهر في صورة مرض. أما السرطانات التي تصاب بها الحيوانات بصورة طبيعية، مثل تلك التي تصيب الكلاب المنزلية، فتتيح الفرصة لدراسة هذه العملية المعقدة بطريقة أقل افتعالًا.

بيد أنه لا يوجد نموذج حيواني واحد قادر على الإجابة عن كافة الأسئلة المهمة المرتبطة بالوقاية أو العلاج من نوع معين من السرطان في البشر. سيستفيد الباحثون أكثر إذا ما وجهوا اهتمامهم نحو وضع أسئلة محددة بعناية، ثم تركوا الأسئلة تحرك عملية اختيار النموذج المناسب؛ فبالنسبة لبعض الأسئلة، ستقدم مزرعة الخلايا أو دراسات القوارض الإجابات المناسبة. وبالنسبة للبعض الآخر، سيتوجب على الباحثين اللجوء إلى دراسة البشر. ووفقًا لهذا المفهوم، ستكون التجربة السريرية البشرية شكلًا من أشكال الأبحاث على النماذج الحيوانية؛ حيث تُستخدَم مجموعة محددة من الأفراد لتمثيل المجتمع البشري ككل. – ديفيد جيه. واترز


مقاومة السرطان: دروس مستفادة من المعمَّرين

تزداد احتمالية الإصابة بمعظم أنواع سرطانات البشر والكلاب بشكل هائل مع التقدم في العمر. وقد أدى هذا النمط إلى الاعتقاد بأن السرطان ببساطة هو نتيجة لتراكم الخلل الجيني مع مرور الزمن، غير أن الدراسات الحديثة لأشخاص عاشوا حتى سن مئة عام (المئويون) تكشف عن مفارقة مثيرة للاهتمام؛ إذ تقل احتمالية وفاة المعمرين الموغلين في الكبر بالسرطان مقارنة بالأشخاص الذين يموتون في عمر السبعين أو الثمانين عامًا. فهل تمتلك الكلاب المعمرة الموغلة في الكبر مقاومة مماثلة للوفاة بالسرطان؟

للإجابة عن هذا السؤال، استشرت أنا وزملائي مالكي الكلاب، وكذا أطباء بيطريين لإنشاء سجلات طبية على مدار عمر الحيوانات لمجموعة كبيرة من كلاب الروتفايلر التي تعيش في أمريكا الشمالية. ووجدنا أن احتمالات نفوق الكلاب نتيجة الإصابة بالسرطان في خلال عامين زادت بزيادة العمر بعد مرحلة البلوغ، وانخفضت احتمالات نفوقها من السرطان بعد عمر 10 سنوات. بالإضافة إلى ذلك، كانت احتمالات نفوق الكلاب المتقدمة في السن بشكل استثنائي (التي تخطت أعمارها ثلاث عشرة سنة) بالسرطان أقل بكثير من الكلاب التي تعيش أعمارًا عادية، في حين استمرت احتمالات النفوق لأسباب أخرى في ازدياد.

تثير هذه النتائج الاحتمالية المثيرة للاهتمام أن الدراسات التي تقارن الكلاب المعمرة الموغلة في الكبر بنظيراتها التي تعيش أعمارًا عادية قد تكشف اللثام عن الجينات المسؤولة عن تنظيم مقاومة السرطان. التبايُن الجيني (أو ما يُطلَق عليه تعدد الأشكال) المسؤول عن مقاومة السرطان والتقدم الاستثنائي في العمر في الكلاب يمكن تقييمه لمعرفة ما إذا كان أيضًا ممثلًا بإفراط في المعمرين من البشر. وإذا كان الأمر كذلك، يمكن للعلماء أن يحاولوا اكتشاف كيف تغير التفاعلات الجزيئية، التي تنظمها تلك الجينات، من مدى قابلية الأفراد للإصابة بالسرطان على المستوى النسيجي.

في الوقت الحالي، فإن الطبيعة الدقيقة لقدرة المعمَّرين المئويين من البشر على مقاومة السرطان غير محددة بالقدر الكافي. وتُجرى حاليًّا دراسات تشريحية مفصلة على الكلاب المعمَّرة للوقوف على هذا الأمر. وهذه الدراسات من شأنها أن تحدد ما إذا كانت مقاومة السرطان ناتجة عن تثبيط كامل للأحداث البيولوجية التي تسبب الإصابة بالسرطان -على سبيل المثال، زيادة إصلاح الأضرار التي تلحق بالحمض النووي- أو ما إذا كانت الأورام تنشأ بالفعل ولكنها من النوع الذي لا يمثل تهديدًا للحياة. ومن خلال التعمق في فهم الأسس الجينية والمرضية لمقاومة السرطان في الأفراد المعمرين، سيكون العلماء في وضع أفضل لتطوير الإجراءات العملية التي تسهم في تقليل احتمالات إصابة الشخص العادي بالسرطان.