هل المعادلات الرياضية جميلة؟ بالنسبة للعلماء، إن قدرة المعادلات على تمثيل الحقائق الأساسية أو تمثيل التعقيد في صورة موجزة أمر رائع حقًّا. لكن بالنسبة للعديد من عوام الناس، قد تكون مخالفة تمامًا لمعنى الجمال؛ أي أنها قد تكون مرعبة وعملية ومبهمة. أما بالنسبة لآخرين، فإن هذا الغموض في حد ذاته له إغراء؛ فحتى عندما لا نستطيع فهم ما تقوله المعادلات، من الممكن أن نتأثر لمجرد معرفتنا بأن لها معانٍ تفوق إدراكنا. وعلماء الرياضيات وغيرهم على حد سواء ينجذبون إلى الشكل الجمالي المحض لهذه التعبيرات التي تندمج رموزها الرشيقة والغامضة أحيانًا بطريقة جذابة بصريًّا.

ولاستكشاف الجمال الكامن وكذلك البصري للرياضيات، تعاون دانيال روكمور -عالِم الرياضيات في كلية دارتموث- مع بوب فيلدمان من شركة "باراسول برس"، التي تختص بنشر مطبوعات الفنون الجميلة. وطلبا من عشرة علماء رياضيات وعلماء فيزياء مشهورين أن يكتبوا ما يرون أنه "التعبير الرياضي الأجمل"، وطلبا من مطبعة هارلن وويفر تحويل إجاباتهم إلى نقوشات محفورة بالطباعة المائية مقاس 22 ×30 بوصة. ويقول روكمور: "كنت حريصًا على ألا أعطي أي تعليمات أكثر من تلك العبارة. وكما تُظهر هذه اللوحات المطبوعة العشر، فإنها تعني أمورًا مختلفة للأشخاص المختلفين".

وقد اختار العديد معادلات كلاسيكية مثل المعادلة الشهيرة لإسحاق نيوتن، والتي كانت اختيار ستيفن سميل. بينما اختار آخرون تعبيرات رياضية أقرب إلى تخصصاتهم، بما فيها معادلات اكتشفوها بأنفسهم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمجال اهتمامهم البحثي الذي أفنوا فيه أعمارهم؛ على سبيل المثال، معادلة ماكدونالد التي اختارها فريمان دايسون. ويقول روكمور: "أحب المعادلة التي اختارها دايسون. إنها رقيقة وأنيقة، وحادة للغاية بصريًّا. كما أنها جميلة بنقاط التعجُّب الصغيرة تلك التي تدل على العوامل".

وقد أُطلق على هذا المشروع اسم "كونشنيتاس"، نسبة إلى المصطلح الذي استخدمه عالِم عصر النهضة الإيطالي ليون باتيستا ألبيرتي لوصف تَوازُن العناصر الضروري للفن الجميل. وقد عُرضت المجموعة للمرة الأولى في ديسمبر عام 2014 في معرض أنيماري فيرنا في زيورخ، ومنذ ذلك الحين تكرر عرضها في خمسة معارض أخرى، وهناك خطط للسفر لعرضها في أماكن أخرى في الأشهر القادمة. ونستعرض في هذا المقال خمسًا من اللوحات المطبوعة.

 

قانون أمبير

اختيار سايمون دونالدسون، جامعة ستوني بروك

بدلًا من اختيار معادلة واحدة، كتب دونالدسون ثلاث معادلات ورسم صورة لسلك مربوط في شكل عقدة. التيار (J) يسري عبر السلك باتجاه الأسهم الكبيرة ويُنتِج مجالًا مغناطيسيًّا (B) في الاتجاه المحدد بالأسهم الصغيرة. هذه المعادلات الثلاث هي "قانون أمبير" الذي يوضح كيف يُنتج التيار الكهربائي مجالًا مغناطيسيًّا. وتمثل الصورة والمعادلات معًا الرابط بين الكهرومغناطيسية والطوبولوجيا؛ وهي الفرع من الرياضيات الذي يهتم بالعقد والعلاقات المكانية. ويقول دونالدسون إنه يرى الجمال في الكشف عن مثل تلك "الروابط الجديدة بين الأشياء التي كان المرء في السابق يعتبرها مختلفة تمامًا". على سبيل المثال، من خلال تطبيق بعض أفكار ورياضيات الكهرومغناطيسية على دراسة العقد، وجد الباحثون طرقًا جديدة لتحديد ما إذا كانت العقد المختلفة هي في الأساس متشابهة، تمامًا مثل تشابُه شكل حلوى "الدونات" وكوب القهوة المصمم ليبدو مختلفًا.

تعليق المحرر (21/1/2016): الرسم أعلاه من المقال الأصلي المطبوع يتضمن خطأ في المعادلة الوسطى في الركن الأيمن السفلي. والمعادلة الصحيحة هي: Jy = ∂Bx/2z – ∂Bz/∂x.

 

معادلة ماكدونالد

اختيار فريمان دايسون، معهد الدراسات المتقدمة، برنستون، نيوجيرسي.

اشتق دايسون هذه المعادلة -وهي صياغة جديدة لمعادلة أخرى كلاسيكية تسمى دالة تاو- التي اشتهر بدراستها عالم الرياضيات الهندي سرينيفاسا رامانوجان، بعد مدة قصيرة من توصُّل عالِم الرياضيات إيان ماكدونالد إليها بشكل مستقل. وفيها يجري طرح المتغيرات الخمسة a وb وc وd وe بعضها من بعض في عشر تجميعات، ويجري ضرب الفروق بعضها في بعض وقسمتها على حاصل مضروب 1 و2 و3 و4 (على سبيل المثال، المضروب 4 الذي يتم التعبير عنه بـ4!= 1 × 2 × 3 ×4). إن أناقة هذه الصيغة الرياضية تثير إعجاب دايسون لأنها تكشف نوعًا من التماثل، أو التوازن، بين المتغيرات الخمسة في دالة تاو. ويقول إن المعادلة جميلة أيضًا بطريقة غامضة لا يمكن وصفها، ويضيف موضحًا: "إنها لا تخبرك بالتحديد أي شيء حقيقي عن الكون، بل إنها تقف بذاتها كمقطوعة موسيقية؛ وأن تسأل ما معناها تمامًا مثل أن تسأل ما معنى ثلاثية بيتهوفن. عليك فقط أن تصغي إليها". وتنتمي هذه المعادلة إلى فرع من الرياضيات البحتة يسمى نظرية الأعداد.

 

الوحدات الفراغية للمنحنيات من جنس g

اختيار ديفيد مومفورد، جامعة براون

عالمنا به فضاء ذو ثلاثة أبعاد فقط، لكن علماء الرياضيات يمكن أن يتخيلوه محتويًا على أكثر من ذلك بكثير. هذه المعادلة تصف فضاء به أبعاد مرقمة 3g − 3  وتوضح أنه إذا كانتg  كبيرة بما يكفي فإن شكل الفضاء سيكون منحنى سلبيًّا، مثل سطح سرج الحصان. ويقول مومفورد متذكرًا عندما اكتشف المعادلة: "اعتقدت أنها نتيجة مروعة، خاصة رقم 13 الغريب ذلك الذي ظهر". إن أغلب التعبيرات الرياضية الأساسية تتكون فقط من المتغيرات والمؤثرات وأرقام كاملة صغيرة مثل 1 و2، وهو ما يجعل رقم 13 الكبير نسبيًّا في هذه المعادلة انحرافًا عن المعتاد. وبالنسبة لمومفورد، إن غرابة المعادلة هي التي تجعلها جميلة، ويقول: "كعالِم رياضيات، يشعر المرء وكأنه يكتشف هذه الحقائق المحددة منطقيًّا، ينبغي أن تكون بهذه الطريقة وليس بأي طريقة أخرى. وفجأة تتوصل إلى رقم غريب، فتفكر: لماذا يجب أن تكون بهذا الشكل؟".

 

طريقة نيوتن

اختيار ستيفن سميل، جامعة سيتي في هونج كونج

خدعة رياضية معروفة باسم "طريقة نيوتن" تقرِّب الحل إلى معادلة - f(x) - لا يمكن حساب حلها بدقة، مثل الجذر التربيعي للعدد 2 (وهو العدد 1.4142 ...). تبدأ الخدعة بأي رقم حقيقي -ليكن مثلًا x- وطرح الدالة f(x) وقسمتها على مشتقة الدالة f′(x) للحصول على رقم x جديد. وفي كل مرة تتكرر هذه العملية، يقترب العدد x أكثر وأكثر من رقم تقريبي للحل. وهذه الطريقة سهلة للغاية، لكن حتى نيوتن نفسه لم يكن لديه نظرية جيدة حول سبب نجاحها؛ وهذا الغموض هو ما يجعل هذه المعادلة تروق لسميل. ويقول سميل: "الكثير من عملي مكرّس لفهم معادلة نيوتن، ومعرفة تحت أي ظرف تعمل. وأشعر أن المسائل الكبرى لا يمكن حلها على الإطلاق، بل إنها فقط تصبح محور تركيز المزيد والمزيد من العمل".

لاجرانج ونظرية الكهروضعيفة

اختيار ستيفن واينبرج، جامعة تكساس في أوستن

في هذه المعادلة، تتحد اثنتان من قوى الطبيعة الأساسية الأربع –الكهرومغناطيسية والقوى الضعيفة (المسؤولة عن اضمحلال النشاط الإشعاعي) ، ليكشفا أنهما وجهان لعملة واحدة. هذه المعادلة، التي صاغها واينبرج في عام 1967، تقول إنه عند مستويات طاقة محددة تتصرف الكهرومغناطيسية والقوى الضعيفة كأنهما شيء واحد: القوى "الكهروضعيفة"؛ وهو اكتشاف حصل واينبرج من أجله على جائزة نوبل في الفيزياء. وهنا تمثل L "كثافة لاجرانج"، أي كثافة طاقة المجالات المرتبطة بالقوى، والمشار إليها بـA وB. ويقول واينبرج: "أعتقد أن شكل الرموز على الصفحة ليس له أي علاقة بجمالها، بل يكمن سر جمالها في حقيقة أن النظرية صارمة ولا يمكن تغييرها دون إفسادها. إن تفاصيلها ثابتة بمبدأ أساسي كامن وراءها".

COURTESY OF PARASOL PRESS (all equation images)