إن العثور على حفرية لحيوان من رأسيات الأرجل أمر شديد الصعوبة. وعلى الرغم من أن أصداف الأمونيات والأجزاء المدببة من السهميات وغيرها من المؤشرات على أعضاء صلبة من الجسم متوفرة بكثرة في السجل الحفري، نادرًا ما تسنى لعلماء الحفريات رؤية تشريح الأنسجة الرخوة التي تميز هذه الكائنات السبَّاحة متعددة الأذرع. بل إن اكتشاف هذا النوع من الحفريات من الندرة بمكان؛ حتى إن أحدها -حفرية يرجع اكتشافها إلى عام 1982- لا يزال هو الأبرز في هذا المضمار: إنها حفرية أخطبوط يصل عمرها إلى 165 مليون سنة، اكتُشفَت في فرنسا.

وقد أطلق العالِمان جيه. سي. فيشر و بي. ريو على حفرية الكائن اللافقاري ثماني الأذرع هذا اسم "بروتيروكتوبوس ريبيتي"، ووصَفا الممصات الموجودة بأذرعه، وهو ما أسعد غيرهما من علماء الحفريات. ولكن على الرغم مما تتمتع به هذه الحفرية من مستوى غير مسبوق من التفصيل، فقد كانت تبدو منكمشة؛ فبدت وكأنها لحيوان محفوظ في نسخة مسحوقة من شكله الأصلي. وقد جعل هذا من الصعب على العلماء اكتشاف التفاصيل الدقيقة لتشريح العينة ومدى ارتباطها بغيرها من الأخطبوطات. وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على الاكتشاف، قدمت عالِمة الحفريات، إيزابيل كروتا -من جامعة بيير وماري كوري في باريس- وزملاؤها المزيد من التفاصيل عن الهيئة التي كان عليها هذا المخلوق رأسي الأرجل عندما كان على قيد الحياة؛ إذ أعادوا تشكيل الحيوان بتقنية ثلاثية الأبعاد باستخدام التصوير المقطعي المجهري السنكروتروني، وهي تقنية تصوير شديدة الدقة.

بعد إعادة نفخ "بروتيروكتوبوس ريبيتي" وإعادة تحديد شكله، اتضح أنه على الأرجح ينتمي إلى مجموعة رئيسية من الأخطبوطات تدعى "فامبيروبودا" (Vampyropoda)، تضم الأخطبوط الشائع وكذلك الحبار مصاص الدماء. وبفضل الصور الجديدة، اكتشف الباحثون أن "بروتيروكتوبوس ريبيتي" كان يبدو أقرب إلى الأنواع التي تنتمي إلى "فامبيروبودا" وتعيش في الأعماق السحيقة للبحار، مع بعض الاختلافات. فعلى سبيل المثال، فإن هذه العينة القديمة لديها ثمانية أذرع وزعنفة ناتئة من كلا جانبي جسمها، كما أنها تفتقر إلى كيس الحبر، على غرار الحبار مصاص الدماء في العصر الحديث. لكن ممصات هذا الحيوان اللافقاري الذي ينتمي إلى العصر الجوراسي منفصلة عن بعضها بشكل مائل وليست جنبًا إلى جنب كما هو الحال في العديد من الأخطبوطات المنقرضة. وقد نُشرت هذه الدراسة في دورية "بليونتولوجي" Palaeontology في الخريف الماضي.

أما ما يمكن أن يخبرنا به "بروتيروكتوبوس" عن سلف الأخطبوطات فهي مسألة مرهونة باكتشاف المزيد من الحفريات، لكن هذه العينة تدعم الإجماع المتزايد على أن أشكال أجسام الأخطبوطات كانت متنوعة بشدة بالفعل قبل ما يقرب من 164 مليون سنة. وتعليقًا على هذا، تقول كروتا: "بعض الصفات التي كنا نعتقد أنها حديثة العهد في تاريخ تطور هذه المجموعة، مثل شكل بعض الممصات، اتضح أنها كانت موجودة بالفعل في العصر الجوراسي". أما بخصوص ما الذي يخبئه لنا أيضًا السجل الحفري، فمن المؤكد أن علماء الحفريات مستعدون للتضحية بالغالي والنفيس لمعرفة الإجابة عن هذا السؤال.