إن قدرة الأطفال على اكتساب اللغات وإتقانها تجعلهم موضع حسدٍ من جانب المتعلمين الكبار في كل مكان؛ غير أن بعض الكبار يستطيع اكتسابَ لغات جديدة بسهولة مدهشة. الآن تشير بعض الدراسات إلى أنه من الممكن التنبؤ بقدرات الشخص على تعلم اللغة، من خلال تركيب الدماغ أو نشاطه، وهي النتائج التي قد يمكن في النهاية استخدامها لمساعدة أكثر المتعثرين لغويًّا على النجاح.

في دراسة نُشرت في عام 2015 في دورية "جورنال أوف نيورولينجويستكس" Journal of Neurolinguistics فحَصَ فريقٌ من الباحثين تركيب ألياف العصبونات في المادة البيضاء في دماغ 22 من الطلاب المبتدئين في دراسة لهجة الماندرين من اللغة الصينية. وجد العلماء أن الطلاب الذين لديهم من الألياف المتراصَّة بتناسُق في نصف الدماغ الأيمن كمية أكبر حصلوا على درجات أعلى في اختبار اللغة بعد أربعة أسابيع من الدراسة. فكما هي الحال في حارة مرورية سريعة في طريق رئيسي، يُعتقَد أن الألياف المتراصة بتناسقٍ عالٍ تزيد من سرعة نقل المعلومات داخل الدماغ. وعلى الرغم من أن اللغة ترتبط تقليديًّا بنصف الدماغ الأيسر، فإن النصف الأيمن -والذي يبدو أنه يُسهم في إدراك طبقات الصوت- قد يؤدي دورًا في تمييز نغمات لغة الماندرين، وذلك وفق ما تفترضه مؤلفة الدراسة جِنجان تشي، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

مُصَمَّمٌ للتعلُّم. قد تتأثر قدرة المرء على تعلُّم لغة جديدة بتركيب الدماغ. يكشف التصوير بالانتشار المُوَتِّر لأدمغة المتحدثين باللغة الإنجليزية في أثناء تعلُّمهم لغة الماندرين، أن الأشخاص الذين يتعلمون بشكل أفضل لديهم ألياف عصبية متراصَّة أكثر (الأجزاء الملونة في الصورة أعلاه) في منطقتين في نصف الدماغ الأيمن ("أ" و"ب"). وفي هذه الحالة، كان الدارس الثاني، والذي يملك أليافًا متراصة أكثر، أفضل في التعلُّم من الدارس الأول.

المصدر:"بنية المادة البيضاء في نصف الدماغ الأيمن تتنبأ بالنجاح في تعلُّم لهجة الماندرين من اللغة الصينية"، تأليف: جنجان تشي وآخرون؛ دورية "جورنال أوف نيورولينجويستكس"، المجلد 33، فبراير 2015.

وفي دراسة أخرى نُشِرت في شهر يونيو 2016 في دورية "برين آند لانجودج" Brain and Language، كشف فحص بتخطيط كهربية الدماغ أُجري قبل الانخراط في دراسة منهج مكثَّفٍ لتعلم اللغة الفرنسية عبر الإنترنت، عن أنماط من نشاطِ الموجات الدماغية في حالة استرخاء وراحة يرتبط بالانتهاء من الدورة التدريبية بسرعة وسهولة.

وتقول شانتِل برات -عالِمة النفس بجامعة واشنطن، التي قادت الدراسة- في الماضي لاحظ الباحثون هذا النوع من النشاط عند قيام الأشخاص بتركيب الجُمَل. وتشير برات إلى أنه في هذه الحالة قد يكون نمط النشاط انعكاسًا لقدرة الستة عشر شخصًا الذين شملتهم الدراسة على التركيز أو اتباع التعليمات، أو انعكاسًا لسمة أخرى تساعد على تعلُّم اللغة. وتهتم برات بدراسة ما إذا كان رد الفعل العصبي –المتمثل في عرض صور تخطيط كهربية الدماغ على المشاركين في التجربة مباشرة في أثناء إجرائه لتدريبهم على أنواع معينة من النشاط الدماغي– يمكن أن يُعدَّهم لتعلم اللغة بشكل أفضل. وتقول برات: "إن آخر شيء أودُّ من أحد المشاركين في التجربة أن يفكر فيه هو: ”حسنًا، هذا هو ما يبدو عليه دماغي، ما الفائدة إذًا؟ لن أستطيع التعلُّم“".

إن طبيعة الاستعداد لتعلم اللغات، وكيف يتجلى ذلك في الدماغ قضايا معقدة، إذ إنها ترتبط بطبيعة الانتباه، بل وحتى الوعي. وتقول برات: "أعتقد أن اللغة هي أكثر مهام الدماغ البشري إعجازًا. فعندما تحاول وتتعلم لغةً ثانية، سوف تدرك ما ينطوي عليه الأمر من تحديات".