في العشرين من ديسمبر عام 2015، انهار جبل من المخلفات الحضرية في مدينة شنجن الصينية، ما تسبب في مقتل 69 شخصًا على الأقل وتدمير عشرات المباني. أعادت هذه الكارثة إلى الأذهان أبراج النفايات التي صُوِّرَت في فيلم "وول- إي" WALL-E للأطفال، الذي يعرض نظرة تشاؤمية مروعة، والذي جسد الفكرة المرعبة، والواقعية في الوقت ذاته، القائلة بأن القمامة التي ننتجها قد تتراكم بطريقة تخرج عن السيطرة بحيث تزاحمنا وتدفعنا إلى ترك مناطق معيشتنا. تتمثل إحدى الطرق الفعالة لتحويل مدينة قائمة إلى مدينة مستدامة –وهي المدينة التي تحافظ على كوكب الأرض بدلًا من تدميره- في تقليل جميع روافد النفايات، ثم استخدام ما يتبقى منها كموارد. فالنفايات القادمة من إحدى عمليات المُعالجة قد تصبح مادة خام لعملية أخرى.

يواصل الكثير من الناس الهجرة إلى المراكز الحضرية في جميع أنحاء العالم، وهو الأمر الذي يضع المدن في موقع الصدارة لحل مشكلات الموارد العالمية. ويتولى رؤساء البلديات مسؤولية أكبر لإيجاد الحلول؛ لأنهم مضطرون إلى ذلك ببساطة، لا سيما في الدول التي هدأ فيها الحماس الوطني لمعالجة القضايا البيئية. وقد أقرت الاتفاقيات الدولية للمناخ التي صيغت في باريس في شهر ديسمبر من عام 2015 بالدور المحوري للمدن في هذا الصدد؛ فقد توافد أكثر من ألف رئيس بلدية على العاصمة الفرنسية في أثناء المناقشات للمشاركة بتعهداتهم بخفض الانبعاثات. ويُعَد تغيير قوانين البناء والاستثمار في رفع كفاءة الطاقة مجرد نقطتي انطلاق قال الكثير من رؤساء المدن بأنه يمكنهم أن يبدؤوا منهما على نحوٍ أسرع من الحكومات الوطنية.

ومن المنطقي أن تضطلع المدن بدور الريادة، فبعضها يُؤوي عددًا من السكان يفوق عدد سكان دول بأكملها، مثل مدينة نيويورك ومكسيكو سيتي، وبكين. والمناطق الحضرية هي المكان الذي تتركز فيه التحديات التي نواجهها في أثناء إدارتنا لحياتنا. وتستطيع المدن أن تتولى دفة القيادة لأن بمقدورها توسيع نطاق الحلول، ولأنها تُعَدُّ مختبرات حية لتحسين جودة الحياة من دون الحاجة إلى استهلاك موارد الأرض، أو تلويث هوائها ومائها، والإضرار بصحة البشر في أثناء هذه العملية.

المعدات تحفر في الركام في مدينة شنجن الصينية بعد انهيار جبل من القمامة، مما تسبب في دفن عشرات المباني.
Credit: Getty Images

كما تحفل المدن بالكثير من الأشياء المهدرة, كالطاقة، وثاني أكسيد الكربون، والطعام، والماء، والمكان، والوقت. ويمكن أن يؤدي الحد من إهدار كلٍّ من هذه العناصر، وإدارتها باعتبارها موردًا -بدلًا من اعتبارها تكلفة إضافية- أن يحل العديد من المشكلات في آن واحد، ويصنع مستقبلًا أكثر استدامة لمليارات الناس.

التلوُّث حلًّا

يزخر التاريخ بالعديد من الدروس المهمة حول النفايات. فقد خلص جون سنو -الطبيب اللندني- إلى أن حالات التفشي المروِّعة لوباء الكوليرا التي ضربت لندن في عامي 1848 و1854 كانت بسبب تلوُّث آبار المياه العامة بالصرف الصحي. واعتبر سنو أن إنشاء مواسير للصرف الصحي حل واضح للمشكلة، بيد أن الزعماء السياسيين رفضوا استنتاجاته؛ لأن أفكاره لم تتفق مع الأيديولوجيات التي كانت سائدةً آنذاك، ولأنهم قرروا أن الإجراءات المطلوبة ذات تكلفة باهظة. ويواجه علماء المناخ اليوم رفضًا مماثلًا، فهم يقولون لنا إن النفايات التي ننتجها تقتلنا، لكن بصورة أبطأ وبشكل غير مباشر، وإن حل المشكلة سيتطلب استثمارات ضخمة في إنشاء بنى تحتية جديدة. اعتُبر سنو فيما بعد بطلًا (وربما ينتظر هذا المصير نفسه علماء اليوم) بعد أن خلق قادة جدد مشاريع أشغال عامة طموحة أُنشئ على أثرها 1200 ميل من مواسير الصرف الصحي في مدينة مزدحمة يقطنها ثلاثة ملايين نسمة، لتنتهي بذلك أزمة الكوليرا. أنشأ هذا الجهد أيضًا الحواجز النهرية الجميلة التي ما زالت تُعَد أحد العناصر الرئيسة للضواحي الحضرية بلندن، والتي يتجول على امتدادها الكثيرون.

ومع ذلك، فإن مجرد إلقاء النفايات بعيدًا لم يعد حلًّا كافيًا هذه الأيام. فبعد تقليص حجم النفايات، علينا أن نغلق الدائرة ونعيد استخدام ما تبقى منها مرة أخرى. إذًا فالخطوة الأولى تتمثل في تقليل النفايات، ومن ثَم إعادة استخدامها.

يبدأ هذا التفكير الجديد بإعادة تعريفنا لمفهوم التلوث. أعطاني راج باتاراي -وهو مهندس مشهور بمرفق مياه البلدية في أوستن بولاية تكساس- تعريفًا جديدًا للتلوث؛ إذ عرَّفه بأنه: موارد ليست في موضعها الصحيح. فجميع المواد تُعد مؤذية إذا وُضِعَت في غير موضعها، في أجسامنا مثلاً، أو في الهواء، أو في الماء، بيد أنها تصير مفيدة إذا وُضِعت في المكان الصحيح. فعلى سبيل المثال، بدلًا من إرسال النفايات الصلبة إلى مواقع دفن النفايات ودفع ثمن ذلك، يمكن إحراقها لتوليد الكهرباء. كما يمكن التنقيب في مياه الصرف الصحي الناتجة عن مجتمع يتكون من مليون نسمة للحصول على ذهب بقيمة ملايين الدولارات، وغيره من المعادن الثمينة سنويًّا، لاستخدامها في التصنيع المحلي.

تتناسب هذه الفكرة مع المفهوم الأعم الذي يُعرَف بالاقتصاد الدائري، الذي تغذي فيه العمليات والمعالجات المختلفة للمجتمع بعضها بعضًا بطريقة مفيدة. وبعبارة بسيطة، فإن النفايات هي الشيء الذي تحصل عليه عندما تفتقر إلى الخيال والابتكار.

البركة في القليل

تتمثل إحدى الخطوات الواضحة التي يمكن البدء منها للحد من النفايات في إصلاح المواسير التي يتسرب منها الماء. من المثير للدهشة أن الفاقد من مياه المدينة في المواسير يتراوح بين 10% إلى 40%. كما تتسبب هذه التسريبات في إهدار الطاقة أيضًا، وذلك لأن البلدية تولت تنظيف هذه المياه وأمدت المضخات بالطاقة لنقلها.

ويُعَدُّ استهلاك الطاقة في حد ذاته إهدارًا غير معقول. فأكثر من نصف الطاقة التي تستهلكها المدينة تتبدد في صورة حرارة مهدرة من المداخن، وعوادم السيارات، والجانب الخلفي من أجهزة التدفئة والتبريد والأدوات الكهربائية. ومن شأن رفع كفاءة هذه المعدات جميعها أن يخفض الطاقة التي نحتاج إليها في عمليات الإنتاج والتوزيع والتنظيف.

وتُعد المخلفات رافدًا آخر لا بد من تنظيمه. إذ تنتج الولايات المتحدة أكثر من أربعة أرطال من المخلفات الصلبة للفرد الواحد يوميًّا. وبالرغم من الجهود المبذولة لتحويل بعضها إلى سماد أو إعادة تدويره أو حرقه، لا يزال أكثر من نصفها يُلقى في مقالب القمامة. ويُعَدُّ تقليل التعبئة والتغليف أحد الطرق لتقليل هذه الكمية المهدرة، وجني فوائد أخرى في الوقت ذاته. فقد وجدت متاجر التجزئة الكبرى، مثل وولمارت، أن تقليل التعبئة والتغليف قلل من عدد الشاحنات المطلوبة لنقل البضائع، وأتاح مساحة أكبر على الأرفف لعرض المنتجات.

ويُعَدُّ إهدار الغذاء ضمن القضايا الموجعة. فعلى الرغم مما تعانيه العديد من المناطق في العالم من مجاعات وندرة في الغذاء، يتخلص الأمريكيون مما يتراوح بين 25% و50% من طعامهم القابل للأكل. يستهلك الغذاء كميات كبيرة من الطاقة، ومساحات شاسعة من الأرض، وكميات ضخمة من المياه؛ من أجل زراعته وإنتاجه وتخزينه وإعداده وطهيه والتخلص منه، لذا فإن الطعام المهدر يترك أثرًا ملحوظًا. وقد برزت مبادرات في الولايات المتحدة، مثل حملة "أنا أقدِّر قيمة الطعام" I Value Food، كما أُطلِقَت أخرى في المملكة المتحدة كبداية لحل تلك المشكلة الخطيرة.

الاستفادة من النفايات

بمجرد أن تحد المدن من روافد النفايات، عليها أن تستخدم النفايات الناتجة عن إحدى العمليات الحضرية موردًا لعملية أخرى. يندر وجود هذا الإجراء، بيد أن هناك مشروعات قوية بدأت في الظهور. تقوم الأنظمة الحديثة الهادفة إلى تحويل النفايات إلى طاقة -مثل أحد الأنظمة الموجودة في زيوريخ- على فكرة حرق القمامة بطريقة نظيفة. وبعض هذه الأنظمة -كالنظام القائم في بالم بيتش في فلوريدا- يستعيد أكثر من 95% من المعادن من الرماد الخشن المتخلف عن حرق القمامة. كما تنتج القرى الريفية -مثل قرية يوندا في ألمانيا- ما يكفي من الغاز الحيوي من روث المواشي والخنازير لتدفئة عدد كبير من منازلها وإمدادها بالكهرباء. وقد أثبتت مجموعتي البحثية بجامعة تكساس في أوستن أن مصنعًا للأسمنت في نيو براونفيلز بتكساس يمكنه أن يحرق أقراص وقود مصنوعة من بلاستيك غير قابل لإعادة التدوير بدلًا من الفحم؛ لتجنُّب إصدار انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والآثار الناجمة عن التنقيب عن الفحم.

وحتى القمامة التي يُلقى بها في مقالب القمامة يمكنها تحقيق بعض القيمة. فيمكن للمدن أن تجمع الميثان الذي يصدر في أثناء تحلُّل النفايات، وهي خطوة أفضل من إشعال (حرق) الغاز الناتج أو مجرد إطلاقه في الهواء حيث يحتجز كميات من الحرارة تفوق كثيرًا تلك التي تحتجزها الكميات نفسها من غاز ثاني أكسيد الكربون. ويمكن لمولدات الطاقة الكهربائية أن تجمع الغاز وتحوله إلى كهرباء. وتستخلص مقالب القمامة في فانكوفر الميثان وتحرقه لتدفئة الصوبات الزراعية القريبة منها، والتي تُزرَع بها الطماطم.

مدينة فانكوفر تحرق الميثان المجمع من مقالب القمامة لإنتاج حرارة لتدفئة صوبات زراعية مزروعة بالطماطم تديرها مزارع "فيلدج فارمز".
Credit: Village Farms

ومع هذا، فإن التسريب يظل موجودًا في مقالب القمامة. ألهم ذلك مدينة فانكوفر -التي تعهدت بأن تكون أكثر المدن حفاظًا على البيئة على وجه الأرض- إعطاء السكان سلتي قمامة منفصلتين: إحداهما للقمامة والأخرى للمواد العضوية (بقايا الطعام ومخلفات الأفنية ونواتج تشذيب الأشجار). ويتوقع المسؤولون من المواطنين أن يستخدموا هذه السلات استخدامًا صحيحًا، ويرسلون مفتشي المدينة للتأكد من أن ناقلي النفايات يجمعون القمامة المفصولة عن بعضها بطريقة صحيحة. كما تنتج المدينة غاز الميثان من النفايات الحيوية، وفي الوقت ذاته تنتج مخلفات صلبة تُعرَف بالمحسنات يمكن أن تزيد من خصوبة التربة. هذه الحلول تحل العديد من المشكلات في آن واحد؛ فهي توفِّر المال اللازم للحصول على الطاقة وشرائها، وتقلِّل الحاجة إلى الدفن المكلف للقمامة، وتجنِّب الاستخدام غير الضروري للأراضي أو إتلافها، وفي الوقت ذاته تحسِّن عملية الزراعة.

تعتمد مدينة أوستن إجراءً مماثلًا مع الرواسب الناتجة عن معالجة المياه؛ إذ تمررها على أحواض تخمير لا هوائية لإنتاج الغاز الحيوي، ثم تبيعه أو تستخدمه في التدفئة. وتحول البقايا الصلبة إلى أحد محسنات التربة الشهيرة المعروفة باسم "ديللو درت" (والاسم مستوحى من حيوان الأرماديللو (المدرع)، أحد الحيوانات المحلية). تجني المدينة الأموال ببيع المحسن "ديللو درت"، وبذلك تعوض بعضًا من نفقات معالجة مياه الصرف. وبالرغم من أن التسميد يُعَدُّ اتجاهًا متناميًا يسلكه السكان –وهو اتجاه جدير بالاستمرار في ممارسته- فإن إجراءه على نحو سيئ من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من انبعاثات الميثان في واقع الأمر. بالنسبة لأوستن، من المعقول أكثر أن يضع السكان بقايا الطعام في المصرف لتمر عبر مطحنة؛ حتى تقوم آلات الحصد بالمدينة -والتي تعمل على نطاق صناعي عند محطة معالجة مياه الصرف- بمهمة التسميد بفاعلية أكبر.

تُعَدُّ الحرارة المهدرة فرصة أخرى كبيرة. إلا أنه يصعب الاستفادة منها؛ لصعوبة تحويل درجات الحرارة المنخفضة إلى كهرباء. وقد طورت "ناسا" مولدات حرارية كهربائية لعمل ذلك على متن سفينتها الفضائية، لكن هذه التقنية مرتفعة التكلفة ولا تتسم بالكفاءة. إلا أن موادَّ متقدمة تستطيع تحويل الحرارة إلى كهرباء على نحو أكثر فاعلية في طريقها إلى الظهور. وتشكل مياه الصرف الساخنة -التي تُصرف في مواسير الصرف عندما نغسل ملابسنا أو أطباقنا أو أجسامنا- نقطةً للانطلاق في هذا الاتجاه. ويوجد في ساندفيكا، إحدى ضواحي أوسلو، مبادِلات حرارية ضخمة على طول مواسير الصرف بالمدينة، تقوم باستخلاص الحرارة لتدفئة عشرات المباني المجاورة لها أو لإذابة الجليد على الأرصفة والطرقات. وعن طريق تشغيل المضخات الحرارية في فصل الصيف، يمكن للمبادِلات الحرارية أن تستغل جزءًا من الحرارة لتبريد هذه المباني نفسها. أعجبت الفكرة مدينة فانكوفر جدًّا، لدرجة أنها قلدتها واستخدمت مياه الصرف في تدفئة مئات المباني والقرية الأولمبية.

تطورت الفكرة إلى ما هو أبعد من ذلك في منتزه شبكة التكافل الصناعي في كالوندبورج في الدنمارك، والذي يُعَدُّ مثالًا يُحتذى به لفكرة الدائرة المغلقة. يضم المتنزه الصناعي سبع شركات بالإضافة إلى مرافق بلدية -تتمحور جميعها حول الكهرباء والمياه، ومياه الصرف والنفايات الصلبة- ويتصل بعضها ببعض بحيث تكون النفايات الصادرة عن إحداها مُدخلًا لأخرى. تقوم المواسير والأسلاك والقنوات بنقل البخار والغاز والماء والنفايات ذهابًا وإيابًا لتحسين الكفاءة العامة وخفض النفايات الإجمالية بما فيها انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. فعلى سبيل المثال، تتدفق مياه الصرف الناتجة عن مصفاة تكرير النفط إلى محطة الطاقة، حيث تُستَخدَم في تنظيف الرماد المتطاير، الناتج عن حرق الفحم، وتثبيته. كما ترسل مصفاة تكرير النفط نفايات الأبخرة إلى شركة "نوفو نورديسك"، التي تستخدم حرارتها لإنتاج نحو نصف الإمدادات العالمية من الإنسولين الذي يُنتَج عن طريق البكتيريا والخميرة (انظر المربع أدناه). يبدو المنتزه بأكمله مثل كائن صناعي حيّ. وقد أظهر نموًّا اقتصاديًّا مع ثبات مستويات الانبعاثات أو انخفاضها.

قرارات تعتمد على البيانات

هل يمكن لنموذج شبكة التكافل الصناعي في كالوندبورج أن يُستنسخ على نطاق أوسع للمدن في جميع أنحاء العالم؟ نعم يمكن ذلك، ولكن شريطة أن نحوِّل المدن إلى مدن ذكية. يتسم المنتزه الصناعي بالمرونة لقلة أعداد السكان وصناع القرار، في حين أن المدينة تضم الكثير من الأفراد والمنظمات التي تتخذ قرارات مستقلة بشأن الطاقة، والمياه، والنفايات يوميًّا. ويتطلب تكامُل هذه العناصر معًا حدوث تحوُّل ثقافي نحو التعاون، مدعومًا بإحراز تقدُّم في التقنيات الذكية. ستعتمد المدن الذكية على الاستشعار واسع النطاق والحوسبة منخفضة التكلفة، إلى جانب التعلُّم الآلي والذكاء الاصطناعي. ويستطيع هذا المزيج تحديد أوجه القصور، وتحقيق المستوى الأمثل لعمليات التشغيل، وتقليل النفايات والنفقات مع تشغيل جميع أنواع المعدات آليًّا.

ومن حسن الحظ أن تحويل المدن إلى مدن ذكية يُعَدُّ هدفًا مغريًا للمخططين الذين يتطلعون إلى توفير أماكن سكن لكثافات أعلى من الناس دون الانتقاص من جودة الحياة. فالهند -على سبيل المثال- تعاني مشكلات متعلقة بالكثافة السكانية والصحة العامة، وقد أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي اعتزامه تحويل 100 حي صغير ومتوسط الحجم إلى مدن ذكية كحل محتمل.

ويحمل مصطلح "ذكية" في طياته اتهامًا لأغلب المدن بأنها "غبية". وهذا الاتهام صحيح؛ لأن البلديات التي تعج بالنفايات تبدو وكأنها تعمل دون بصيرة. أطلقت "المؤسسة الأمريكية للعلوم الوطنية" مبادرة بحثية كبيرة بعنوان "مجتمعات ذكية ومتصلة" لمساعدة المدن على الاستغلال الأمثل للبيانات. والاسم، بالمناسبة، يشير إلى أن الذكاء وحده ليس كافيًا؛ فالتواصل بين الأنظمة والناس ضروري أيضًا.

تعتمد المدن الذكية إلى حد كبير على البيانات الضخمة المجمعة من شبكات الاستشعار واسعة الانتشار والخوارزميات المتطورة لإلقاء نظرة فاحصة سريعة والوصول إلى استنتاجات واتخاذ قرارات بناء على تلك البيانات. ومن ثَم تنقل الشبكات المتصلة ببعضها تلك التحليلات إلى المعدات في جميع أنحاء المدينة. وتُعد العدادات الذكية التي تُستخدم في رصد استهلاك الكهرباء والغاز الطبيعي والماء عن كثب في أي وقت على مدار اليوم، والأجهزة المنزلية والصناعية نقطة انطلاق واضحة. كما أن أجهزة الاستشعار الفورية للحركة المرورية، وأجهزة رصد جودة الهواء، وأجهزة الكشف عن التسربات في متناول اليد هي أيضًا. ويعمل اتحاد "بيكان ستريت" في أوستن على جمع البيانات من مئات المنازل لمعرفة كيف يمكن للوصول لهذه البيانات أن يساعد المستهلكين على تغيير سلوكياتهم بطرق تحد من الاستهلاك، وفي الوقت ذاته، توفر النفقات. تعهدت بعض المدن -مثل مدينة فينيكس- وبعض القواعد العسكرية -مثل قاعدة فورت كارسون في كولورادو- بتحقيق الاكتفاء الذاتي من استهلاك الطاقة والماء، وبأن يكون إجمالي انتاجها من النفايات يساوي صفرًا. وسيتطلب تحقيق هذه الأهداف الطموحة تَوافُر الكثير من البيانات الموحدة والمترابطة.

وربما يعطي تحسين وسائل النقل والمواصلات سكان المدن لمحة أولية عن مميزات المدينة الذكية بتقليص الوقت المهدر. فالحد من الآثار السلبية للنقل والمواصلات يعني تنظيف الوقود، وزيادة كفاءة المركبات، وتقليل مسافة الرحلة والوقت المستغرق فيها، وخفض عدد الرحلات. فإذا عاش الناس بالقرب من أماكن عملهم، يمكنهم أن يذهبوا إلى العمل سيرًا على الأقدام أو باستخدام دراجة هوائية، أو باستخدام وسائل النقل الجماعي. وتُظهِر الدراسات أن إنشاء ممرات مؤمَّنة مخصصة للدراجات يؤدي إلى زيادة كبيرة في أعداد راكبي الدراجات، كما أن الدراجات يمكن أن تقلل من الازدحام في الطرق؛ نظرًا لأنها تحتل مساحة صغيرة مقارنة بالسيارات.

كذلك ستوفر المدينة الخالية من قيادة السيارات المساحة والوقت المصاحبَين لإيقاف السيارات. فعن طريق التحوُّل إلى تشارُك السيارات أو استخدام السيارات ذاتية القيادة المتحركة باستمرار بدلًا من السيارات الخاصة التي يتم إيقافها عند المنزل والعمل، سينخفض عدد المساحات المطلوبة لإيقاف السيارات بدرجة كبيرة، مما سيوفر مساحات واسعة مهدرة، ويقلل الزحام أكثر وأكثر. وقد استخدم الباحثون في "مركز دراسات النقل" بجامعة تكساس في أوستن نماذج معقدة ليتوصلوا في النهاية إلى أن مشاركة السيارات واستخدام السيارات ذاتية القيادة سيقلل عدد السيارات في المدينة بشكل كبير ويخفض الانبعاثات، على الرغم من أنها ستتسبب في عدد أكبر من إجمالي الأميال المقطوعة لأنها ستبقى في حالة حركة دائمة. وبدلًا من أن يهدر الركاب وقتهم في القيادة، يمكنهم الاسترخاء أو قراءة الرسائل الإلكترونية الخاصة بهم، أو إجراء المكالمات الهاتفية أو عمل أي أعمال أخرى. ويمكن لهذا العمل أن يخلق قيمة اقتصادية وأن يقلص عدد ساعات العمل للفرد بحيث يستطيع العودة إلى المنزل مبكرًا لتناول العشاء.

أنابيب بشبكة التكافل الصناعي في كالوندبورج بالدنمارك تحمل نفايات البخار من محطة "دونج" لتوليد الطاقة إلى شركات تستخدمها في عمليات التصنيع.
Credit: Kalundborg Symbiosis

إن تحويل البنية التحتية لتصير أكثر ذكاءً هو بالتأكيد الأساس لحل مشكلات رئيسية كتسريب مواسير المياه. وسيكون التعرف على أماكن التسريب يسيرًا إذا وُزِّعَت عدادات عبر نظام المياه لرصد تدفُّق المياه، والتحديد الفوري لكميات التسريب وأماكنها. وقد طوَّر باحثون في برمنجهام بإنجلترا نظامًا يحوي مجسات ضغط صغيرة تستهلك قدرًا ضئيلًا من الكهرباء لإجراء مراجعات دورية لشبكات المياه ورصد التسريبات فيها، وهو ما يُعَدُّ تطورًا كبيرًا للأسلوب القديم الذي كان الناس فيه ينتظرون أن يتصل شخص ما ويشتكي من حدوث انفجار في ماسورة المياه في طريق معين. وفي يوم ما قد نرسل روبوتًا ذكيًّا إلى الأسفل عبر المواسير لإصلاح المشكلات بها.

ستعيننا المجسات ذات الأداء المميز أيضًا في اكتشاف تسرُّب الغاز الطبيعي وتوقُّعه قبل وقوع الحوادث. ولا يشكل تسرب الغاز أذى للبيئة وإهدارًا للموارد فحسب، بل يمثل أيضًا خطورة على حياة البشر؛ إذ نرى في عناوين الصحف أخبارًا عن انفجارات تقع في المدن ذات البنى التحتية القديمة.

يصعب علينا معرفة أين ستظهر المدن الذكية، الواعية في التعامل مع النفايات. وأتخيل أن المرشح المتوقع سيكون بلدة في الغرب الأوسط بها مليون نسمة أو أكثر وتحتاج لإعادة تجديد نفسها؛ لأن اقتصادها راكد منذ عقود. وتتبادر إلى ذهني مدينة إنديانوبوليس، والسبب في ذلك يرجع جزئيًّا إلى حاجتها لإعادة بناء أنظمة المياه ومعالجة المياه المستعملة والصرف الصحي التي بُنيت على قرارات خطأ اتُّخِذت منذ قرن مضى. فقد ظلت إنديانوبوليس تستثمر في منطقة وسط المدينة وهي آخذة في التوسع. أما مدينة بيتسبرج فهي تعمل على تحسين إمكانياتها الحالية –المتمثلة في قلب حضري مفعم بالحيوية، واعتداد بالذات، وقيادة مستنيرة في وجود العمدة ويليام بيدوتو، وقوة جامعة كارنيجي ميلون وغيرها من المراكز الحيوية الداعمة للابتكار- وذلك للتحوُّل من كونها معروفةً بمداخنها لتصير معروفة بالقدرات العقلية التي تنتجها. وفي الواقع، لقد أطلقت شركة "أوبر" بالفعل خدماتها للنقل بالسيارات ذاتية القيادة هناك. أما مدينة كولومبوس في أوهايو، التي تضم إحدى الجامعات الكبرى، فتعد أيضًا موقعًا آخر يُتَوَقَّع إجراء تجارب رائدة به لتحويل المدينة إلى مدينة ذكية. وقد منحت وزارة النقل الأمريكية مؤخرًا مدينة كولومبوس منحةً بمبلغ 40 مليون دولار لتُجري إصلاحات على نهجها في نظام النقل.

الانتقال من هنا إلى هناك

لن يكون تحويل المدن المسرفة في إنتاج النفايات إلى مدن تقلل من نفاياتها وتعيد تدوير ما تبقى منها أمرًا هيِّنًا. فيجب دمج الاستثمارات المتكاملة للحكومة الفيدرالية في مجال البحث والتطوير مع سياسات عملية تنتهجها الحكومة على جميع مستوياتها. وللأسف، يعاني مجال البحث والتطوير انخفاضًا في التمويل في الفترة الأخيرة، إلى جانب أنه قد يشهد المزيد من الانخفاض في الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس ترامب.

كما يجب أن تراعي الاستثمارات الجانب الاجتماعي أيضًا. إذ تُظهر الدراسات أن البحث والتطوير في المدن الذكية ركز على التكنولوجيا أكثر من تركيزه على احتياجات المواطنين. فإذا لم تُنشأ المدينة الذكية بالشكل الصحيح، قد تقتصر فوائدها على مَن يتمتعون بالفعل بالقدرة على الوصول إلى شبكة الإنترنت والتكنولوجيات المتقدمة، الأمر الذي سيتسبب في توسيع الفجوة التكنولوجية وغيرها من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

وينبغي على البلديات أيضًا مساعدة السكان لكي يكونوا أكثر ذكاءً؛ لأن كل شخص يتخذ قرارًا متعلقًا بالموارد في كل مرة يشتري فيها منتجًا أو يضغط على زر الكهرباء. وسيصير التعليم وإمكانية الوصول إلى البيانات أمرًا بالغ الأهمية. كما سيتطلب الحفاظ على الاتصال بين المواطنين تعاوُنًا منهم وتفاعلًا بين الجيران في أثناء وجودهم في الحدائق، والملاعب، والمساحات المشتركة، والمدارس، والمراكز الدينية والمجتمعية، وجميعها كانت تمثل ركائز أساسية للتصميمات التي تعود إلى مئات السنين للمدن المزدهرة. فكلما أصبحت مدننا أكثر حداثة وذكاءً، ربما زادت حاجتنا إلى هذه العناصر التي تنتمي إلى العالم القديم لكي تبقينا مرتبطين معًا.