إحدى طرق تمضية الوقت في مدينة نيويورك في أثناء انتظار وصول مترو الأنفاق هي النظر بحثًا عن الجرذان. في أغلب الأحيان، يمكنك العثور على جرذ أو اثنين على مستوى المسار الحديدي للقطار بالأسفل، ولكنني بين الحين والآخر كنت أرى الجرذ البُني Rattus norvegicus أيضًا وهو يقف على رصيف المحطة مع رفاقه الآخرين من الثدييات المُتْعَبَة. وفي عام 2015 انتشر مقطع فيديو لجرذ مغوار يسحب شريحةً كاملةً من البيتزا أسفل الدرج في إحدى محطات مترو الأنفاق. ولكن عندما تغادر المدينة الكبيرة، تصبح وسيلة النقل الرئيسية هي السيارة. ولهذا، تعلمت الجرذان في مدينة ريتشموند بولاية فرجينيا قيادة السيارات.

حسنًا، هذا ليس دقيقًا تمامًا، فنظام النقل العام في مدينة ريتشموند ليس هو ما أجبر القوارض على الجلوس خلف عجلة القيادة. في الواقع، لا تحتوي سياراتها الصغيرة المصنوعة خصيصًى على عجلات قيادة، ولكن الجرذان تقود بلا شك، لأجل العلم.

فقد صمم باحثون في جامعة ريتشموند ما أطلقوا عليه اسم «آر أو في» ROV، وهو ما قد تفترضون أنه اختصارٌ لعبارة Really? Oh, Very ("حقًّا؟ أوه، جدًّا")، ولكنه في الواقع اختصار لـ«المركبة التي تُشَغِّلُها القوارض» (Rodent-Operated Vehicle). وصُمِّمَت المركبة التي تُشَغِّلُها القوارض من حاوية طعام بلاستيكية شفافة سعة جالون واحد –وهو ما يوفر رؤية ممتازة لكلٍّ من سائق المركبة ومَن يشاهده– ومجموعة أدوات تركيب سيارة آلية متوافرة تجاريًّا.

بطبيعة الحال لا يمكنك ببساطة أن تطلب من الجرذ أن يأخذ السيارة الصغيرة في جولة. لذا، قام العلماء بتوصيل بطارية بلوح ألومنيوم مثبت في الجزء الداخلي السفلي من السيارة، وكذا قاموا بتوصيل أسلاك نحاسية بالطرف الآخر للبطارية، وقاموا بثني هذا السلك لتشكيل سلسلة من القضبان الرفيعة وُضِعَت في الجزء الداخلي الأمامي من السيارة. وهكذا، عندما يضع الجرذ قائمتيه الخلفيتين على اللوح، وطرفيه الأماميين على الأسلاك، تكتمل الدائرة الكهربية وتُشَغِّل محرك السيارة. وبذلك، ينطلق الجرذ كما لو كان ماريو أندريتي، أحد أبطال العالم في سباق السيارات.

وفقًا لمقال الباحثين الذي نُشر في أكتوبر الماضي على الإنترنت في مجلة «أبحاث الدماغ السلوكية» Behavioural Brain Research، فقد "بدأ تدريب الحيوانات على القيادة عندما كان عمرها حوالي خمسة أشهر". قد تبدو هذه سنًّا صغيرة، ولكن تصل ذكور الجرذان إلى مرحلة النضج الجنسي عند عمر ستة أسابيع، لذا قد يبدو انتظارها للحصول على سيارة لا ينتهي. سرعان ما تعلمت الجرذان توجيه سياراتها شديدة الصغر من خلال نقل أطرافها الأمامية على أماكن مختلفة بطول السلك النحاسي. وعلى الرغم من أن الجرذان يمكنها اكتساب القدرة على القيادة كما هو واضح، لم يتمكن أيٌّ منها اجتياز الاختبار التحريري. لذا يبدو أن تحرير مخالفة وقوف قد يكون أكثر صعوبةً من رَكْن السيارة نفسها.

كان العامل التحفيزي الذي يدفع السائقين ذوي الفرو هو الحصول على مكافأة محبَّبة لدى الجرذان والطلاب الخريجين على حدٍّ سواء، ألا وهي حبوب الإفطار المحلاة «فروت لوبس». حصلت الجرذان على ربع حلقة من الحلوى، وبلا شك، كان مدربوها يلقون لها بضع حفنات من الحلوى كلما أدارت الجرذان الإطارات وحافظت على توازنها. يمكن العثور على فيديو الجرذ سائق المركبة على الإنترنت، وبصراحة، لقد شهدت مهارات قيادة أسوأ في مواقف السيارات الموجودة في مركز فلوريدا للتسوق.

إذًا لم تكَبُّد كل هذا العناء في حين أن الجرذان تَسعَد بالركض في المتاهات للحصول على حبوب الإفطار المحلاة؟ تكمن الإجابة في عنوان الدراسة: «التعرُّض للبيئة المعزَّزة يسرِّع من مهارات القيادة لدى القوارض». (أما العنوان الذي قدمته مجلة «نيو ساينتست»، New Scientist، فقد كان أكثرَ بساطة، "العلماء يُدَرِّبون الجرذان على قيادة سيارات صغيرة للحصول على الطعام". وفي الواقع، معظم مهمات القيادة التي يقوم بها البشر تكون في سبيل الحصول على الطعام أيضًا، أو تكون لكسب المال للحصول على الطعام).

تربت بعض الجرذان في "بيئة معززة" وفرت التحفيز لأدمغتها الصغيرة. بينما تربى بعضها الآخر في "حَضَّانات مخبرية معيارية". (لقد تعرَّض بعض الجرذان لحوادث الاصطدام من الخلف). الجرذان التي نشأت في بيئات أكثر ثراءً كانت أسرع في تعلم القيادة والحفاظ على مهاراتها لمدة أطول من رفاقها الأقل حظًّا.

وكما لاحظ الباحثون في مقالتهم: "فقد اعتُبِرَت مهمة القيادة المعقدة نموذجًا لأشكال التفاعل بين الإنسان والآلة، مثل قيادة سيارة أو تشغيل أي أجهزة تكنولوجية أخرى". لذا يمكن أن يشكل سائق سيارات السباق الراحل ديل إيرنهارت نموذجًا بحثيًّا عن "التعلُّم واكتساب المهارات".

أما النتيجة الأخرى فهي أنه استنادًا إلى تحليلات نسبة مستويات هرمونين، اتضح أن الجرذان تجد أن القيادة تبعث على الاسترخاء. لقد كانت في محيط خاضع للرقابة بطبيعة الحال، فهي لم تحاول التوجه غربًا إلى شارع 42 في الساعة الخامسة مساءً في أحد أيام العمل الرسمية. ففي هذه الحالة، يعرف جرذك الذكي أن استقلال القطار السريع من «جراند سنترال» إلى ميدان «تايمز سكوير» سيستغرق وقتًا أقل بكثير. فحتى دون وجود ازدحام مروري، من الأرجح أن تتفوق الجرذان التي تستقل القطار على تلك التي تقود السيارات بفارق ضئيل.