تشعر كارولين بأنها في أفضل حالاتها هذه الأيام. فهي نشيطة اجتماعيًّا، وتمارس الرياضة، وتُمضي مع أحفادها الأربعة أطول وقت ممكن. ولكن الحال لم يكن دومًا كذلك. هي أمينة متقاعدة لمكتبة أفلام الأشعة في بيتسبرج، بدأت تشعر باللامبالاة والعزلة منذ سبع سنوات.

وتتذكر كارولين -البالغة من العمر الآن 75 عامًا- أنها "كانت قد فقدت أمها للتو، وانتقل أولادها للعيش خارج البيت"، وكانت قد عانت أيضًا من زيادة الوزن والسكري، ومرض رئوي مزمن، مشيرةً إلى أنها في أثناء فترة الحزن، كانت تلتهم كميات كبيرة من الأطعمة السريعة، وتتجه سريعًا نحو ما يشبه الاكتئاب.

بعد عدة سنوات، أخبر أحد الأصدقاء كارولين عن دراسة تجريها جامعة بيتسبرج للوقاية من الاكتئاب، فسارعت بالتوقيع للانضمام إليها. شارك في الدراسة 247 شخصًا، جميعهم مثلها، بالغون، كبار في السن، يعانون أعراضَ اكتئاب طفيفة،

وفي حال تركهم من دون علاج فإن هؤلاء الأشخاص سيواجهون احتمال الإصابة باكتئاب شديد بنسبة تتراوح بين 20– 25%. تلقى نصف المشاركين علاجًا لحل المشكلات مدته خمس ساعات، وهو أسلوب إدراكي سلوكي مصمَّم لمساعدة المرضى على التعامل مع تجارب الحياة التي تسبب التوتر. أما باقي المشاركين في الدراسة -ومن ضمنهم كارولين- فقد تلقوا استشارات غذائية بمساعدة موجِّهة اجتماعية، اكتشفت أنها أحبت السلمون والتونا وأطعمة أخرى مناسبة لـ"صحة الدماغ"- وسرعان ما حلّت هذه الأطعمة الصحية محل رقائق البطاطس والكيك والحلوى التي كانت تأكلها.

عندما انتهت التجربة في عام 2014، جاءت النتيجة مفاجئة –بالنسبة للباحثين على الأقل. فلم يكن متوقعًا أن يكون للاستشارات الغذائية تأثير جوهري؛ إذ كانت المجموعة التي تنتمي إليها كارولين بمنزلة مجموعة المراقبة. ومع ذلك فقد اكتشف الطبيب النفسي تشارلز ريموند وزملاؤه أن كلا الأسلوبين قلص بوضوح إمكانية الإصابة بالاكتئاب– وبنفس المعدّل تقريبًا. وعندما تمت مراجعة البيانات، بعد 15 شهرًا من انتهاء جلساتهم، سجل جميع المرضى معدلًا أقل بنحو 40 إلى 50% على اختبار قائمة بيك للاكتئابBeck Depression Inventory ، وهو مقياس شائع للأعراض الاكتئابية، والأكثر من ذلك، أن نحو 8% فقط أصيبوا بالاكتئاب الشديد، بصرف النظر عن العلاج الذي تلقوه.

ولا يمكن استبعاد تأثير الدواء الوهمي الذي أدى إلى التحسُّن الملحوظ في كلتا المجموعتين. فاللقاء مع متخصص فى الرعاية الصحية والرغبة في اتخاذ خطوات استباقية للتحسُّن قد يكونان من العوامل التي ساعدت المشاركين على الشعور بالتفاؤل.

أما بالنسبة لكارولين فقد خرجت إلى حدٍّ كبير من الدوامة التى كانت تعانيها عن طريق تغيير أسلوب التغذية الخاص بها. ولم تكن هي الوحيدة التي قامت بهذا الربط. بل ثمة إدراك متزايد حاليًّا بين العلماء والأطباء بشأن التفاعل الأساسي بين النظام الغذائي وصحة الدماغ. الدليل لا يزال أوَّليًّا، ويصعب استخلاص السبب والنتيجة. ربما يميل الأفراد الذين يأكلون بطريقة جيدة أيضًا إلى ممارسة عادات دماغية صحية أخرى، كالانتظام في التمارين الرياضية وعادات النوم الجيدة. أو قد يميل الأفراد المصابون بالاكتئاب إلى إراحة أنفسهم بتناول قطع البسكويت المحشوّة. ولكن البيانات لا تزال في طور التجميع. وكل عام تتزايد قائمة الارتباطات بين بعض الأطعمة والصحة الذهنية: فالأسماك وغيرها من مصادر أحماض أوميجا3 الدهنية قد تساعد في درء خطر الإصابة بالأمراض النفسية والاكتئاب، ويبدو أن الأطعمة الغنية بالخمائر -كمنتجات الألبان وأنواع المخللات- تعمل على تخفيف حدة القلق؛ كما أن الشاي الأخضروالفواكه الغنية بمضادات الأكسدة قد تساعد على الحد من خرف الشيخوخة، وهكذا...

في الواقع، ليس في الغابات البعيدة عنصر واحد ولا بذور للسعادة تضمن بالتأكيد مزاجًا أو لياقة ذهنية أفضل في فترة الشيخوخة. ولكن يبدو أن هناك أنماطًا غذائية معينة –تم قياسها على مدى ملايين السنين من التطورالبشري- تعزّز لياقتنا الذهنية والنفسية. في مجال الطب النفسي الغذائي الوليد، يدور التوافق حول أيِّ أنواع الحميات الغذائية هي الأفضل. ولعلّ الأكثر إثارة هو احتمال أن يعمل التدخل الغذائي كمساعد جيد للأدوية والأساليب العلاجية الأخرى الخاصة بالاضطرابات الذهنية –تمامًا كما هو الحال في العديد من مجالات الطب الأخرى.

الحمية الجيدة والحمية السيئة

عندما يتعلق الأمر بتعزيزصحة الدماغ، فإن الأنظمة الغذائية التي تحظى بدعم من أقوى البيانات ترجع إلى أنماط الغذاء التقليدية في إيطاليا واليونان وإسبانيا. وتعتمد الحمية الغذائية التي يُطلَق عليها حمية البحر المتوسط، على الفواكه والخضراوات والمكسرات والحبوب الكاملة والأسماك واللحوم الخالية من الدهون بكميات معتدلة، كما تحتوى أيضًا على زيت الزيتون، والقليل من النبيذ الأحمر أحيانًا. ففي عام 2011 عمدت خبيرة الصحة العامة ألمودينا سانشيز فيليجاس -من جامعة لاس بالما دي جران كناريا بإسبانيا- وزملاؤها إلى تقييم العلاقة بين هذا النظام الغذائي والاكتئاب عند أكثر من 12000 إسباني يتمتعون بصحة جيدة على مدى ست سنوات في المتوسط لكل منهم. ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين تناولوا حمية البحر المتوسط كانوا أقلَّ تعرُّضًا للوقوع في براثن الاكتئاب من هؤلاء الذين لم يتناولوها. أما بالنسبة للأشخاص الذين اتبعوا الحمية الغذائية بشكل دقيق، فقد انخفضت إمكانية الإصابة لديهم بنسبة كبيرة بلغت 30 بالمئة.

وأكدت سانشيز فيليجاس فيما بعد هذا الارتباط من خلال تجربة أخرى كبيرة... تجربة PREDIMED (الوقاية باتباع حمية البحر المتوسط ​​الغذائية)– وهو مشروع بحثي متعدد المراكز لتقييم نحو 7,500 رجل وامرأة من جميع أنحاء إسبانيا– وتهدف التجربة أساسًا إلى البحث عما إذا كان النظام الغذائي المتوسطي، الذي يتم إضافة المكسرات إليه، يحمي من أمراض القلب والأوعية الدموية. وهو ما يحدث بالفعل... ولكن في عام 2013، عمدت سانشيز فيليجاس وغيرها من الباحثين إلى تحليل بيانات الاكتئاب بين المشاركين في تجربة PREDIMED. ومرة أخرى، لدى المقارنة بالأفراد الذين اتبعوا نظامًا غذائيًّا عامًّا منخفض الدهون، فإن أولئك الذين التزموا بنظام البحر المتوسط، الذي أضيفت إليه المكسرات، كانوا ​​أقل تعرضًا للاكتئاب. وهو ما تحقق بالفعل، خاصة بالنسبة للأشخاص المصابين بمرض السكري، فقد انخفضت إمكانية إصابتهم بالاكتئاب بنسبة 40 بالمئة. فربما كان هؤلاء المرضى، الذين لا يستطيعون معالجة الجلوكوز بطريقة سليمة، قد استفادوا أكثر لأن الحمية الغذائية المتوسطية قللت من استخدامهم للسكر.

في حقيقة الأمر، إن إحدى السمات الأساسية لهذا النظام الغذائي هو كونه منخفض السكر، كما يقلل من الاعتماد على الأطعمة المصنعة واللحوم الغنية بالدهون، التي أصبحت قاسمًا مشتركًا في معظم قوائم الغذاء الغربية. وكانت رائدة البحث في علم النفس الغذائي فيليس ن. جاكا -من جامعة دايكن وجامعة ملبورن في أستراليا- من أوائل الذين وجودوا ارتباطًا بين الوجبات الغربية النمطية والاكتئاب والقلق. وفي الآونة الأخيرة، أشارت إلى ارتباط آخر بين سوء التغذية والدماغ المنكمش بمعناه الحرفي. وفي سبتمبر 2015 اكتشفت هي وزملاؤها أن كبار السن الذين تناولوا حمية غذائية غربية لمدة أربع سنوات لم يعانوا فقط من اضطرابات المزاج بمعدلات أعلى، بل ظهر أيضًا من خلال أشعة الرنين المغناطيسي، أن منطقة الحصين الأيسر بالمخ لديهم أصغر بكثير من الطبيعي. وتتكون منطقة الحصين من قوسين من الأنسجة على شكل فرس البحر، وهي ذات أهمية بالغة لتشكيل الذاكرة. وقد ركزت جاكا على الحصين لأن الدراسات التي أجريت على الحيوانات قد لوحظ فيها أيضًا تغيُّرات لها علاقة بالنظام الغذائي.

وقد اقترح العلماء عددًا من الآليات المحتملة لتفسير هذه الأضرار . وكشفت النتائج التي توصلت إليها جاكا -وكذلك الأبحاث الأخرى- عن أن الحميات الغذائية الغنية بالسكر يمكنها أن تسرع بحدوث التهابات وتسبب سلسلة من التغيُّرات الأخرى التي تؤدي في النهاية إلى ضعف الوظائف الحيوية للدماغ. ويشكل الالتهاب –عادة- جزءًا من ترسانة الجهاز المناعي الذي يكافح العدوى ويساعد على الشفاء، ولكن عندما يُساء توجيهه أويتصف بالعدوانية المفرطة، فقد يدمرالأنسجة السليمة أيضًا. واستنادًا إلى عدد كبير من الدراسات، فإن الالتهاب له دور في مجموعة من الاضطرابات الدماغية –بدءًا من الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب، وصولًا إلى التوحد والفصام ومرض ألزهايمر.

وأشار تحليلان أُجريا لاحقًا في عامي 2010 و2012 بعد مراجعة البيانات المستقاة من 53 دراسة إلى ارتفاع ملموس في معدلات علامات الالتهاب في الدم لدى المرضى الذين يعانون من الاكتئاب. وذكرت العديد من الدراسات وجود زيادة أو تغيُّر في نشاط الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا الدبقية الصغيرة –والتي تؤدي دورًا رئيسيًّا في استجابة الدماغ للالتهابات- لدى المرضى الذين يعانون من الاضطرابات النفسية، ومن ضمنها الاكتئاب والفصام. إنه ليس واضحًا ما إذا كان الالتهاب هو الذي يسبب المرض الذهني في بعض الحالات أم العكس. ولكن تشير الأدلة إلى أن أكثر عوامل الخطورة المعروفة للاضطرابات النفسية -إن لم تكن كلها، وخاصةً الاكتئاب- تحفز الالتهاب؛ وهذا يشمل الإجهاد والحزن وبعض الميول الوراثية.

 تجدد أبحاث جاكا الإشارة إلى الحميات الغذائية التقليدية، مثل حمية دول البحر المتوسط والحمية اليابانية وحمية الدول الإسكندنافية -والتي تميل لكونها حميات لا تسبب التهابًا- باعتبارها أفضل لصحتنا العصبية والذهنية. ووفق اعتراف جاكا فإنه "ما من شك في أن الإجهاد والمشاعر غير المريحة قد تدفعنا نحو علبة البسكويت المعدنية- فهي لا تسمى أطعمة الراحة اعتباطا!". وتتابع: "ولكن تشير البيانات دومًا إلى أن المكونات الرئيسية للنظام الغذائي الصحي للدماغ تشمل الفواكه والخضراوات والبقول والمكسرات والأسماك واللحوم الخالية من الدهن، والدهون الصحية كزيت الزيتون".

 الأحماض الدهنية وبناء الدماغ

يجد الباحثون بشكل متزايد، أن قوة هذه الحميات الغذائية التقليدية تمتد إلى أبعد من مجرد أن تحل المواد الغذائية الجيدة محل تلك السيئة. ففي الصيف الماضي، اكتشفت عالمات الأعصاب أماندين بيليتيه وكريستين بارول وكاثرين فيار وزملاؤهن بجامعة بوردو في فرنسا أن حمية البحر المتوسط ​​قد تساعد بالفعل على الحفاظ على الوصلات العصبية في الدماغ. واستخدم الباحثون أسلوب تحليل عاليَ الحساسية للتصوير العصبي لقياس التغيُّر الشكلي المستند إلى فوكسل، والذي يُستخدَم لتحديد التغيُّرات الطفيفة في تشريح الدماغ مع مرورالوقت. وفي سبتمبر الماضي، ذكرت مارثا سي موريس -المتخصصة فى الوبائيات الغذائية، من جامعة راش بأمريكا- وزملاؤها أن الحمية المعروفة باسم MIND– وهي الحمية التي تجمع بين حمية البحر المتوسط ​​والحمية الغنية بالعناصر الغذائية، وحمية DASH قليلة الملح، قد تساعدان في إبطاء التدهور الإدراكي، وربما تساعد أيضًا في الوقاية من مرض ألزهايمر. وعندما اختبروا القدرة المعرفية لدى 960 فردًا من المسنين، وجدوا أن الذين اتبعوا حمية MIND الغذائية مدةً تقرب من خمس سنوات حققوا معدّلات مطابقة لتلك التي حققها الأفراد الأصغر بحوالي 7 سنوات ونصف.

ويفسر تطور الخلفية العلمية هذه التأثيرات العصبية الواقية. قديمًا، منذ 195000 و125000 عام مضت كان البشر قد أوشكوا على الانقراض... ربما ترك العصر الجليدي الكثير من الأراضي جليدية وقاحلة مدة 70000 سنة. وتراجع عدد السكان من أجدادنا البشر (Hominin) ليصل إلى بضع مئات فقط، ويتفق معظم الخبراء على أن جميع مَن هم على قيد الحياة اليوم ينحدرون من هذه المجموعة. أما كيف تمكنوا –أي الانسان الأول الحديث– تحديدًا من البقاء على قيد الحياة في أثناء تكرار الفترات الجليدية، فإن هذا الأمر لا يزال غامضًا... ولكن مع نضوب الموارد الطبيعية، من المرجح أن البحث عن الغذاء في البحار وسرائر المحار التي تحيط بأفريقيا أصبح ضروريًّا من أجل البقاء. وقد أظهر طالب الدراسات العليا جان دي فينك -من جامعة ميتروبوليتان نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا- أن شخصًا واحدًا ممن يعملون في المحار يمكنه أن يجني حصادًا مذهلًا يبلغ 4500 سُعر حراري في الساعة.

وتؤكد السجلات الأثرية هذه الفكرة، وتشير إلى أن أجدادنا اعتمدوا نظامًا غذائيًّا غنيًّا بالمحار وأسماك الماء البارد، وكلاهما يُعَدُّ من المصادر الغنية بالأحماض الدهنية أوميجا3. وربما تكون هذه الدهون هي التى أدت إلى تطور أدمغتنا التي لا مثيل لها في التعقيد، والتي تشكل الدهون 60 بالمئة من تركيبها. ويمكن القول بأن حمض الدوكوساهيكسانويك، أو DHA وهو أحد أنواع دهون الأوميجا3، هو العنصر المغذي الوحيد الذي يؤثر بقوة فى صحة الدماغ.

في عام 1972، شارك الطبيب النفسي مايكل كروفورد، الذي يعمل حاليًّا في الكلية الإمبريالية في لندن، في نشر بحث مفاده أن الدماغ يعتمد على DHA، وأن الـDHA البحري المنشأ كان ضروريًّا لتطوُّر أدمغة الثدييات، وبصفة خاصة تطور الدماغ البشري. وقد ناقش كروفورد لأكثر من 40 سنة أن ارتفاع معدلات اضطرابات الدماغ هو نتيجة للتغيرات الغذائية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية –وخاصة الانتقال نحو الأغذية الأرضية المصدر، وبالتالي، اتباع الحميات الغذائية قليلة الدهون. إنه يعتقد أن مجموعة أحماض أوميجا3 المستمدة من المأكولات البحرية كانت أساسية لتطور الجهاز العصبي البشري نحو درجة أعلى من الإدراك.

وأكدت العديد من الدراسات أهمية حمض DHA لبناء الدماغ وتطور وظائفه. إذ إنه أحد مكونات أغشية الخلايا العصبية، ويسهل الاتصال بين هذه الخلايا بعضها ببعض، كما يُعتقد أنه يعزّز مستويات التغذية العصبية المستمدة من الدماغ، كما أنه بروتين يدعم نمو خلايا الدماغ وبقاءها على قيد الحياة. ونظرًا للدور الأساسي الذى يؤديه هذا الحمض وغيره من أحماض أوميجا3 الدهنية في تشكيل أكثر أعضاء جسمنا تعقيدًا والحفاظ عليها، فمن البدَهي أن إدخال كميات أكبر منها إلى نظامنا الغذائي -عن طريق التركيزعلى المأكولات البحرية- ربما يحمي الدماغ من الخرف، حسبما توحي البيانات الغذائية. ومن الجدير بالذكر أن DHA يبدو أيضًا أنه يقلل من الالتهاب المزمن الذي يؤذي الدماغ.

إذا وضعنا الأحماض الدهنية جانبًا، فثمة ارتباط آخر مهم يظهر بين حمية أجدادنا الغذائية، والالتهابات والصحة الذهنية. مع تطورنا، رافق رحلتنا لـ100 تريليون نوع من البكتيريا والفطريات والكائنات الدقيقة الأخرى التي تستعمر أجسادنا وتشكل 90 بالمئة من خلايانا. وتمثل هذه المجموعة التي تُسمى الميكروبيوتا (مجهريات البقعة) وجيناتها المجمعة التي تعرف باسم الميكروبيوم- إسهامًا أساسيًّا في تكوين وظيفة جهازنا الهضمي وجهازنا المناعي. وثمة المزيد من النتائج التى تشير الآن إلى أن تعطيل هذه الجينات بسبب عادات الأكل السيئة يكون على حساب الدماغ.

 ضربة للجهاز الهضمي

في إحدى التجارب التي أجريت عام 2014 (والتى تبعث على الغثيان)، تم إجراء مسح على نحو ثلث أنواع البكتيريا الموجودة في أحشاء الطالب توم سبكتُر، البالغ من العمر حينئذٍ 23 عامًا، وذلك عن طريق قصور حميته الغذائية على وجبات ماكدونالدز السريعة. واستغرق الأمر عشرة أيام فقط، وقد لعب سبكتر خلال تلك الفترة دور (فأر التجارب) لسببين: أولًا لأن هذه التجربة كانت مشروعًا لاستكمال شهادته في علم الوراثة، وثانيًا لأن هذه التجربة توفرالبيانات لوالده، تيم، أستاذ علم الأوبئة الوراثية في الكلية الملكية (كينجز كوليدج) في لندن، الذي يدرس كيفية تأثير النظام الغذائي المصنّع على البكتيريا المعوية. لم يحدد بحث أسرة سبكتر عواقب صحية معينة– فقد اكتفوا بقياس تراجع التنوع البكتيري في الفلورا المعوية لدى توم، ولكن توم ذكر أنه كان يشعر بالنعاس والهبوط بعد أيام من تناول البرجر والبطاطس المقلية والمشروبات الغازية السكرية. كان تراجع عدد أنواع البكتيريا شديدًا جدًّا، مما دفع تيم إلى إرسال النتائج إلى ثلاثة معامل للتأكد من أن التحولات التى حدثت في الميكروبيوتا (جراثيم البقعة) بسبب النظام الغذائي الذي اتبعه سبكتر يمكن أن تسبب التهابًا سريعًا في الجهاز الهضمي. وجاء على رأس قائمة التأثيرات السيئة أن الالتهاب المعوي يمكن أن يستنفد ما لدينا من السيروتونين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالاكتئاب وغيره من الاضطرابات النفسية. يتشكل ما يقرب من 90 بالمئة من السيروتونين لدينا في القناة الهضمية عندما تتفاعل بعض الميكروبات مع الخلايا التي تبطّن الجهاز الهضمي (بعض الميكروبات تنتج جزءًا من السيروتونين في جسمنا). ولكن ما ينتج عن الالتهاب الثانوي يحوّل الأيض الأولي للسيراتونين (الطليعة الاستقلابية للسيروتونين)، وهي التربتوفان، إلى مركّب يولد مواد عصبية سامّة ترتبط بالاكتئاب والفصام ومرض ألزهايمر.
و لكن هناك خبرًا سارًّا، وهو أن التغييرات الغذائية لا تؤدي إلى تقويض التنوع الميكروبي لدينا فحسب، بل يمكنها خلال هذه العملية أيضًا أن تعزِّزه، عن طريق التقليل من التهابات الجهاز الهضمي.

في عام 2015، أجرت مجموعة بحثية في جامعة بيتسبرج بالولايات المتحدة الأمريكية دراسة شارك فيها 20 أمريكيًّا من أصل أفريقي من ولاية بنسلفانيا، تبادلوا وجباتهم الغذائية مع 20 ريفيًّا أسود من جنوب أفريقيا. بدلًا من حمياتهم الغذائية الأصلية منخفضة الدهون الحيوانية، والغنية بالألياف، تناول الأفارقة البرجر والبطاطس المقلية وما شابه ذلك. وتخلى الأمريكيون عن أطعمتهم العادية الغنية بالدهون والكربوهيدرات ليتناولوا الحبوب والخضراوات والأسماك. وبعد أسبوعين فقط كان التهاب القولون لدى الأمريكيين قد قل، وأظهرت عينات البراز ارتفاعًا شديدًا في الأنواع البكتيرية المنتجة لمادة البيوتيرات بلغت نسبته 250 بالمئة. ويُعتقد أن البيوتيرات تقلل من احتمالات الإصابة بالسرطان. من ناحية أخرى، تعرض المشاركون من جنوب أفريقيا، إلى تغيرات ميكروبية ترتبط بزيادة إمكانية الإصابة بالسرطان.

تقول المتخصصة في الطب النفسي إميلي دينز -من كلية الطب في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة-: "إن التغييرات الغذائية هي أسهل طريقة لتغيير الميكروبيوم والسيطرة على الالتهاب. وهي تعتقد أن النظام الغذائي بكل تفاصيله له نفس أهمية الأدوية والعلاج النفسي في علاج المرض الذهني –وهذه وجهة نظر استقتها من خبرتها السريرية الخاصة. وقالت: "إني أناقش موضوع التغذية مع كل مرضاي تقريبًا، وأعتقد أنها تستطيع حقًّا المساعدة في علاج حالات كالاكتئاب، لدى بعض الأفراد على الأقل". وتشعر دينز أيضًا بأن توقيت وجبات الطعام يمكنه التأثير على المزاج، وتشير البحوث إلى أن تناول الطعام وفق برنامج منتظم يمكنه تحسين الصحة الذهنية.
 

وتدرك دينز أن الطريق لا يزال طويلًا أمام العِلم حتى يفسر العلاقة بين الدماغ والغذاء. كما أنها تبدي حذرًا من صناعة البروبيوتيك الضخمة التي -كما هي حال صناعة المكملات الغذائية بشكل عام- ملأت الأسواق قبل اكتمال الأدلة العلمية المتزايدة، والتي تشير إلى أن البروبيوتيك قد يكون فعالًا في الوقاية من المرض الذهني أو علاجه. ووفق تفسير دينز فإنه "يمكنك إجراء دراسات على فيتامينات معينة مثلًا، وقد يثبت بعضها إيجابيته والبعض الآخر سلبيته، ولكن الحقيقة هي أن الفيتامينات توجد في جميع أشكالها الكيميائية في الأغذية، وبشكل واحد فقط في المكملات الغذائية". هذا الاختلاف في الشكل بين العناصر المغذية في الطعام مقابل الأقراص يفسر سبب ميل البيانات إلى تفضيل التغذية من خلال النظام الغذائي على التغذية من خلال المكملات". وتقول دينز: "أعتقد أنه يمكننا القول باطمئنان إن بعض الأنماط الغذائية تبدو معززة للميكروبيوم الصحي، مثل نظام البحر المتوسط الغذائي، والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، والأطعمة الغنية بالخمائر، والأسماك". وقد يكون الميكروبيوم الصحي ضروريًّا لدماغ يتمتع بصحة جيدة.

 الغذاء والتفكير

دأبت كارولين على تناول الطعام بطريقة أفضل لسبع سنوات حتى الآن، مع التركيز على المأكولات البحرية والحدّ من السكر. لقد تخلصت من الوزن الزائد، وأصبح مرض السكري لديها تحت السيطرة. وتقول كارولين بسعادة: "إنه جزء من أسلوب حياة جديد كليًّا، مع علمي أن ما أتناوله من طعام يمكنه التأثير على ما أشعر به". وهذا الوعي يلاقي قبولًا بين المرضى والممارسين على حد سواء. نشر فريق كبير من الأطباء والباحثين تقريرًا في مارس 2015، في دورية Lancet Psychiatry باسم الجمعية الدولية لأبحاث التغذية في الأمراض النفسية –المنظمة التي شاركت جاكا في تأسيسها عام 2013- إشارة إلى الفوائد العلاجية المتواضعة التي أحدثتها العديد من الأدوية النفسية، ودعا الباحثون لإدماج الأساليب المعتمدة على التغذية في طرق العناية بالصحة النفسية. ويقول هؤلاء الباحثون إن "الأدلة الظاهرة والمقنعة عن التغذية كعامل حاسم في ارتفاع معدل حدوث الاضطرابات الذهنية وانتشارها تشير إلى أن دور النظام الغذائي بالنسبة للطب النفسي لا يقل أهمية عن دوره بالنسبة لأمراض القلب وأمراض الغدد الصماء، والجهاز الهضمي بفضل سلسلتنا التطورية (والكثير من الأسماك)، قد يثبت النظر إلى أنظمتنا الغذائية أهميته لعكس ارتفاع معدلات الأمراض الذهنية في جميع أنحاء العالم؛ وتقليل نسبة الأفراد الذين يعانون أشكالًا مختلفة من الخرف؛ والوقاية من الأعراض النفسية والاضطرابات المتوسطة. لا شك أن تناول الطعام بطريقة سليمة ربما يساعدنا على اجتياز الفترات الصعبة –تمامًا كما حدث منذ 160000 سنة مضت لمجموعة صغيرة من البشر الذين قبعوا في كهوف أفريقيا الساحلية.

وأعربت جاكا -وهي واحدة من المؤيدين الرئيسيين للاستفادة من النظام الغذائي لتحسين صحة الدماغ- عن تفاؤلها بأن الدراسات التداخلية -التي فيها يُعطى المرضى "وصفة" لنظام غذائي معيّن ويتبعونه على مرّ الوقت– قد شقّت طريقها أخيرًا. إن بحوثًا كهذه ستتمكن من تقديم دليل أكثر تحديدًا عن العلاقة بين النظام الغذائي والصحة الذهنية والإدراكية. وتعكف مجموعة جاكا الخاصة الآن على إجراء استقصاء عشوائي مراقب لتقييم فاعلية التغييرات الغذائية لدى البالغين الذين يعانون من الاكتئاب الشديد. وتقول جاكا: "إن تجربتنا الحالية هي أول محاولة لتوجيه السؤال التالي بشكل مباشر: ’إذا حسّنت من نظامي الغذائي، فهل سيتحسّن الاكتئاب لديّ؟‘"، وتضيف: "النتائج الأولية تبدو مثيرة جدا". ويأمل فريقها الحصول على إجابات خلال هذا العام.
وفي نفس الوقت، بدأ العديد من الأطباء والمرضى يرون التدخلات الغذائية بادرة للأمل بعد عدة عقود من تطوير أدوية نفسية مخيبة للآمال. إذ إن عددًا كبيرًا من المرضى الذين يعانون من مرض ذهني أو خَرَف لا يستجيب بشكل كاف للأدوية المتوفرة، وقد لا يستجيب على الإطلاق. فعلى سبيل المثال ، تبدو مثبطات السيروتونين الانتقائية مثل بروزاك Prozac، أحد أكثر أصناف الأدوية التي يوصى بها لعلاج الاكتئاب- فعالة فقط في الحالات الشديدة؛ وكثيرًا ما لا تعدو كونها نوعًا من العلاج الوهمي في حالات المرض الخفيفة إلى المعتدلة. ومع معرفة العلماء للمزيد عن الآليات المرضية المسؤولة عن الاضطرابات النفسية والمعرفية، ستظهر بالتأكيد أهداف علاجية جديدة واعدة. ولكن من الواضح أن الخطط العلاجية التي تعتمد على التغذية –وتكون منخفضة التكاليف وخالية من الآثار الجانبية- ستحتل أيضًا مكانًا بارزًا في مستقبل العناية بالخرف والأمراض النفسية.

نُشر هذا المقال تحت عنوان "في البحث عن الحمية الذهنية المثلى".