على مدار العصور كان الاعتقاد السائد بين العلماء والعامة على حد سواء أن عوامل التنشئة والبيئة هي المسؤولة عن تشكيل معتقداتنا السياسية، غير أن بحثًا حديثًا كشف أن الجينات الوراثية تؤدي دورًا مهمًّا في تحديد الميول السياسية.

وقد فحصت أكبر دراسة حديثة عن المعتقدات السياسية –نُشرت في دورية "بيهيفيور جينيتكس" Behavior Genetics في عام 2014- عينةً تتكون من أكثر من 12 ألف توأم (24 ألف شخص) من خمس دول، تتضمن الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تنوعت التوائم بين توائم متطابقة وغير متطابقة، وتأكدت الدراسة من نشأة كل توأم منهم معًا في نفس الظروف والعائلة. وتوصلت الدراسة إلى أن تطور المواقف السياسية يعتمد -في المتوسط- على البيئة التي نشأ فيها الفرد بنسبة 60% تقريبًا، وعلى الجينات بنسبة 40%.

وكما يوضح بيتر حاتمي -عالم الأوبئة الوراثية في جامعة سيدني، والمؤلف الرئيسي للدراسة- قائلًا: "إننا نرث جزءًا من كيفية معالجتنا للمعلومات ورؤيتنا للعالم ونظرتنا للمخاطر والتهديدات التي تحيط بنا، وهو ما يُعرَف إجمالًا في المجتمع الحديث بالمواقف والتوجهات السياسية".

ويصعب تحديد الجينات المسؤولة عن هذه السمات المعقدة؛ لأنها تشارك في عدد ضخم من العمليات الجسدية والمعرفية التي يؤدي كل منها دورًا صغيرًا في تشكيل مواقفنا السياسية. غير أن دراسة حديثة نُشرت في عام 2015 في دورية "بروسيدنجز أوف ذا رويال سوسايتي بي" Proceedings of the Royal Society B ، تمكنت من عمل ذلك؛ إذ أوضحت أن الجينات المسؤولة عن تشفير مُستقبِلات معينة للناقل العصبي "الدوبامين" ترتبط بموقع الفرد على المنحنى من الفكر الليبرالي إلى الفكر المحافظ. فعلى سبيل المثال، 62% من السيدات اللواتي يعتنقن الفكر الليبرالي بقوة يحملن مستقبِلات جينية بعينها سبق الربط بينها وبين بعض السمات من قبيل تحرر الشخصية والسعي وراء التجديد. في حين بلغت النسبة بين السيدات المحافظات للغاية 37.5% فقط.

ويقول ريتشارد إبستاين -عالم الوراثة الجزيئية في جامعة سنغافورة الوطنية، والمؤلف الرئيسي للدراسة-: "ربما يكون الساعون وراء التجديد بقوة أكثر استعدادًا للتفكير في التغيير، بما في ذلك على الصعيد السياسي". بيد أنه يقر أن جينات الدوبامين هي بلا شك جزء صغير من قصة كيفية توارث المواقف السياسية، التي تؤثر فيها مئات الجينات الأخرى بالقدر نفسه.

وتتفق هذه النتائج الجينية مع العديد من الدراسات النفسية التي أشارت إلى أن المواقف السياسية ترتبط بالسمات الشخصية. فعلى سبيل المثال، الانفتاح لخوض تجارب جديدة ينبئ بتبني أيديولوجية ليبرالية؛ أما ارتفاع مستوى يقظة الضمير فغالبًا ما يشير إلى اعتناق مبادئ الفكر المحافظ. غير أن الأدلة تشير إلى أن الشخصية لا يمكنها تفسير المواقف السياسية بالكامل، وأن كلًّا منها على الأرجح يضرب بجذوره بصورة مستقلة فيما يطلق عليه حاتمي "بنية نفسية مشتركة". ولقد نشر حاتمي بمشاركة زميله براد فيرهلست، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية بنسلفانيا، دراسة في دورية "بلوس وان" PLOS ONE في عام 2015، تكشف أن التغيرات في الشخصية على مدى 10 سنوات لا تُنبئ بالتغيرات في المواقف السياسية.

في نهاية المطاف، تضفي هذه النتائج الجينية المبكرة ثقلًا على الفرضية القائلة بأن المعتقدات السياسية قد تعتمد بشكل كبير على العمليات الأساسية في الدماغ؛ أي الغرائز القديمة التي تحثنا على تجنب الخطر والقذارة، والتي نشعر بتأثيرها في صورة الشعور بالخوف والاشمئزاز. ومؤخرًا، قدم علماء النفس في جامعة وُرِكْ في إنجلترا، نظرية تتفق مع هذه الأفكار، نُشرت في دورية "توبيكس إن كوجنيتيف ساينس" Topics in Cognitive Science في شهر يناير الماضي.

باستخدام المحاكاة الحاسوبية، كشف العلماء عن رد فعل أسلافنا عند ملاقاة مجموعات من الغرباء، فقد كان عليهم الاختيار بين الفرص المحتملة -مثل التزاوج منهم أو التبادل التجاري معهم- وبين المخاطر المحتملة، مثل التعرض للإصابة بأمراض معدية. وفي المناطق التي فيها مستويات عالية من العدوى، أظهر نموذج المحاكاة أن القوة المحركة للتطور كانت هي الخوف من الغرباء والاتساق السلوكي للجميع والتعصب العرقي، وهو ما نعرفه في العصر الحديث باسم "المحافظة الاجتماعية".