“.نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل نراها كما نكون نحن”

من كتاب «إغواء المينوتور» Seduction of the Minotaur، لأناييس نين، 1961

في العاشر من أبريل من هذا العام، جلس البابا فرانسيس، والرئيس سلفا كير –رئيس جنوب السودان– وزعيم المتمردين السابق، رياك مشار، لتناول العشاء في الفاتيكان. تناولوا طعامهم في صمت، في مستهل فترة انعزال لمدة يومين، كانت تهدف إلى تحقيق المصالحة في أعقاب حرب أهلية أسفرت عن مقتل قرابة 400,000 شخص منذ عام 2013. وفي الوقت نفسه تقريبًا، في مختبرنا في جامعة ساسكس في إنجلترا، كان طالب الدكتوراة ألبرتو ماريولا يضع اللمسات الأخيرة على تجربة جديدة يَختبر فيها المتطوعون وجودهم في غرفة يعتقدون أنها موجودة لكنها ليست كذلك. يذهب الناس إلى عيادات الطب النفسي في جميع أنحاء العالم شاكين من أن الأمور لم تعد تبدو «حقيقية» بالنسبة لهم، سواء في العالم من حولهم أو في أنفسهم ذاتها. وفي المجتمعات المنقسمة التي نعيش فيها، يبدو أن ما هو حقيقي -وما هو غير حقيقي– قد أصبح أمرًا يسوغ للجميع تحديده على نحوٍ متزايد. فالأطراف المتحاربة قد تعيش حقائق مختلفة وتؤمن بها. وربما كان تناوُل الأطراف المختلفة الطعام معًا في صمت أمرًا مفيدًا؛ لأنه يقدم جزءًا صغيرًا من الواقع يمكن الاتفاق عليه، أو منصة مستقرة يمكن بناء المزيد من التفاهم عليها.

إننا لسنا بحاجة إلى النظر إلى الحرب والذهان لنرى عوالم داخلية متباينة جذريًّا. ففي عام 2015، انتشرت صورة فوتوغرافية سيئة العرض لأحد الفساتين، وقسمت العالم إلى أناس رأوا الفستان باللونين الأسود والأزرق (وأنا من هؤلاء)، وأولئك الذين رأوه باللونين الأبيض والذهبي (ومن هؤلاء نصف العاملين في المختبر). وأولئك الذين رأوا الفستان بإحدى الطريقتين كانوا مقتنعين تمامًا أنهم على حق –أي أن الفستان كان حقًّا باللونين الأسود والأزرق أو الأبيض والذهبي– إلى حد أنهم ظنوا أنه من المستحيل تقريبًا تصديق أن الآخرين قد يرونه بشكل مختلف.

كلنا نعلم أن أجهزتنا الإدراكية من السهل خداعها؛ فشعبية صور الخداع البصري تقف شاهدًا على هذه الظاهرة. تبدو الأشياء بصورة معينة، ثم ينكشف أنها خلاف ما تبدو عليه، فقد يبدو أن خطين مستقيمين لهما طولان مختلفان، لكن عند قياسهما، نجدهما متطابقين تمامًا، وكذلك فإننا نرى حركةً في صورة نعرف أنها ثابتة. والقصة التي غالبًا ما تُروى عن الخداع البصري هي أنه يستغل بعض الانحرافات في دائرة الإدراك لدينا، بحيث يكون ما ندركه مختلفًا عما هو موجود بالفعل. غير أن المعنى الضمني لهذه الرواية هو افتراض أن عمل جهاز الإدراك على نحوٍ سليم من شأنه أن يقدم لوعينا الأشياء كما هي بالضبط.

أما الحقيقة الأعمق فهي أن الإدراك لا يكون مطلقًا نافذةً مباشرةً على حقيقة موضوعية؛ فإدراكاتنا كافةً هي عمليات بناء نشطة، أو هي أفضل تخميناتنا المعتمدة على الدماغ بشأن طبيعة عالم سيظل إلى الأبد مختفيًا وراء حجاب حسي. والأوهام البصرية ما هي إلا شقوق في ذلك النسيج، أو لمحات خاطفة نرى من خلالها تلك الحقيقة الأعمق.

خذ –على سبيل المثال– تجربة اللون، وليكن اللون الأحمر الزاهي لكوب القهوة على مكتبي. يبدو الكوب أحمر حقًّا، ويبدو احمراره حقيقيًّا بقدر حقيقة استدارته، وصلابته. وتبدو هذه السمات الخاصة بتجربتي خصائص موجودة حقًّا في العالم، لتكتشفها حواسنا وتتجلى لعقولنا من خلال آليات الإدراك المعقدة.

إلا أننا نعرف منذ زمن إسحاق نيوتن أن الألوان ليس لها وجود مستقل في العالم، بل يجري تركيبها بواسطة الدماغ من خلطات من أطوال موجية مختلفة للإشعاع الكهرومغناطيسي عديم اللون. فالألوان هي حيلة ذكية أوجدها التطور لمساعدة الدماغ على تعقُّب الأسطح في ظل ظروف إضاءة متغيرة. ونحن البشر لا نستطيع أن نشعر إلا بجزء صغير من الطيف الكهرومغناطيسي الكامل، ذلك الذي يقع بين منخفضات الأشعة تحت الحمراء ومرتفعات الأشعة فوق البنفسجية. وكل لون ندركه، وكل جزء من مجمل كل عالَم من عوالمنا المرئية، يأتي من هذا الجزء الدقيق من الحقيقة.

ومعرفتنا بهذا الأمر وحده كافية لإخبارنا بأن التجربة الإدراكية لا يمكن أن تكون تمثيلًا كاملًا لعالم موضوعي خارجي. إنها أقل من ذلك، وأكثر منه، في الوقت نفسه. فالواقع الذي نعيشه –الطريقة التي تبدو بها الأشياء– ليس انعكاسًا مباشرًا لما هو موجود بالفعل. إنه بناء بارع من صنع الدماغ، ومن أجل الدماغ. وإذا كان دماغي مختلفًا عن دماغك، فقد يكون واقعي مختلفًا كذلك عن واقعك.

الدماغ المتنبئ

في قصة «الكهف» الرمزية لأفلاطون، يُقيد السجناء في مواجهة جدار فارغ طوال حياتهم، بحيث لا يرون سوى الظلال التي تعكسها أجسام تتحرك بجوار نار موقدة خلفهم، ويُعطي هؤلاء السجناء أسماءً للظلال؛ لأن هذه الظلال بالنسبة لهم تمثل الحقيقة. وبعد أفلاطون بألف عام، ومنذ ألف عام من الآن، كتب العالم العربي ابن الهيثم أن الإدراك لما هو «هنا» و«الآن»، يعتمد على عمليات "التمييز والاستدلال"، ولا يتضمن وصولًا مباشرًا إلى الواقع الموضوعي. وبعد ذلك بمئات أخرى من السنين، أدرك إيمانويل كانط أن الفوضى الجامحة للبيانات الحسية تظل دومًا بلا معنى إذا لم يتم إعطاؤها بنية بواسطة مفاهيم أو «معتقدات» موجودة سلفًا، والتي كانت -من وجهة نظره- تتضمن إطارات عمل مُسبَقة مثل المكان والزمان. ويشير مصطلح كانط «نومينون» إلى «شيء بذاته» -Ding an sich– يُعد حقيقة موضوعية ستظل دومًا مستعصية على الإدراك البشري.

واليوم اكتسبت هذه الأفكار زخمًا جديدًا من خلال مجموعة مؤثرة من النظريات التي أثارت فكرة أن الدماغ هو نوع من آلات التنبؤ، وأن إدراك العالم –والذات الموجودة فيه– هو عملية تنبُّئية معتمدة على الدماغ بشأن أسباب الإشارات الحسية.

عادةً ما يُرجع الباحثون هذه النظريات الجديدة إلى الفيزيائي وعالِم وظائف الأعضاء الألماني هيرمان فون هيلمهولتس، الذي أشار في نهاية القرن التاسع عشر إلى أن الإدراك هو عملية استدلال لاواعٍ. وقرب نهاية القرن العشرين، تبنَّى فكرةَ هيلمهولتس علماءُ الإدراك والباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي، الذين أعادوا صياغتها في إطار ما يُعرف الآن بوجه عام باسم «الترميز التنبئي» أو «المعالجة التنبئية».

الفكرة الرئيسة للإدراك التنبئي هي أن الدماغ يحاول معرفة ما هو موجود في العالم (أو بداخل الجسد) من خلال وضع أفضل التخمينات –وتحديثها– باستمرار بشأن أسباب مدخلاته الحسية. وهو يقوم بتشكيل أفضل التخمينات من خلال الجمع بين التوقعات السابقة أو «المعتقدات» بشأن العالم، والبيانات الحسية الواردة، بطريقة تأخذ في الاعتبار مدى موثوقية الإشارات الحسية. وعادةً ما يرى العلماء في هذه العملية شكلًا من أشكال الاستدلال البايزي، وهو إطار يحدد كيفية تحديث المعتقدات أو أفضل التخمينات ببيانات جديدة عندما يكون كلاهما محمّلًا بعدم اليقين.

وفق نظريات الإدراك التنبئي، يقارب الدماغ هذا النوع من الاستدلال البايزي عن طريق التوليد المستمر لتنبؤات حول الإشارات الحسية، ومقارنة هذه التنبؤات بالإشارات الحسية التي تصل إلى العينين، والأذنين (والأنف، وأطراف الأصابع، وجميع الأسطح الحسية الأخرى الموجودة خارج الجسم وداخله). وتؤدي الاختلافات بين الإشارات الحسية المتوقعة والفعلية إلى حدوث ما يسمى بأخطاء التنبؤ، والتي يستخدمها الدماغ لتحديث تنبؤاته، وتجهيزه للجولة التالية من المدخلات الحسية. ومن خلال السعي لتقليل أخطاء التنبؤ الحسي إلى الحد الأدنى في كل مكان وفي كل زمان، ينفذ المخ استدلال بايزي تقريبيًّا، ويكون أفضل التخمينات البايزية الناتجة هو ما ندركه في النهاية.

ولفهم كيف يعمل هذا المنظور على تغيير حدسنا جذريًّا بشأن الأساس العصبي للإدراك، من المفيد أن نفكر في اتجاهات تدفُّق الإشارات في الدماغ من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل. فإذا افترضنا أن الإدراك هو نافذة مباشرة تطل على حقيقة خارجية، فمن الطبيعي أن نعتقد أن محتوى الإدراك محمول على إشارات من أسفل إلى أعلى، أي تلك التي تتدفق من الأسطح الحسية إلى الداخل. أما الإشارات من أعلى إلى أسفل فقد تضع ما ندركه في السياق الصحيح وتقوم بتدقيقه وإتقانه، ولا شيء أكثر من ذلك. ويمكن أن نطلق على هذا اسم منظور «كيف تبدو الأشياء»؛ لأنه يبدو أن العالم يكشف لنا عن نفسه مباشرةً من خلال حواسنا.

إلا أن سيناريو آلة التنبؤ مختلف تمامًا. هنا تحدث عملية الإدراك الصعبة من خلال الإشارات التي تنقل التنبؤات الإدراكية من أعلى إلى أسفل، أما التدفق الحسي فيعمل من أسفل إلى أعلى فقط لمعايرة هذه التنبؤات وإبقائها مقيدةً -بطريقة مناسبة- بأسبابها في العالم. ومن هذا المنظور، فإن إدراكاتنا تأتي من الداخل إلى الخارج، بنفس قدر مجيئها من الخارج إلى الداخل، إن لم يكن أكثر. وبدلًا من أن يكون الإدراك عبارة عن مجرد تسجيل سلبي لواقع خارجي موضوع، فإنه يأخذ شكل عملية بناء نشط، أو «هلوسة مُقيدة»، كما أصبحت تُعرف الآن.

صورة سيئة العرض لأحد الفساتين، الذي يبدو لبعض الناس باللونين الأبيض والذهبي، وللبعض الآخر باللونين الأسود والأزرق. Credit: Tumblr

ولماذا هي هلوسة مُقيدة؟ يميل الناس إلى اعتبار الهلوسة نوعًا من الإدراك الخطأ، الذي يكون مناقضًا بوضوح للإدراك الطبيعي، الصحيح، المطابق للواقع. بيد أن منظور آلة التنبؤ يشير –بدلًا من ذلك– إلى ارتباط متصل بين الهلوسة والإدراك الطبيعي. فكلاهما يعتمد على تفاعل بين التنبؤات المعتمدة على الدماغ المتدفقة من أعلى إلى أسفل، والبيانات الحسية التي تتدفق من أسفل إلى أعلى، ولكن خلال الهلوسة، لا تُبقي الإشارات الحسية التنبؤات المتدفقة من أعلى إلى أسفل مُقيدةً بأسبابها في العالم على نحو مناسب. ما نطلق عليه الهلوسة، إذًا، هو مجرد شكل من أشكال الإدراك غير المُقيد، تمامًا كما أن الإدراك الطبيعي هو شكل مُقيد من أشكال الهلوسة.

وهذا المنظور للإدراك لا يعني أنه لا يوجد شيء حقيقي. فقد كتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في القرن السابع عشر يفرق على نحو مؤثر بين الخصائص «الأولية» و«الثانوية». فالخصائص الأولية لجسمٍ ما، مثل الصلابة وشغل حيز في المكان، توجد بصورة مستقلة عن وجود الكيان الذي يدركها. أما الخصائص الثانوية فهي، على النقيض من ذلك، لا توجد إلا في وجود الكيان الذي يدركها، والألوان مثال جيد على ذلك. وهذا التمييز يفسر لماذا لا يعني اعتبار الإدراك هلوسةً مُقيدةً أنه من المقبول أن يقفز المرء أمام حافلة مسرعة؛ فهذه الحافلة لها خصائص أساسية تتعلق بالصلابة وشغل حيز من المكان، توجد على نحو مستقل عن آلياتنا الإدراكية، ويمكن أن تسبب لنا الإصابة. فالهلوسة المُقيَّدة إذًا تتعلق بالصورة التي تبدو بها الحافلة، وليس بالحافلة نفسها.

الهلوسة في المختبر

تدعم مجموعة متنامية من الأدلة فكرة أن الإدراك ما هو إلا هلوسة مُقيدة، على الأقل في خطوطه العريضة. وتقدم دراسة أجراها كريستوف تويفيل –من جامعة كارديف في ويلز– وزملاؤه في عام 2015 مثالًا لافتًا على ذلك. في هذه الدراسة، جرت مقارنة مجموعة من مرضى الذهان في مراحله المبكرة -وكانوا عُرضةً للهلوسة- بمجموعة من الأفراد الأصحاء، من حيث قدرتهم على التعرُّف على ما يسمى الصور ذات اللونين.

ألقِ نظرةً على الصورة ذات اللونين أدناه. الأرجح أن كل ما ستراه هو مجموعة من البقع باللونين الأبيض والأسود. وبعد أن تقرأ بقية هذه الجملة، انظر إلى صورة التحوُّل الإدراكي الموجودة تحت الصورة الأولى. ثم ألق نظرةً أخرى على الصورة الأولى. من المؤكد أنها سوف تبدو مختلفةً إلى حدٍّ كبير. فبدلًا من فوضى البقع التي رأيتها في البداية، توجد الآن أجسام واضحة المعالم، وثمة شيء يحدث.

والشيء الذي أجده لافتًا للنظر في هذا النشاط هو أنه عند المراجعة الثانية لصورة التحول الإدراكي، لم تتغير الإشارات الحسية التي تصل إلى عينيك على الإطلاق عن المرة الأولى التي رأيتها فيها. وكل ما تغير هو تنبؤات دماغك بشأن أسباب هذه الإشارات الحسية. لقد اكتسبت توقعًا إدراكيًّا جديدًا عالي المستوى، وهذا هو ما يغير ما تراه بوعي.

Credit: Matteo Farinella

إذا عرضت عددًا كبيرًا من هذه الصور ذات اللونين على بعض الناس، ثم أتبعت كل واحدة منها بالصورة الكاملة، فقد يتمكن هؤلاء الناس لاحقًا من التعرُّف على نسبة كبيرة من الصور ذات اللونين، ولكن ليس جميعها. في دراسة تويفيل، كان الأشخاص المصابون بالذهان في مرحلة مبكرة أفضل في التعرُّف على الصور ذات اللونين بعد أن رأوا الصور الكاملة من الأشخاص الذين كانوا يتمتعون بصحة جيدة. وبعبارة أخرى، فإن كون المرء عُرضةً للهلوسة كان مصاحبًا لوجود تأثير قوي للمقدمات الإدراكية على الإدراك. وهذا بالضبط هو ما نتوقعه إذا كانت الهلوسة في الذهان تعتمد على ترجيح كفة المقدمات الإدراكية بحيث تغطي على أخطاء التنبؤ الحسية، وهو ما يحرر أفضل التخمينات الإدراكية من أسبابها في الواقع.

وقد كشفت أبحاث حديثة عن جزء أكبر من هذه القصة. فقد جمع فيل كورليت –من جامعة ييل– وزملاؤه بين الأضواء والأصوات في تصميم بسيط، في محاولة لتوليد التوقعات لدى الخاضعين للدراسة حول ما إذا كان الضوء سيظهر أم لا في تجربة بعينها. دمج الباحثون هذا التصميم مع تصوير الدماغ للكشف عن بعض مناطق الدماغ المشاركة في عملية الإدراك التنبئي. وعندما نظروا في البيانات، تمكن كورليت وفريقه من تحديد مناطق، مثل التلم الصدغي الأعلى، في عمق الفص الصدغي للقشرة الدماغية، مرتبطة تحديدًا بالتنبؤات من أعلى إلى أسفل المتعلقة بالأحاسيس السمعية. ويُعد هذا تطورًا جديدًا مثيرًا في رسم خريطة الأساس الدماغي للهلوسة المقيدة.

وفي مختبرنا، تبنينا نهجًا مختلفًا لاستكشاف طبيعة الإدراك والهلوسة. فبدلًا من النظر إلى الدماغ مباشرةً، قررنا محاكاة تأثير المقدمات الإدراكية مفرطة النشاط باستخدام جهاز واقع افتراضي فريد من نوعه، ابتكره خبير الواقع الافتراضي المقيم لدينا، كيسكي سوزوكي. ونحن نسمي هذه الآلة «آلة الهلوسة»، على سبيل المزاح بطبيعة الحال.

وباستخدام كاميرا بزاوية 360 درجة، سجلنا أولًا لقطات فيديو بانورامية لساحة مزدحمة في حرم جامعة ساسكس في يوم ثلاثاء وقت الغداء. ثم عالجنا اللقطات بواسطة خوارزمية معتمدة على برنامج جوجل للذكاء الاصطناعي المسمى «ديب دريم» DeepDream لتوليد محاكاة للهلوسة. وما يحدث هو أن الخوارزمية تأخذ ما يسمى بشبكة عصبية –أحد الأعمدة التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي– وتقوم بتشغيلها عكسيًّا. جرى تدريب الشبكة التي استخدمناها على تعرُّف الأشياء الموجودة في الصور، لذا إذا قمت بتشغيلها عكسيًّا، بحيث يجري تحديث مدخلات الشبكة بدلًا من مخرجاتها، فإنها تعرض بفاعلية ما «تعتقد» أنه موجود في الصورة. وتطغى تنبؤاتها على المدخلات الحسية، وتؤدي إلى ميل ميزان أفضل التخمينات الإدراكية نحو التنبؤات. وكانت شبكتنا الخاصة بارعةً في تصنيف سلالات مختلفة من الكلاب، لذا أصبح الفيديو ممتلئًا بصورة غير عادية بحضورٍ طاغٍ للكلاب.

علق العديد من الأشخاص الذين شاهدوا اللقطات المعالجة واستمعوا إليها من خلال جهاز الواقع الافتراضي بأن التجربة لم تذكرهم بتجارب الهلوسة المصاحبة للذهان، بل بالتجليات الغامرة لرحلات العقل تحت تأثير المخدرات.

عن طريق استخدام آلة الهلوسة بطرق مختلفة قليلًا، أمكننا توليد أنواع مختلفة من التجارب الواعية. فعلى سبيل المثال، أدى تشغيل الشبكة العصبية عكسيًّا من إحدى طبقاتها الوسطى –وليس من طبقة المَخرجات– إلى حدوث هلوسات في رؤية أجزاء الأجسام، بدلًا من الأجسام بأكملها. وفي المستقبل، سوف تساعدنا هذه الطريقة على مضاهاة خصائص محددة للبنية الحوسبية للإدراك التنبئي بجوانب محددة مما تبدو عليه تجارب الهلوسة. ومن خلال فهم الهلوسة على نحو أفضل، سنكون قادرين على فهم التجربة الطبيعية بصورة أفضل أيضًا؛ لأن التصور التنبئي هو أصل كل تجربتنا الإدراكية.

صورة ذات لونين تبدو مثل فوضى من البقع باللونين الأبيض والأسود إلى أن ترى الصورة الكاملة أدناه.
Credit: Richard Armstrong Getty Images

إدراك الواقع

على الرغم من أن آلة الهلوسة تسلب العقول بلا شك، فإن الأشخاص الذين يجربونها يدركون تمامًا أن ما يمرون به ليس حقيقيًّا. وفي الواقع، على الرغم من التقدم السريع في تكنولوجيا الواقع الافتراضي والجرافيكس، فلا يوجد حاليًّا جهاز واقع افتراضي يقدم تجربة مقنعة إلى حد أنه لا يمكن تمييزها عن الواقع الحقيقي.

هذا هو التحدي الذي قررنا قبوله عند تصميم جهاز «واقع بديل» جديد في جامعة ساسكس، وهو التحدي الذي كنا نعمل عليه عندما عقد البابا فرانسيس الاجتماع مع سلفا كير ورياك مشار. كان هدفنا هو ابتكار نظام يختبر فيه المتطوعون بيئةً واقعية –ويؤمنون بأنها واقعية– في حين أنها ليست كذلك حقًّا.

الفكرة الأساسية بسيطة؛ فقد قمنا مرةً أخرى بتسجيل بعض لقطات الفيديو البانورامية مسبقًا، وكانت هذه المرة من داخل مختبر الواقع الافتراضي، وليس من مشهد خارجي للحرم الجامعي. يُطلب من الأشخاص القادمين إلى المختبر الجلوس على مقعد في منتصف الغرفة ووضع جهاز رأس للواقع الافتراضي مزود بكاميرا موضوعة في الأمام. ويُطلب منهم النظر في أرجاء الغرفة ورؤية الغرفة كما هي في الواقع، من خلال الكاميرا. ولكن في مرحلةٍ ما –ومن دون أن نخبرهم– نقوم بتبديل البث بحيث لا يعرض جهاز الرأس الآن المشهد الحقيقي في العالم الحقيقي، بل يعرض الفيديو البانورامي المسجّل مسبقًا. يستمر معظم الأشخاص في هذه الحالة في رؤية المشهد على أنه واقعي، على الرغم من أنه الآن عرض مزيف مسجل مسبقًا. (هذا أمرٌ يصعب للغاية أن ينجح في الواقع العملي؛ فهو يتطلب موازنةً وتطابقًا دقيقًا للألوان؛ لتجنُّب أن يلاحظ المشاركون أي فرق من شأنه أن ينبههم إلى التحول).

وإنني أجد هذه النتيجة مدهشة؛ لأنها تُبين أنه من الممكن جعل الناس يشعرون بأن بيئةً غير حقيقية ما واقعيةً تمامًا بالنسبة لهم. وتفتح هذه التجربة وحدها آفاقًا جديدة أمام أبحاث الواقع الافتراضي؛ إذ يمكننا اختبار حدود ما سيشعر الناس –ويؤمنون– بأنه واقعي. كما أنها تسمح لنا بدراسة كيفية تأثير الشعور بالأشياء على أنها واقعية على جوانب أخرى من الإدراك. ونحن نعمل في الوقت الراهن على إجراء تجربة لمعرفة ما إذا كان الناس أسوأ حالًا في اكتشاف التغيرات غير المتوقعة في الغرفة عندما يعتقدون أن ما يرونه حقيقي أم لا. وإذا تبين أن الأمر كذلك (الدراسة جارية)، فإن هذا الاكتشاف سيدعم فكرة أن إدراك الأشياء على أنها واقعية بحد ذاته يمثل مقدمةً إدراكيةً عالية المستوى، يمكن أن تشكل أفضل توقعاتنا الإدراكية بصورة جوهرية، مما يؤثر على مضمون ما ندركه.

حقيقة الواقع

فكرة أن العالم الذي نختبره قد لا يكون واقعيًّا هي فكرة متكررة في مجالي الفلسفة والخيال العلمي، كما ترد أيضًا في مناقشات الحانات في الأوقات المتأخرة من الليل. يتناول نيو في فيلم «ذا ماتريكس» The Matrix الحبة الحمراء، ويبين له مورفيوس كيف أن ما كان يعتقد أنه واقعي هو محاكاة متقنة للواقع، في حين أن نيو الحقيقي يرقد خائر القوى في مزرعة للأجسام البشرية، وقد تم حفظ مخه على طريقة «دماغ في وعاء» كمصدر طاقة لذكاء اصطناعي شرير ومخيف. ومن المعروف أن الفيلسوف نيك بوستروم، من جامعة أكسفورد، زعم –مستندًا إلى الإحصائيات إلى حدٍّ كبير- أننا ربما كنا نعيش داخل محاكاة حاسوبية جرى إنشاؤها في عصرٍ تالٍ لعصر البشر. وأنا شخصيًّا أختلف مع هذا الزعم؛ لأنه يفترض أنه يمكن محاكاة الوعي، ولا أعتقد أن هذا افتراض سليم مأمون، لكنه يثير الفكر.

وعلى الرغم من أن هذه الموضوعات الميتافيزيقية الدسمة ممتعة في تدارسها، إلا أنه من المستحيل حلها على الأرجح. وبدلًا من ذلك، فقد استكشفنا خلال هذه المقالة العلاقة بين المظهر والحقيقة في إدراكنا الواعي، علمًا بأن جزءًا من هذا المظهر يتضمن ظهوره هو ذاته بصورة واقعية.

الفكرة الأساسية هنا هي أن الإدراك هو عملية تأويل نشطة موجهة نحو التفاعل التكيُّفي مع العالم من خلال الجسم، وليست إعادةً لخلق هذا العالم داخل العقل. ومحتويات عوالمنا الإدراكية هي هلوسات مُقيدة، وهي أفضل التخمينات المعتمدة على الدماغ بشأن الأسباب غير القابلة للمعرفة بشكل حاسم للإشارات الحسية. وبالنسبة لأغلب الناس، في معظم الوقت، نشعر بأن هذه الهلوسات المقيدة هي تجربة حقيقية. وكما قال لي مغني الراب وناقل العلوم الكندي بابا برينكمان، فعندما نتفق على هلاوسنا المشتركة، فربما كان هذا هو ما يمكن أن ندعوه الواقع.

لكننا لا نتفق دائمًا، ولا نختبر الأشياء دائمًا على أنها واقعية. فالأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية انفصالية، مثل اضطراب تبدُّد الواقع أو اضطراب تبدُّد الشخصية، يقررون أن عوالمهم الإدراكية –بل وحتى أنفسهم ذاتها- تفتقر إلى حس الواقعية. وتجمع بعض أشكال الهلوسة -ومن بينها هلوسات عديدة ناتجة عن المواد المخدرة- بين الإحساس بعدم الواقعية ووضوح الإدراك، كما في حالة الأحلام الواضحة. ويتمتع الأشخاص الذين يمتلكون ما يسمى بظاهرة «الحس المواكب» synesthesia دائمًا بتجارب حسية إضافية، مثل إدراك الألوان عند رؤية حروف سوداء، وهم يعلمون أن هذا ليس حقيقيًّا. وحتى مع الإدراك الطبيعي، إذا نظرت مباشرةً في الشمس، فسوف تشعر بأن الصورة التالية في الشبكية ليست حقيقية. وثمة العديد من الطرق الأخرى التي نشعر فيها بأن إدراكاتنا ليست حقيقيةً تمامًا.

تحول الإدراك: رؤية هذه الصورة الفوتوغرافية تُغَيِّر ما يراه الشخص في الصورة ذات اللونين أعلاه
Credit: Richard Armstrong Getty Images

ما يعنيه هذا بالنسبة لي هو أن خاصية الواقعية التي تلازم معظم إدراكاتنا يجب ألا تؤخذ باعتبارها أمرًا مسلَّمًا به. فما هذه الخاصية إلا جانب آخر للطريقة التي يستقر بها دماغنا على أفضل تخميناتنا البايزية حول أسبابها الحسية. لذا قد يتساءل المرء عن الغرض الذي تخدمه. وربما كان الجواب هو أن أفضل تخمين إدراكي يتضمن خاصية الواقعية عادةً ما يكون أكثر ملاءمةً للغرض –أي أنه أكثر قدرةً على توجيه السلوك– من التخمين الخالي من الواقعية؛ فنحن سوف نتصرف على نحو أكثر ملاءمةً فيما يتعلق بفنجان قهوة، أو حافلة تقترب، أو الحالة الذهنية لشريك حياتنا، عندما نؤمن بأن هذه الأشياء موجودة في الواقع.

إلا أن ذلك ليس دون مقابل. فكما يتضح من قصة الفستان، فإننا عندما نعتبر الأشياء واقعية، نكون أقل قدرةً على فهم أن عوالمنا الإدراكية قد تختلف عن عوالم الآخرين. (التفسير الرئيسي للإدراكات المختلفة بشأن الفستان هو أن الأشخاص الذين يقضون أغلب أوقات يقظتهم في ضوء النهار يرونه باللونين الأبيض والذهبي، أما الذين يميلون إلى السهر بالليل، والذين يتعرضون في أغلب الوقت للضوء الصناعي، فيرونه أزرق وأسود). وحتى إذا كانت هذه الاختلافات صغيرة، فإنها قد تصبح راسخةً وقوية مع تقدُّمنا لجمع المعلومات بطرق مختلفة، إذ ننتقي من البيانات الحسية ما هو أكثر توافقًا مع نماذجنا الفردية التي نرسمها للعالم، ثم نقوم بتحديث نماذجنا الإدراكية استنادًا إلى تلك البيانات المتحيزة. ونحن كافةً نعرف هذه العملية جيدًا من خلال غرف الصدى على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الصحف التي نختار قراءتها. وأعتقد أن المبادئ نفسها تنطبق أيضًا على مستوى أعمق، يكمن في أساس معتقداتنا الاجتماعية والسياسية، وصولًا إلى نسيج حقائقنا الإدراكية. بل قد تنطبق أيضًا على إدراكاتنا لذواتنا –أي تجربة كوني أنا أو كونك أنت– لأن تجربة الشعور بالذات هي في حد ذاتها عملية إدراك.

هذا هو السبب الذي يجعل لفهم الآليات الخلاقة والبَنَّاءة لعملية الإدراك أهميةً اجتماعية تفوق التوقعات. وربما عندما نستطيع أن نُقَدِّر على نحوٍ أفضل تنوُّع الحقائق المَعيشة المبعثرة بين مليارات الأدمغة التي تقوم بعمليات الإدراك على هذا الكوكب، سوف نجد منصات جديدة نبني عليها تفاهمًا مشتركًا ومستقبلًا أفضل، سواء بين أطراف في حرب أهلية، أو بين أتباع أحزاب سياسية مختلفة، أو بين شخصين يعيشان معًا في منزل واحد ولا بد لهما من غسل الأطباق.