للوهلة الأولى، قد يعتقد من يسمع بمصطلح "الطب الدقيق" أنه، وبلا شك، أمر جيد جدًّا. ولو عدنا لنشوء هذا الفرع من الطب، فسنجد أنه يعود لتنبُّه الباحثين إلى اختلاف التكوين الجيني (الوراثي) للمرضى وما يترتب عليه من اختلاف في استجابتهم للأدوية وإن تطابقت تلك الأخيرة. وبالتالي، فإن الطب الدقيق يعمل على إيجاد الدواء الصحيح للمريض الصحيح، وذلك في الوقت الصحيح وفي كل مرة.

تلك النظرية بالتأكيد لها مؤيدوها بين خبراء الطب. ولكن هناك أيضًا مَن ينظرون إلى الجهود التي تُبذل لتحقيق فكرة "الطب الدقيق" كمضيعة للوقت والمال.

وخصصت الحكومة الأمريكية مؤخرًا عدة ملايين من الدولارات لتمويل ما يُعرف بمبادرة الطب الدقيق؛ لتثير من جديد الجدل حول جدوى هذه الجهود لعلاج المرض وقدرتها على إحداث ثورة حقيقية في مجال الرعاية الصحية.

وإذا ما سألت العلماء المؤيدين للبحث في مجال الطب الدقيق عن مثال لما يمكن أن يحققه هذا النوع من العلاج، فسيضربون لك على الأرجح مثلاً بدواء إيفاكافتور، هذا الدواء الجديد الذي استطاع تخفيف أعراض مرض التكيس الليفي عند مجموعة ضئيلة جدًّا وثانوية من المصابين بهذا المرض. وينتج مرض التليف الكيسي عن خلل في أحد البروتينات المسؤولة عن تمرير الأملاح إلى داخل الخلايا وخارجها. ونتيجة لهذا الخلل، يعجز هذا البروتين عن الوصول إلى سطح الخلية، وبالتالي لا يتمكن من تنظيم دخول الأملاح وخروجها. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فبمقدور إيفاكافتور تصحيح هذا الخلل الذي يسبب المرض الذي ينتج عن طفرات جينية. إلا أن هذا العقار لا يؤثر سوى في نوع واحد من أنواع التليف الكيسي الذي يمثل 5% فقط من كل حالات المرض! وبإمكان الاختبارات الجينية أن تحدد بدقة الأفراد الذين قد يستفيدون من هذا العلاج.

وقد قامت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية بتسريع عملية تطوير عقار إيفاكافتور منذ بضع سنوات، ومن حينها نال العقار الإشادة باعتباره يمثل خلاصة مفهوم الطب الدقيق. بل إن العقار قد نال مديح الرئيس الأمريكي باراك أوباما عندما أعلن عن إطلاق مبادرة الطب الدقيق الممولة حكوميًّا في يناير 2015، فقال حينها: "لقد استطاع هذا الدواء إيقاف مرض التليف الكيسي عند بعض المرضى، وهو المرض الذي لم يُظَن يومًا أنه من الممكن إيقافه". ثم تابع حديثه لاحقًا حول الطب الدقيق بقوله: "إنه يمنحنا واحدة من أعظم الفرص على الإطلاق لتحقيق الإنجازات الطبية".

المفارقة في الأمر أنك إن سألت معارضي الطب الدقيق عن مثال يؤكد مزاعمهم بأنه ذو عيوب خطيرة، فهم على الأرجح سيسوقون لك الإيفاكافتور مثالًا! فقد استغرق تطوير ذلك العقار عقودًا، كما أن تكلفته تصل إلى 300.000 دولار أمريكي سنويًّا للمريض الواحد. علاوة على ذلك، فإن العقار أثبت عدم جدواه مع 95% من مرضى التليف الكيسي المصابين بالمرض، حيث تختلف التحولات الوراثية لديهم عن تلك التي يعالجها العقار.

بل إن دراسة حديثة نشرتها مجلة نيوإنجلاند جورنال أوف مديسين قد أثبتت أن الفائدة التي حصل عليها المرضى المعالَجون بالإيفاكافتور كانت مساوية تقريبًا للفائدة التي يحصلون عليها عادةً من ثلاثة عقاقير أقل تقدمًا ومعتمدة عالميًّا: جرعة عالية من الأيبوبروفين، ورذاذ محلول ملحي، والمضاد الحيوي أزيثرومايسن.

يقول نايجل بانث -طبيب الأطفال، وعالِم الوبائيات في جامعة ولاية ميشيغان-: "هذه الاكتشافات الأخيرة هي جزء من خطوات قصيرة اتُّخذت نحو علاج التكيف الكيسي، وقد أسهمت بشكل ملحوظ في رفع معدلات البقاء لدى المصابين خلال العقدين الماضيين". ويضيف: "بل إنها (أي العقاقير التقليدية) لا تكلف سوى مبالغ ضئيلة جدًّا، وتعالج الجميع مقارنة بالعقاقير 'عالية التقنية' الجديدة".

وقد تقابلنا المفارقة عينها مع كل مثال من أمثلة الطب الدقيق تقريبًا. فقد ظل الأطباء يعُدُّون الاعتمادَ على دراسة المكوِّن الجيني للمرضى سبيلًا لتحديد الجرعة المناسبة للعلاج بعقار "الوارفرين" المضاد للتجلط فكرةً عظيمة، وذلك قبل أن تؤكد دراسة أن هذا الإجراء لا يحسِّن من العلاج، وأن ضبط الجرعة بالطريقة التقليدية المعتمدة على العمر والوزن والجنس يمكن أن يعطي نتائج مماثلة.

ويبرز مثال آخر من خلال عقار جليفيك، وهو دواء يُستخدَم لعلاج أحد أنواع سرطان الدم؛ إذ قوبل بحفاوة بعد نجاحه في تقليص الأورام لدى مجموعة ثانوية من المرضى ذوي طفرات شديدة الخصوصية. ولكن بعد حين، ظهر العديد من المرضى الذين طرأت على خلاياهم السرطانية طفرات جديدة مقاوِمة للعقار، مكنت السرطان من العودة لأجسادهم. لذا، فلم يقدم جليفيك لكثير من هؤلاء المرضى سوى أنه أكسبهم بعض الوقت -بضعة أشهر أو سنة- دون أن تتغير النتيجة النهائية.

ويبدو النقاش حول فضائل الطب الدقيق قديمًا، ولربما كانت جذوره تعود إلى مشروع الجينوم البشري الذي كلف عام 1991 مبلغ 3 مليارات دولار أمريكي و13 عامًا من العمل من أجل معرفة التسلسل الكامل لمتممة جينات الإنسان.

وبالبناء على ذلك الجهد، ابتكر العلماء طرقًا أقصر يربطون بها بديلًا جينيًّا معينًا بأمراض معينة، وذلك مع تقليل الحاجة إلى ترتيب التسلسل الجيني. وكانت ثمرة ذلك ظهور فكرة دراسات الارتباط على كامل الجينوم، والتي تُختصَر بـGWAS. وتتمثل فكرة هذه الدراسات في رصد بضع مناطق مختارة من الجينوم البشري، وفحص ما إذا كانت هناك فروق ثابتة في هذه المواقع لدى مجموعة من الناس المصابين بمرض ما ومجموعة من الأصحاء. وكثفت شركات الأدوية من استثماراتها في GWAS أملًا في التوصل لنتائج تضع على أساسها أهدافها في صناعة الدواء، إلا أن ذلك لم يفلح في التوصل للجذور الجينية للأمراض. فقد نتج عن تلك الدراسات المتتالية العديد من البدائل الجينية التي يمكن لأيٍّ منها تعريض الفرد لحالة مرضية ما. وفي معظم الحالات، كانت الفروق بين تلك البدائل -عند زيادتها أو تقليلها فرصَ التعرُّض للمرض- طفيفة للغاية. وبطبيعة الحال خيبت هذه النتائج الآمال على نطاق واسع، وألقت بظلال قاتمة على فكرة دراسة البدائل الجينية لتطويرعلاجات محددة.

ولكن يؤكد مؤيدو الطب الدقيق أن المشكلة ليست في إيجاد الفروق الجينية وحسب، بل هي في ضيق نطاق دراسات GWAS. فبرأي هؤلاء أنه بدلًا من البحث في أنواع قليلة من البدائل الجينية المشتركة والمرتبطة بالمرض، سيكون من الأجدى البحث في كامل الجينوم، أي في ستة مليارات نيوكليوتيد (وحدة بناء المادة الجينية)، ثم النظر في تلك البيانات قبل المعلومات العديدة الأخرى، كالتاريخ المرضي للعائلة، والميكروبات الكائنة في الجسم (ميكروبيوم)، والتبدلات الكيميائية في الحمض الوراثي (فوق الوراثية/ إبيجينوم) التي تحدد مدى نشاط كل جين على حدة. وإذا ما تمت مقارنة كافة تلك المعلومات لدى أكبر عدد ممكن من الأفراد، فسوف يتمكن الباحثون -وفق مؤيدي الطب الدقيق- من تحديد مجموعة القوى التي تتحكم في كل مرض، وتطوير العقاقير التي تستهدفها.

وفي الواقع، فإن مبادرة الطب الدقيق التي أعلنها الرئيس الأمريكي العام الماضي تهدف إلى القيام بذلك بالضبط. فمحور هذه المبادرة هو مجموعة من مليون شخص، سيتم جمع كل ما يمكن جمعه من معلومات عنهم: جيناتهم، ما يعيش بداخلهم من جراثيم، والوصف الشامل للتغيُّرات فوق الوراثية في جيناتهم. وستُجمع هذه المعلومات وتوضع في قاعدة بيانات واحدة ضخمة، تكون مرجعًا لعدد لا نهائي من الدراسات والتحليلات.

ولنوضح كيف يمكن لهذا المستودع أن يفيد العلماء في هزيمة الأمراض التي تلم بالبشر؛ فلنأخذ دواء الوارفرين مثالًا. من المفترض أن قياس الوقت الذي يحتاج إليه مريض ما حتى يمتص جسمه الوارفرين ثم يتخلص منه (أو ما يعرف باستقلاب الدواء)، يساعد الطبيب في اختيار الجرعة المناسبة والوقت المناسب للجرعات، وبالتالي تتحسن نتائج العلاج. ولكن ذلك لم يحدث في الواقع! لماذا؟ فهل ثمة عوامل أخرى كالنظام الغذائي للمريض مثلًا؟ في الحقيقة لا يعلم العلماء بدقة ما هي تلك العوامل، وهم يعلقون الآمال على مخزن بيانات المليون شخص الذي ربما يمكن أن يشرح لنا السبب، كما يقول فرانسيس كولينز -وهو مدير معاهد الصحة الوطنية الأمريكية-: "لا بد من أن عشرات الآلاف من هؤلاء المليون شخص يأخذون الوارفرين"، ويضيف: "بهذا العدد من الناس يمكنك أن تقول إنه من الممكن لهذا الدواء أن يساعد تلك المجموعة، ولكن يصادف أنهم يأكلون هذا الشيء أو ذاك مثلاً"، كما يتوقع أننا عندها يمكننا كشف الأسرار الدقيقة لنجاح عقار ما وفشل آخر.

وما يتفق عليه المؤيدون والمعارضون لمبادرة الطب الدقيق هو أن التحديات المرتقبة هائلة. فثمة كمية مهولة من البيانات الصحية المتوافرة والمنتشرة عبر قواعد بيانات تتفاوت تفاوتًا كبيرًا من حيث المحتوى والجودة. أضف إلى ذلك كم عينات الدم والعينات النسيجية من هذا العدد الكبير من الأفراد التي يتوجب جمعها، وهو أمر ليس بالهين، خاصة إذا ما جرى على فترات منتظمة. وحتى إذا تمكن العلماء من العثور -وسط هذا الحجم الهائل من المعلومات- على وسائل جينية يُعتمَد عليها في التنبؤ بأمراض معينة، ومن ثم استهدافها لعلاج مرضاهم، فسيظلون في حاجة إلى إتقان ذلك الأسلوب الجديد. إذ إن معظم الأطباء غير مدرب على فهم نتائج الاختبارات الجينية، كما لا تتوفر خطة جيدة لتدريبهم على ذلك حتى الآن.

ومن الناحية النظرية، يمكن للطب الدقيق أن يقدم لك خدمة مثل خدمات أمازون ونتفليكس. فهذه المواقع تعرف تمامًا الكتب والأفلام التي اهتممت بشرائها خلال السنوات القليلة الماضية، وتبني على ذلك توقعها لما يمكن أن تشتريه مستقبلاً فتدرجه لك في قائمة "المواد الموصى بها". كذلك الطبيب؛ فهو إن يحصل على معلومات حول حياتك، وعملك، وتركيبك الجيني، والجراثيم التي تسكن جلدك وأمعاءك؛ يكتب لك "وصفة العلاج" التي تشبه قائمة الأفلام والكتب الموصى بها.

سيكون من الإنصاف إذًا أن نقول إن وقتًا طويلاً سيمر قبل أن يتمكن العلماء من "تفصيل" أدوية لتناسب قياس كل فرد من البشر، وهذا إن نجحوا بذلك من الأساس. والسؤال هنا: هل ينبغي عليهم المحاولة؟ فعلى الرغم من أن الطب الدقيق قد يكون مفيدًا مع حالات مرضية تحتاج علاجًا صعبًا أو مكلفًا، مثل أمراض المناعة الذاتية، لا يزال المعارضون يؤكدون أن طرق المعالجة الأبسط هي الأفضل؛ لأنها أرخص وأكثر فائدة.

يقول بانيث: "لنفترض أننا وجدنا دواءً موجهًا بمقدوره خفض خطر الإصابة بالسكري حتى الثلث... يمكن أن يكلف ذلك 150000 دولار أمريكي في العام لكل شخص يتناوله، بينما البرنامج التقليدي الذي يركز على النظام الغذائي والتمارين الرياضية سيعطي النتيجة ذاتها. لقد ارتفعت معدلات الأعمار لمرضى السكري بمقدار عقد كامل خلال الخمسين سنة الأخيرة، ولا يعود أيٌّ من هذا إلى اكتشاف الأسباب الجينية، إنه يعود فقط إلى اكتشاف أثر التدخين السلبي وأثر الغذاء والرياضة على مريض السكري، تلك الأمور التي أصبحت من التراث".

وأخيرًا، ربما تصلح هذه المحاولة ذات قيمة كمشروع بحثي، لا كمبادرة تستهدف الصحة العامة. فالعلماء كل يوم تزداد معرفتهم بمسبِّبات الأمراض؛ وسيكون طبيعيًّا ومنطقيًّا أن يحاولوا جمع تلك المعلومات في إطار منظم، ولكن المهم ألا ينتظر المجتمع من هذه البحوث أن تؤدي إلى ثورة نوعية في الطب، لا سيما في القريب العاجل.

*ملحوظة من المحرر(24/3/2016): تمت إعادة صياغة الفقرة المشار إليها بعد النشر إلكترونيًّا لتوضيح أن دواء جليفيك قد أفاد عددًا من المرضى فعليًّا. وتبقى النقطة الرئيسية ثابتة. حيث إن الكثير من الأورام تتطور فيها مناعة ضد الدواء، وبالتالي فإن عدد المرضى المستفيدين يعد قليلًا نسبيًّا إذا ما قورن بالتوقعات الأولية عند تصميم هذه الأدوية.