يوم 1 أغسطس 1966، اليوم الذي بدأ فيه الطبيب النفسي ستيوارت براون فترة عمله أستاذًا مساعدًا في كلية بايلور للطب في هيوستن، تسلق تشارلز ويتمان البالغ من العمر 25 عامًا إلى أعلى قمة برج جامعة تكساس في الحرم الجامعي بمدينة أوستن وأطلق الرصاص على 46 شخصًا. وقد كان ويتمان -الذي يدرس الهندسة وكان بارعًا في الرماية عندما كان في القوات البحرية الأمريكية سابقًا- آخر شخص يتوقع المرء أن تهاجمه نوبة من الرغبة في القتل الجماعي. وبعد أن كُلِّف براون من قِبَل الولاية ليكون الطبيب النفسي الاستشاري للتحقيق في الحادث، وبعد أن أجرى لاحقًا مقابلات مع 26 قاتلًا مدانًا في تكساس من أجل دراسة تجريبية، اكتشف أن معظم القتلة، من بينهم ويتمان، لديهم سمتان مشتركتان: كانوا ينتمون إلى عائلات تسيء معاملتهم، ولم يلعبوا قَط في صغرهم.

لم يعرف براون أيَّ العاملَين كان أكثر أهمية، ولكن في غضون الخمسين عامًا التي تلت تلك الحادثة، أجرى مقابلات مع ما يزيد على 6000 شخص وسألهم عن طفولتهم، وتشير البيانات التي توصل إليها إلى أن عدم وجود فرص للعب الإبداعي غير المنظم يمكن أن يحول دون نمو الأطفال كأشخاص بالغين سعداء في حياتهم ويتمتعون بالاتزان النفسي والعاطفي. يمثل "اللعب الحر" -كما يطلق عليه العلماء- عنصرًا أساسيًّا وضروريًّا حتى يكبر الطفل ويصبح ماهرًا اجتماعيًّا وقادرًا على التكيُّف مع الضغوط، وحتى ينجح في تطوير المهارات الإدراكية مثل القدرة على حل المشكلات. وتؤكد الأبحاث التي أجريت على سلوك الحيوانات فوائد اللعب وترسخ أهميته التطورية.

ويتفق معظم علماء النفس على أن اللعب له فوائد تستمر حتى الكبر، ولكنهم لا يتفقون دائمًا حول مدى الضرر الذي قد يسببه الحرمان من اللعب، خصوصًا وأن عددًا قليلًا من الأطفال في الماضي كان يكبر دون أن ينال قسطًا وفيرًا من المرح واللعب. ولكن اليوم، ربما يفقد اللعب الحر مكانته بوصفه إحدى الدعامات الأساسية لفترة الصبا. وفق ورقة بحثية نُشرت في عام 2005، في دورية "أركايفز أوف بيدياتريكس آند أدوليسنت ميديسين" Archives of Pediatrics & Adolescent Medicine انخفض وقت اللعب الحر للأطفال بمعدل الربع بين عامي 1981 و1997. فقد أصبح الآباء، الذين يشغل اهتمامهم أن يؤهلوا أبناءهم للالتحاق بأبرز الكليات، يضَحُّون بأوقات اللعب لصالح الأنشطة المنظمة. وفي وقت مبكر، في مرحلة رياض الأطفال، أصبح وقت الأطفال يمتلئ بدروس الموسيقى والرياضة، مما يقلل الوقت المخصص للأنشطة الإبداعية والملأى بالحركة والنشاط التي تعزز مهارات الإبداع والتعاون. كما ضحَّت المدارس أيضًا بوقت اللعب الحر، فوفق دراسة استطلاعية أجراها مركز دراسة سياسة التعليم في عام 2007، فإن 20% من 349 إدارة مدارس ابتدائية حكومية أمريكية قد قللت وقت الاستراحة منذ عام 2001.

وقد دعم عدد محدود من الدراسات اعتقاد براون أن الطفولة التي تشهد حرمانًا من اللعب تُخِلُّ بالتطور الاجتماعي والعاطفي والإدراكي الطبيعي لدى البشر والحيوانات. وقد ساوره القلق هو ومجموعة من علماء النفس الآخرين من أن الحد من اللعب الحر لدى الأطفال ربما يؤدي إلى ميلاد جيل من البالغين التعساء المضطربين غير الأسوياء اجتماعيًّا. فيقول براون: "أن يحيا المرء حياةً فيها حرمان من اللعب له عواقب وخيمة"، غير أن الوقت لم يفت على علاج هذه المشكلة؛ فاللعب أيضًا يعزِّز الصحة والسعادة الذهنية والجسدية لدى الكبار (انظر الجزء بعنوان "عمل دون مرح" فيما يلي).

وقد بدأت المخاوف حول انتهاء عهد اللعب تظهر قبل وقت طويل يعود إلى عام 1961، عندما تأسست الجمعية الدولية للعب في الدنمارك لحماية وتعزيز اللعب والحفاظ عليه بوصفه حقًّا أساسيًّا لجميع الأطفال. غير أن الفكرة أصبحت أكثر رواجًا على مدار العقود القليلة الماضية، عندما بدأت المزيد من المؤسسات غير الهادفة للربح –مثل المعهد الوطني للعب في وادي كارمل في كاليفورنيا والذي أسسه براون، وغيره من المؤسسات مثل التحالف من أجل الطفولة وجمعية دراسة اللعب– تتأسس لتعزيز أهمية اللعب ودعمها.

أهمية الحرية

لكن الأولاد يلعبون كرة القدم ولعبة سكرابل ويعزفون على آلة النفخ سوسافون؛ فلماذا إذًا يشعر الخبراء بالقلق من أن هذه الأنشطة تستهلك جزءًا كبيرًا من وقت اللعب الحر؟ يقول أنتوني دي بيلجريني -أخصائي علم النفس التربوي بجامعة منيسوتا-: إن الألعاب التي لها قواعد لا شك أنها ممتعة وتُعَدُّ مصدرًا لتجارب التعلُّم، وربما تعزز -على سبيل المثال- المهارات الاجتماعية على نحو أفضل، وتساعد على تماسُك المجموعات وتوطيد العلاقات بينها، ولكن "هذه الألعاب لها قواعد محددة مسبقًا يجب على مَن يمارسها اتباعها، أما اللعب، من ناحية أخرى، فليس له قواعد مسبقة، ومن ثم فإنه يتيح ردود أفعال أكثر إبداعًا".

عندما تلعب الحيوانات، فإن لغة جسدها تبعث إشارات بأن أي وقوع أو وخز فإنه يكون وديًّا، والهدف منه أن يكون ممتعًا، واللعب أيضًا يعلم الأطفال التواصل على نحو أفضل مع بعضهم.
Credit: JupiterImages

وهذا الجانب الإبداعي أساسي؛ لأنه يمثل تحديًا للدماغ في أثناء مرحلة النمو، أكثر من مجرد اتباع القواعد المحددة سلفًا. في اللعب الحر، يبتكر الأطفال أنشطةً وأدوارًا جديدة، ربما يتضمن بعض الألعاب الخيالية –مثل تمثيل الولد أنه طبيب أو الفتاة أنها أميرة– أو ربما يتضمن تقليد القتال، كأن يلعب الأطفال (الأولاد تحديدًا) المصارعة على سبيل المرح، ويتبادلون الأدوار بصورة دورية بحيث لا يكون أحدهم هو الفائز باستمرار. واللعب الحر يشبه كثيرًا اللعب الذي نراه في المملكة الحيوانية، ما يشير إلى أن له جذورًا تطورية مهمة. جوردن إم. بورجاردت، مؤلف كتاب "نشأة لعب الحيوانات" The Genesis of Animal Play الذي صدر في عام 2005، قضى 18 عامًا يراقب الحيوانات ليتوصل إلى وضع تعريف للعب؛ فتوصل إلى أنه يجب أن يكون متكررًا، فالحيوان الذي يلكز جسمًا جديدًا مرةً واحدة لا يمكن القول إنه يلعب به، كما أنه يجب أن يكون اختياريًّا ويبدأ في إطار من الاسترخاء؛ فالحيوانات والأطفال لا يلعبون عندما يعانون نقص التغذية أو في المواقف العصيبة. الأهم من ذلك، يجب ألا يكون للعب وظيفة واضحة في السياق الذي يظهر فيه، مما يعني أنه ليس له هدف واضح.

 

تطور المهارات الاجتماعية

كيف يكون لهذه الأنشطة التي تبدو بلا هدف فوائد للأطفال؟ ربما يكون الجانب الأكثر أهمية أن اللعب كما يبدو يساعدنا على تطوير مهارات اجتماعية قوية. فيقول بيلجريني: "لا يكتسب المرء المهارات الاجتماعية من خلال نصائح المدرسين حول السلوكيات، وإنما يتعلم تلك المهارات من خلال التعامل مع أقرانه، ومعرفة الأمور المقبولة وغير المقبولة". كما يتعلم الأطفال العدل وأن يحظى كلٌّ منهم بدوره، فلا يمكن لشخص واحد فقط أن يطلب دائمًا أن يلعب دور ملكة الجن، وإلا فسريعًا لن يصبح لديه رفاق يلعب معهم. وأيضًا نظرًا لأن الأطفال يستمتعون بالنشاط، فإنهم لا يستسلمون سريعًا في مواجهة الإحباط مثلما قد يفعلون -على سبيل المثال- عند حل إحدى مسائل الرياضيات، وهو ما يساعدهم على تطوير مهارات الإصرار والمثابرة.

ويتطلب الحفاظ على العلاقات الودية بعض مهارات التواصل، والتي يقال إنها أثمن المهارات الاجتماعية على الإطلاق. واللعب مع الرفاق من الفئة العمرية نفسها هو الأهم في هذا السياق، فقد أوضحت الدراسات أن الأطفال يستخدمون لغةً أكثر تعقيدًا عندما يلعبون مع الأطفال الآخرين أكثر مما يفعلون في أثناء اللعب مع الكبار. فعلى سبيل المثال، كما يقول بيلجريني في ألعاب التمثيل (والتي تُعرف أيضًا باسم ألعاب التظاهر) "عليهم التواصل مع بعض حول شيء غير موجود أمامهم، ومن ثَمَّ عليهم استخدام لغة معقدة بطريقة تساعدهم على توصيل ما يحاولون قوله لرفاقهم". على سبيل المثال، لا يستطيع أحد الأطفال الاكتفاء بأن يقول لرفيقه وهو يقدم له "آيس كريم" خياليًّا: "فانيليا أم شوكولاتة؟" بل سيتعين عليه تقديم بعض الإشارات السياقية التي تساعد رفيقه، كأن يقول: "آيس كريم فانيليا أم شوكولاتة: أيهما تفضل؟"، أما الكبار من ناحية أخرى فيعرفون المعلومات المفقودة بأنفسهم، مما يسهل الأمور على الأطفال.

إذا كان اللعب يساعد الأطفال على أن يصبحوا اجتماعيين، فلا بد وأن الحرمان من اللعب يعوق التطور الاجتماعي، وتشير الدراسات إلى أنه يفعل ذلك حقًّا. فوفقًا لدراسة أُجريَت في عام 1997 عن الأطفال الذين يعيشون في فقر وترتفع لديهم نسبة الفشل في الدراسة، والتي نشرتها مؤسسة هاي سكوب للأبحاث التربوية في مدينة يبسيلانتي بولاية ميشيجان، فإن الأطفال الذين التحقوا برياض أطفال تركز على اللعب يكونون في وقت لاحق في حياتهم أسوياء اجتماعيًّا أكثر من أولئك الذين التحقوا برياض أطفال تخلو من اللعب وكانوا يخضعون دائمًا لتوجيهات المدرسين. وفي عمر الثالثة والعشرين، كان أكثر من ثلث الأطفال الذين التحقوا برياض أطفال تركز على التزام الأطفال بالتعليمات قد ألقي القبض عليهم لارتكاب جرائم مقارنةً بأقل من عُشر الأطفال الذين كانوا في رياض أطفال تركز على اللعب. وفي كبرهم، أقل من 7% من الأطفال الذين التحقوا برياض أطفال تركز على اللعب تعرضوا للإيقاف عن العمل، في مقابل أكثر من ربع أولئك الذين خضعوا للتعليم بالتوجيهات المباشرة في صغرهم.

ارتداء الملابس وتمثيل أنك شخص آخر هو نوع من "اللعب الحر" كما يطلق عليه علماء النفس، وهو ذلك المرح الإبداعي الذي لا يخضع لتعليمات، والذي يمثل تحديًا للدماغ في مرحلة النمو.
Credit: JupiterImages

وتدعم الدراسات التي أُجريت عن الحيوانات فكرة أن الحرمان من اللعب يؤدي إلى ضعف المهارات الاجتماعية. فوفقًا لدراسة نُشرت في عام 1999 في دورية "بيهافيورال برين ريسيرش" Behavioural Brain Research، وُجِد أن الفئران التي عُزلت في أثناء أسبوعي النمو والتطور في حياتها -وهما الأسبوع الرابع والخامس بعد الولادة، اللذَان تلعب فيهما الفئران كثيرًا- كانت أقل نشاطًا اجتماعيًّا عندما تقابل الفئران الأخرى بعد ذلك، مقارنةً بالفئران التي لم تُعزل في أثناء الأسبوعين عينهما. وتكشف دراسة نُشرت في عام 2002 في دورية "ديفيلوبمنتال سايكوبايولوجي" Developmental Psychobiology أن ذكور الفئران التي نشأت في العزل في صغرها فشلت في إظهار سلوكيات التجنُّب الطبيعية عند وجودها مع ذكور فئران مسيطرة تهاجمها باستمرار. فهل يمكن أن يتسبب الحرمان من اللعب تحديدًا في هذه المشكلات السلوكية، أم أن العزلة الاجتماعية بصفة عامة هي المتهم؟

تشير دراسة أخرى إلى أن اللعب يعزِّز التطوُّر العصبي في المناطق الدماغية "الأكثر تطورًا" المرتبطة بردود الأفعال العاطفية والتعلم الاجتماعي. وقد أوضح العلماء في عام 2003 أن الألعاب القتالية تطلق عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ (BDNF)، وهو بروتين يحفز نمو خلايا عصبية جديدة، في هذه المناطق. وقد سمح الباحثون لثلاثة عشر فأرًا باللعب بحرية مع رفاقهم لمدة ثلاثة أيام ونصف لتكون المجموعة الضابطة، في حين أبقوا 14 فأرًا في عزلة للفترة نفسها. وعند فحص أدمغة الفئران، وجد الباحثون أن مناطق القشرة الدماغية والحصين واللوزة الدماغية والجسر في جذع الدماغ لدى الفئران التي لعبت بحرية تحتوي على مستويات أعلى من ذلك البروتين مقارنة بتلك التي لم يُسمح لها باللعب. ويقول جاك بانكسيب - عالِم الأعصاب بجامعة ولاية واشنطن، والذي شارك في تأليف الدراسة-: "أعتقد أن اللعب هو الآلية الرئيسية التي تكتسب بها مناطق الدماغ العليا الميول الاجتماعية".

التخلُّص من التوتُّر

تشير الأبحاث إلى أن اللعب أيضًا أساسي للصحة العاطفية، ربما لأنه يساعد الأطفال على التغلُّب على التوتر والقلق. في دراسة أُجريت عام 1984 نُشرت في دورية "جورنال أوف تشايلد سايكولوجي آند سايكايتري" Journal of Child Psychology and Psychiatry، عمل الباحثون على تقييم مستويات التوتر لدى 74 طفلًا في الثالثة والرابعة من أعمارهم في اليوم الأول من الالتحاق برياض الأطفال كما توضح سلوكياتهم –ما إذا كانوا يشتكون ويتأففون ويبكون ويرجون آباءهم أن يبقوا معهم- وإلى أي مدى كانت أيديهم تتعرق. وبناءً على ملحوظات الباحثين، فقد صنفوا الأطفال إلى متوترين وغير متوترين، وبعد ذلك قسَّموا الأطفال عشوائيًّا إلى أربع مجموعات، ثم اصطحبوا نصف الأطفال إلى غرف ملأى باللعب حيث كان متاحًا لهم اللعب إما منفردين أو مع رفاقهم مدةَ 15 دقيقة، في حين أن النصف الآخر طُلب منهم الجلوس إلى مائدة صغيرة إما وحدهم أو مع رفاقهم، واستمعوا إلى قصة يرويها المعلم مدةَ 15 دقيقة. 

الكثير من الأطفال (لا سيما الفتيان) يحبون ألعاب الاشتباك والشجار المرح؛ وقد ثبت أن مثل هذه الألعاب العنيفة تحسِّن من مستويات الإبداع والمهارات الاجتماعية والقدرة على حل المشكلات.
Credit: Peter Mason Getty Images

 

بعد ذلك، عمل الباحثون على تقييم مستوى توتر الأطفال مرة أخرى. وقد لاحظوا أن مستويات التوتر لدى الأطفال الذين شاركوا في اللعب قد انخفضت بمقدار أكثر من الضعف مقارنة بالأطفال المتوترين الذين استمعوا إلى القصة، (وظل الأطفال غير المتوترين كما هم). ومن المثير للاهتمام أن الأطفال الذين لعبوا وحدهم أصبحوا أكثر هدوءًا من أولئك الذين لعبوا مع أقرانهم. ويفترض الباحثون أنه من خلال اللعب التخيُّلي، والذي من الأسهل كثيرًا أن يبدأ فيه الطفل وحده، يقوم الأطفال ببناء قصص خيالية تساعدهم على التكيُّف مع المواقف الصعبة.

وتدعم الدراسات التي أُجريت عن الحيوانات أيضًا فكرة أن اللعب يساعد على تخفيف حدة التوتر، وهي فكرة معروفة في علم الأعصاب بأنها الحاجز الوقائي الاجتماعي. وفي دراسة نُشرت في عام 2008، وضع ستيفن سيفي -عالِم الأعصاب بكلية جيتيسبيرج- فئرانًا في غرفة وحدها وعرَّضها لطوقٍ كانت ترتديه من قبل قطة، وهو ما جعلها متوترة بوضوح. وفي وقت لاحق، جرى تنظيف الغرفة بحيث اختفت رائحة القطة، ثم أعيد إليها الفئران دون طوق القطة، ولكن الفئران شعرت على الفور بالتوتُّر مرة أخرى، على الأرجح لأنها ربطت بين المكان والقطة. ولكن لو كان سيفي وزملاؤه قد وضعوا في الغرفة فأرًا آخر –لم يسبق له قَط التعرُّض لطوق القطة ولم يكن خائفًا– مع أحد هذه الفئران، كانا على الأرجح سيبدآن في اللعب ومطاردة بعضهما، والاشتباك بمرح معًا، وبعد ذلك بفترة قصيرة، سيهدأ الفأر الأول ويختفي توتره، مما يشير إلى أن اللعب ساعد الفأر على تخفيف حدة ما كان يشعر به من توتر.

الطريق إلى التفوُّق

تخفيف حدة التوتر وبناء المهارات الاجتماعية قد يبدوان فوائد واضحة للعب، غير أن الأبحاث تشير إلى أنه ثمة تأثير ثالث غير متوقع؛ فاللعب يجعل الأطفال أكثر ذكاءً. ففي دراسة كلاسيكية نُشرت عام 1973 في دورية "ديفيلوبمنتال سايكولوجي" Developmental Psychology، قسم الباحثون 90 طفلاً في مرحلة رياض الأطفال إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى طُلب منها أن تلعب بحُرِّية باستخدام أربعة أشياء مشتركة –وكان من بين الخيارات كومة من المناشف الورقية ومفك براغي ولوح خشبي وكومة من مشابك الأوراق- والمجموعة الثانية طُلب منها أن تحاكي شخصًا يُجري تجربة باستخدام الأغراض الأربعة. أما المجموعة الأخيرة فطُلب منها الجلوس إلى طاولة ورسم ما تشاء دون أن يروا تلك الأغراض مطلقًا. وقد استمر كل سيناريو مدةَ 10 دقائق، وبعد ذلك مباشرة، طلب الباحثون من الأطفال ابتكار أفكار حول كيفية استخدام أحد تلك الأغراض. وقد توصل الأطفال الذين لعبوا بتلك الأغراض، في المتوسط، إلى استخدامات مبتكرة غير عادية لتلك الأشياء ثلاث مرات أكثر من الأطفال في أيٍّ من المجموعتين الأُخرَيَيْن، مما يشير إلى أن اللعب يعزِّز التفكير الإبداعي بالفعل.

توصلت دراسة إلى أن الأطفال الذين يلعبون بالمكعبات يحرزون نتائج أعلى في اختبارات اللغة مقارنةً بالأطفال الذين لا يلعبون بها. ربما يقضي الأطفال الذين كانوا يلعبون بالمكعبات وقتًا أقل في أنشطة مثل مشاهدة التليفزيون، ولكن النتيجة النهائية كانت جيدة بالنسبة لهم في جميع الأحوال.
Credit: JupiterImages

كما أن ألعاب القتال والاشتباك المرِح تحسِّن مهارات حل المشكلات أيضًا. فوفق ورقة بحثية نشرها بيلجريني في عام 1989، كلما شارك الأطفال في مرحلة التعليم الابتدائي في ألعاب الاشتباك المرح، كانت نتائجهم أفضل في اختبار حل المشكلات الاجتماعية. في أثناء الاختبار، قدم الباحثون للأطفال خمس صور لطفل يحاول أن يحصل على لعبة من رفيقه، وخمس صور لطفل يحاول أن يتجنب عقاب والدته. ثم طُلب من الأطفال بعد ذلك أن يتوصلوا إلى أكبر عدد ممكن من الحلول لكل مشكلة اجتماعية، وكانت النتائج قائمة على تنوُّع الاستراتيجيات التي يتوصلون إليها، وكانت نتائج الأطفال الذين يلعبون ألعابًا تنطوي على اشتباكات بصورة منتظمة أفضل كثيرًا.

غير أن بيلجريني يتساءل عن مقدار العلاقة السببية التي يمكن للمرء أن يتوصل إليها من هذه الدراسات، فيتساءل: "ماذا يفعل اللعب؟ هل هو طليعة تعلُّم شيء ما –أي هل يسبق اللعب اكتساب هذا النوع من المهارات- أم أنه مجرد ممارسة أو تعزيز للمهارات التي تتطور بالفعل؟"، في عام 2012، حلل الباحثون بجامعة فيرجينيا المؤلفات العلمية في هذا الشأن، وتوصلوا إلى أن اللعب يمكن ببساطة أن يكون علامة على التطور الصحي، أو بدلًا من ذلك، قد يكون أحد الأنشطة الكثيرة التي تُحدث فارقًا في الدماغ في مرحلة النمو، غير أن بيلجريني يصر على أنه "في الحالتين، فإنه سيكون مفيدًا بنسبة ما".

إذًا، هل تعوق قلة اللعب تطوير مهارات حل المشكلات؟ ربما، وذلك وفقًا للدراسات التي أجريت على الحيوانات. في دراسة بحثية نُشرت في عام 1978 في دورية "ديفيلوبمنتال سايكوبايولوجي" Developmental Psychobiology، قسم القائمون على التجربة الفئران الصغيرة باستخدام فوارق شبكية، إذ كان بإمكانها رؤية الفئران الأخرى وسماعها وشم رائحتها ولكن لا يمكنها اللعب معها، على مدار فترة العشرين يومًا الخاصة بالنمو والتي غالبًا ما تلعب الفئران في أثنائها كثيرًا. وعلّم الباحثون تلك الفئران ومجموعة أخرى من الفئران سُمح لها باللعب دون قيود، سحب كرة مطاطية إلى الخارج للحصول على وجبة طعام. وبعد بضعة أيام غيَّر الباحثون إعدادات التجربة بحيث يتعين على الفئران أن تدفع الكرة نفسها للحصول على الطعام. استغرقت الفئران المعزولة وقتًا أطول بكثير كي تلجأ إلى استخدام وسيلة جديدة في التعامل مع الكرة، ومن ثَم النجاح في حل المشكلة، من الفئران التي كانت تلعب. وقد افترض الباحثون أنه من خلال اللعب، فإن الحيوانات تتعلم تجربة أشياء جديدة، وأن تلك التي لا تلعب لا تكتسب هذه المرونة السلوكية نفسها.

ويبدو أن اللعب أيضًا يساعد على تطور اللغة، وذلك وفقًا لدراسة نُشرت عام 2007 في دورية "أركايفز أوف بيدياتريكس آند أدوليسنت ميديسين" Archives of Pediatrics & Adolescent Medicine. فقد أعطى الباحثون في جامعة واشنطن صندوقًا من مكعبات اللعب للأطفال من العائلات متوسطة ومنخفضة الدخل تتراوح أعمارهم بين 18 شهرًا وعامين ونصف. وقد تابع آباء هؤلاء الأطفال، وكذلك آباء مجموعة مماثلة من الأطفال لم تحصل على مكعبات لعب، مدى تكرار لعب الأطفال. وبعد ستة أشهر، جاءت نتائج الأطفال الذين يلعبون بالمكعبات أعلى بصورة واضحة في اختبارات اللغة من الأطفال الآخرين. ولكن لماذا يمكن أن يساعد اللعب الأطفال على التفوق؟

يرى الباحثون المتخصصون في دراسات الحيوان أن اللعب يكون بمنزلة نوع من التدريب على الأمور غير المتوقعة. فيقول مارك بيكوف -عالِم الأحياء التطورية من جامعة كولورادو بولدر-: "إن اللعب بمنزلة كليدوسكوب (منظار النماذج المتغيرة)" من حيث إنه عشوائي ومبتكر. ويرى أن العامل الأساسي في الأمر أن اللعب يشجع على المرونة والإبداع، والذي قد يكون في المستقبل له مميزات في مواقف غير متوقعة أو بيئات جديدة. ويوافقه الرأي بعض علماء نفس الأطفال، من بينهم ديفيد إلكايند، خبير تطور الأطفال بجامعة تافتس، فيشير إلكايند إلى أن اللعب "طريقة يتعلم بها الأطفال، وفي غياب اللعب، يفتقر الأطفال إلى تجارب تعليمية".

التحرُّر من القيود

إذا كان اللعب شديد الأهمية بهذا الشكل، فماذا يحدث للأطفال الذين لا ينالون قسطًا كافيًا من اللعب؟ لا أحد يعلم في النهاية، غير أن القلق يساور الكثير من علماء النفس. نظرًا لأن اللعب إلى حد ما ينطوي على مخاطر –فالحيوانات التي لا تكون يقظة وحريصة تكون معرَّضة لخطر هجوم الحيوانات المفترسة– فإنه على الأرجح تطور واستمر لأنه ينطوي على بعض المميزات المتعلقة بالنجاح في البقاء على قيد الحياة، فيقول بيكوف: "لو لم يكن اللعب مهمًّا، لم يكن ليتطور بهذا الشكل التفصيلي".

وبالفعل تشير الأدلة إلى أن اللعب شيء قديم للغاية على المستوى التطوري. فقد استمرت الفئران التي أجريت لها عملية استئصال القشرة الحديثة –منطقة دماغية ضخمة تشارك في عمليات التفكير العليا مثل التفكير الواعي واتخاذ القرارات– في المشاركة في اللعب العادي، مما يشير إلى أن الدافع للعب يأتي من جذع الدماغ، وهو بنية سبقت تطور الثدييات.

بعيدًا عن عمليات التخريب الحمقاء، فإن الأطفال الذين يستكشفون الأشياء العادية حولهم من خلال اللعب بها بطرق غير عادية (وإن كانت فوضوية في بعض الأحيان) يطوِّرون من مهاراتهم الإبداعية
Credit: Corbis

 

بالطبع العديد من الآباء اليوم يرون أنهم عندما يجعلون الأنشطة التعليمية ذات القيمة، من وجهة نظرهم، تحل محل اللعب الحر فإنهم يفعلون ما يرون أنه لصالح أولادهم. ويقول سيرجيو إم. بيليس -العالِم المتخصص في علم الأعصاب السلوكي بجامعة ليثبريدج في ألبرتا-: إن بعض الآباء والأمهات قد يترددون أيضًا في ترك أبنائهم وبناتهم يلعبون في الخارج دون رقابة، وربما يخشون أن يتعرضوا للخدوش والإصابات وفي بعض الأحيان الكسور التي يتعرض لها الأطفال في أثناء اللعب الجامح. وعلى الرغم من أن هذه المشاعر الأبوية غريزية وطبيعية، فإن حماية الصغار -على حد قول بيليس- "تؤخر هذه التكلفة ببساطة إلى وقت لاحق، حينما يجد أولئك الأطفال أنفسهم صعوبة في التعامُل مع العالم المعقد الذي يصعب توقعه". وقد جاء في مراجعة منهجية أُجرِيَت في عام 2015 أن اللعب المحفوف بالمخاطر خارج المنزل –على سبيل المثال تسلُّق الأبنية المرتفعة في الملاعب، أو المشاركة في الاشتباك المرح– كان يرتبط بحالة صحية أفضل، وليس أسوأ، بين الأطفال كما أنه ارتبط بقدر أكبر من الإبداع والمرونة.

ويحذر إلكايند من أنه يتعين على الآباء أن يتركوا أطفالهم يتصرفون ويمرحون كأطفال، ليس فقط لأنه من الممتع أن تكون طفلًا، ولكن أيضًا لأن حرمان الأطفال من المرح المتحرر من القيود يمنع الأطفال من التطور ليصبحوا كائنات مبدعة ومبتكِرة ومحبة للاستطلاع. ويقول أيضًا: "يجب إعادة تحديد إطار اللعب، وأن يُنظر إليه لا على أنه نقيض العمل، لكن على أنه مكمل له؛ فالفضول والخيال والإبداع مثل العضلات، إذا لم تستخدمها فإنها تفقد قوتها".

عمل دون مرح

Credit: Mike Powell Getty Images

على الرغم من أن الباحثين عادةً ما يؤكِّدون على التأثير الإيجابي للعب على الدماغ في مرحلة النمو، فقد توصلوا إلى أن اللعب مهم للكبار أيضًا. فمن دون اللعب، يقول مارك بيكوف، عالِم الأحياء التطورية بجامعة كولورادو بولدر، قد ينتهي الأمر بالكبار منهكين تمامًا من "حياة الانشغال والعمل والارتباك التي ننهمك بها جميعًا". فالكبار الذين لا يقضون بعض وقتهم في اللعب ربما ينتهي بهم الحال تعساء ومرهقين دون أن يفهموا السبب وراء ذلك. لذا، كيف يمكن للكبار الاستمتاع بمزيد من اللعب في حياتهم؟ يقترح ستيوارت براون -طبيب نفسي ومؤسس المعهد الوطني للعب في وادي كارمل بكاليفورنيا- ثلاث طرق:

اللعب الجسدي:

شارك في أحد الأنشطة الحركية النشطة التي ليس فيها ضغوط مرتبطة بالوقت أو نتائج متوقعة (فإذا كنت تمارس الرياضة البدنية لحرق الدهون، فهذا ليس لعبًا!).

اللعب بالأشياء

استخدم يديك لصناعة أشياء تستمتع بها (يمكن أن تكون أي شيء، ومرةً أخرى لا يجب أن يكون هناك هدف محدد منها).

اللعب الاجتماعي

انضم إلى مجموعة من الأشخاص في أنشطة اجتماعية تبدو بلا هدف، ويشير براون إلى أنها يمكن أن تتراوح "من المحادثات البسيطة إلى المبارزات الكلامية".

إذا كنت لا تزال لا تدري ماذا تفعل، حاول أن تتذكر بماذا كنت تستمتع وأنت طفل، فيقول براون: "اعثر على شغفك الطفولي" وحاول أن تترجم هذه الذكريات إلى أنشطة تتناسب مع ظروفك الراهنة. ويشير جوردن إم. بورجاردت -عالِم الأحياء التطورية بجامعة تينيسي- إلى أنه ربما يمكنك أن توقد شرارة ذاكرتك أفضل إذا ما قضيت بعض الوقت حول الأطفال.

في نهاية المطاف، ما يهم حقًّا ليس "كيف" تلعب وإنما حقيقة أنك تلعب بالفعل، وكي تحرص على فعل هذا، يقترح بيكوف أن تضع وقت اللعب في جدولك اليومي، ويقول: "ستنجح دائمًا في إنجاز العمل، في الواقع، إنني أعلم جيدًا أنني إذا لم أحظ ببعض اللعب، فإنني لن أنجز المزيد من العمل". ويضيف بورجاردت أن السعادة وتجدُّد الطاقة الذي ستشعر به بعد اللعب "سيعوضك بأكثر من الوقت الذي قضيته في اللعب".