استخدم المعالجون الصينيون على مدار أكثر من 2000 عام مساحيقَ عشبية، وصبغاتٍ وأتربةً مصنوعة من مختلف أجزاء الحيوانات، وإبرًا تُوضع بطريقة محددة لعلاج مجموعة من الأمراض البشرية. تُستخدم هذه الوسائل العلاجية في مئات الدول على مستوى العالم، بيْد أن استخدامها في الصين ربما يكون الأوسع انتشارًا، والأكثر توثيقًا وفهرسة. يستند الطب الصيني التقليدي إلى مفهوم الـ"كي qi"، وهو نظام طاقة تتدفق عبر مسارات بالجسم تسمى "خطوط الطول" للحفاظ على الصحة.

خلال العقد الماضي، سعى مؤيدو علاجات الطب الصيني التقليدي جاهدين لدمجه ضمن ممارسات الرعاية الصحية العالمية، ويبدو أن تلك الجهود أخذت تُؤتي ثمارها. فالنسخة الأخيرة (الحادية عشرة) من قائمة منظمة الصحة العالمية التي يُطلَق عليها التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض والمشكلات المتعلقة بالصحة (ICD) ستشتمل على تلك الأساليب العلاجية للمرة الأولى.

استنادًا إلى ما خُوِّلَت به من صلاحيات، تضع منظمة الصحة العالمية قواعد العلاج الطبي ومعاييره حول العالم وتوضح "خيارات السياسات المبنية على الأدلة والأخلاقيات". فهي تصنف آلاف الأمراض وتمارس تأثيرها على الأساليب التي ينتهجها الأطباء في علاج تلك الأمراض، وكيف تغطي شركات التأمين علاجها، ونوعية الأبحاث التي تُجرى على كلٍّ منها. وتعتمد أكثر من 100 دولة على هذه القائمة لتحديد أجنداتها الطبية.

إن إدراج الطب الصيني التقليدي ضمن التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض والمشكلات المتعلقة بالصحة سقطة كبيرة في التفكير والممارسة القائمَيْن على الأدلة. فالبيانات الداعمة لفاعلية معظم العلاجات التقليدية تكون شحيحةً في أفضل الأحوال. أجرى باحثون بجامعة ميريلاند تقييمًا مستفيضًا في عام 2009؛ إذ فحصوا 70 مقالة مراجعة تتناول تقييمًا للطب الصيني التقليدي، منها الوخز الإبري. ولم تتوصل أيٌّ من تلك الدراسات إلى أدلة جازمة؛ لأن البيانات كانت إما ضئيلة [SA1] للغاية وإما لم تفِ بمعايير الاختبارات.

من المؤكد أن العديد من الأدوية واسعة الاستخدام التي ثبتت فاعليتها من واقع التجارب، ومنها الأسبرين ومزيلات الاحتقان وبعض العلاجات الكيميائية المضادة للسرطان قد استُخلصت في الأصل من النباتات أو غيرها من المصادر الطبيعية. لكن هذه العلاجات خضعت جميعها لاختبارات سريرية واسعة للتأكد من أنها آمنة وفعالة. وإقرار علاجات لم تفِ بهذه المعايير سيزيد من استخدامها، بيد أنه سيُضعِف أيضًا من مصداقية منظمة الصحة العالمية.

عمِلت الصين جاهدةً من أجل توسيع نطاق القبول العالمي للأدوية التقليدية التي تُدر على اقتصادها الوطني عائدات تبلغ نحو 50 مليار دولار أمريكي سنويًّا. وفي عام 2016، أشادت مارجريت تشان -مديرة منظمة الصحة العالمية آنذاك- بالخطط الصينية الرامية إلى تحقيق ذلك. ولكن في الوقت الذي تبدو فيه فكرة فهرسة علاجات الطب الصيني التقليدي وتعريف العاملين في مجال الصحة بالعلاجات التي يستخدمها الملايين فكرةً جيدة، فإن إدراجها ضمن التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض والمشكلات المتعلقة بالصحة على نحوٍ متسرِّع يجعل تلك الأدوية في المستوى نفسه لأدوية أخرى خضعت لتجارب سريرية.

في الصين، لا تخضع الأدوية التقليدية للوائح تنظيمية، وكثيرًا ما تصيب الناس بالأمراض بدلًا من أن تعالجهم. ويُعد حمض الأريستولوكيك على وجه الخصوص من مكوِّنات تلك الأدوية المسببة للمشكلات، ويشيع استخدامه في العلاجات التقليدية، وقد جرى الربط بينه وبين تلف الكلى المسبِّب للوفاة وسرطانات مجرى البول.

في عام 2018، نُشرت دراسة في دورية British Journal of Clinical Pharmacology، وكان الهدف منها اختبار 487 منتجًا صينيًّا تعاطاها مرضى. توصلت الدراسة إلى أن تلك المنتجات احتوت على 1234 مكونًا خفيًّا، منها عقاقير غربية مُجازة وأخرى محظورة، ومشابهات عقاقير وأنسجة من غدد درقية حيوانية. وفي عام 2012، اكتشف فريق -تحت قيادة ميجان كوجلان، في جامعة مردوخ في أستراليا آنذاك- وجود تسلسلات للحمض النووي في خمس عشرة عينةً من الأدوية التقليدية في صورة مساحيق وأقراص وكبسولات ورقائق الصفراء وأنواع من شاي الأعشاب. واحتوت العينات كذلك على نباتات تنتج موادَّ كيميائية سامة وأحماضًا نووية حيوانية من أنواع مهددة أو معرضة للانقراض (منها الدب الأسود الآسيوي وظبي السايجا على سبيل المثال) وغيرها من الكائنات المحمية بموجب القوانين الدولية.

وبناءً عليه، فإن انتشار الأدوية التقليدية من شأنه أن ينطوي على آثار بيئية خطيرة بجانب تأثيراته السلبية على الصحة. فهي قد تسهم في تدمير الأنظمة البيئية وزيادة التجارة غير المشروعة في الأحياء البرية. أعلنت الصين في أكتوبر الماضي أنها تعتزم تقنين تجارة قرون وحيد القرن وعظام النمور (أُجلت الخطوة في نوفمبر إثر شجب دولي). ويعتقد ممارسو هذا النوع من العلاج أن تلك القرون والعظام لها القدرة على علاج مجموعة من الأمراض بدءًا من الحمى وصولًا إلى العجز الجنسي، رغم أنه لم تتوصل أي دراسة إلى وجود أي فائدة من تناول أيٍّ منهما. ويرى المنتقدون أنه حتى السماح بالقتل المنظم لكائنات تصبح مهددة خلافًا لذلك من شأنه أن يزيد عمليات الصيد غير المشروع.

إلى أن يأتي الوقت الذي تخضع فيه الأدوية التقليدية لاختبارات صارمة حول نقائها وفاعليتها وجرعتها وأمانها، يتعيَّن على منظمة الصحة العالمية أن تستبعد تلك الأدوية من قائمتها. فيجب أن تخضع هذه العلاجات للفحص نفسه الذي تمر به العلاجات الأخرى قبل إدراجها ضمن ممارسات الرعاية القياسية.

نُشرت هذه المقالة في الأصل بعنوان"منظمة الصحة العالمية تتخذ خطوة متسرعة" "The WHO Takes a Reckless Step" في دورية ساينتفك أمريكان 320، 4، 6 (عدد أبريل 2019)

doi:10.1038/scientificamerican0419-6