تقع الولايات المتحدة تحت وطأة أزمة صحية عامة غير مسبوقة، شارك في خلقها الأطباء حسنو النية. فبين عامي 1999 و2014 تضاعفت مبيعات العقاقير الأفيونية المصروفة بوصفة طبية بأربعة أضعاف تقريبًا. وفي عام 2012 وحده، كتب الأطباء 259 مليون وصفة طبية تحتوي على عقاقير أفيونية، وهو ما يكفي لإعطاء كل شخص بالغ في البلاد زجاجة من أقراص الأدوية الأفيونية. وفي عام 2015، تخطت أعداد الوفيات الناتجة عن العقاقير الأفيونية نصف إجمالي الوفيات الناتجة عن تناوُل جرعة زائدة من المخدرات في الولايات المتحدة؛ سواء كانت أدوية مسكنة للألم مثل "الأوكسيكونتين" و"الفيكودين"، أم مواد مخدرة مثل "الأفيون" و"الهيروين". ومن منظور إحصائي، اقتربت أعداد الوفيات الناتجة عن الأدوية الأفيونية في ذلك العام، من أعداد الوفيات الناتجة عن حوادث السيارات.

يشكل الإدمان قطعًا جزءًا من المشكلة، ولكن الخبراء يتفقون الآن على أن السبب الحقيقي وراء انتشار تعاطي المواد الأفيونية هو الألم المزمن. ووفقًا لدراسة مهمة نشرها معهد الطب في عام 2011، تشير التقديرات إلى أن 100 مليون أمريكي يعانون آلامًا مستمرة أو مزمنة، ويعتمد الكثير منهم على المواد الأفيونية ليستطيعوا مواصلة الحركة فحسب.

لا شك أن هذه الأدوية توفر أفضل سبل الدفاع ضد الآلام الحادة قصيرة الأمد التي تنبهنا إلى وجود إصابة أو مرض، وتزول مع التعافي. ولكن الألم المزمن يختلف اختلافًا جوهريًّا عن الألم الحاد، فهو يدوم مدةً طويلةً بعد التعافي من المرض، وقد يُحدِث مجموعة متنوعة من الأعراض، بدءًا من أوجاع الرأس وانتهاءً بالآلام الجسدية والتعب المعيق للحركة. وربما يكون ناجمًا عن حالة مرضية مثل التهاب المفاصل أو التصلب المتعدد، أو ربما يكون غير واضح المصدر. تبدأ الآلام المزمنة لدى بعض المرضى بالتزامن مع إصابتهم بتضرُّر الأعصاب بسبب السكري، أو الخضوع للعلاج الكيميائي، أو الإصابة بعدوى فيروسية، أو بعد التعرُّض لحادث سيارة، أو بسبب التعرُّض لأي إصابات أخرى. ففي هذه الحالات، تستمر الألياف العصبية المصابة في إرسال إشارات الألم إلى المخ عن طريق الخطأ، مما يتسبب فيما يُعرَف بـ"ألم الاعتلال العصبي".

وبغض النظر عن الطريقة التي يبدأ بها الألم المزمن، فإنه في أغلب الأحوال يزيد وينتشر، ويدفع الكثير من المرضى إلى تناوُل المزيد من الحبوب المُسكنة للألم. وللأسف الشديد لا تضمن الجرعات الأعلى من العقاقير الأفيونية تسكين الألم، بل يمكنها أن تزيد الأمور سوءًا. إذ يبدأ المريض في تناول هذه الأدوية، ثم مع الاستخدام المفرط يبدأ جسمه في تحمُّلِها، ومع مرور الوقت سيحتاج المريض إلى تناول المزيد من الأدوية الأفيونية لتسكين المستويات نفسها من الألم. تزيد الجرعات الأعلى من احتمالية الإصابة بالأعراض الجانبية الخطيرة، التي تشمل الإدمان، والدخول في غيبوبة، والوفاة ]انظر: "تسكين مكلف للألم" أدناه[. يُظهِر بحث حديث أنه حتى الجرعات المنخفضة من الأدوية الأفيونية، يمكن أن تتسبب في الإصابة بفرط التألُّم أو زيادة الحساسية للألم؛ ففي بعض الأحيان تزيد هذه الأدوية من الشعور بالألم، الذي من المفترض أن تُسَكِّنه.

لهذه الأسباب، فإن عددًا لا بأس به ممن يعانون الآلام المزمنة يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة ومميتة؛ فهم يحتاجون إلى تناوُل المزيد من العقاقير الأفيونية ليستمروا في السيطرة على آلامهم، وفي الوقت ذاته يحاولون تفادي أعراضها الجانبية الخطيرة والمهددة للحياة. ربما ينجح البعض في تحقيق هذا التوازن لعقود، ولكن الذين تَزِلَّ أقدامهم يملأون حجرات الطوارئ وأسِرة المستشفيات، يصارعون أعراض الانسحاب وحوادث الجرعات الزائدة، أو غيرها من المضاعفات المرتبطة بتناوُل المواد الأفيونية.

في العام الماضي، بدأت الهيئات الطبية المسؤولة في اتخاذ إجراءات على عدة جبهات. ففي شهر مارس من عام 2016، أصدرت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، توجيهات أكثر صرامة لكتابة الأدوية الأفيونية في الوصفات الطبية. فقد أوصت -على عكس ما كان شائعًا- بعدم علاج الآلام المزمنة بهذه الأدوية إلا إذا كانت الفوائد تفوق المخاطر على نحو واضح. شدد رئيس إدارة الصحة العامة فيفِك إتش ميرثي على هذه الرسالة بعد مرور خمسة أشهر على صدور التوجيهات، عندما كتب خطابًا وأرسله إلى جميع مقدمي خدمات الرعاية الصحية بالبلاد –وهي المرة الأولى التي يفعل فيها كبير الأطباء هذا الأمر- وحثَّ 2.3 مليون طبيب على الالتزام بـ"دحر أزمة الأفيون". وفي الوقت نفسه تقريبًا، ألزمت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية شركات الأدوية بوضع بطاقات تحذير أقوى على جميع الأدوية الأفيونية. كما انضمت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إلى ساحة المعركة وأصدرت استراتيجية جديدة "الاستراتيجية الوطنية للألم" تشدد على الحاجة إلى المزيد من إجراءات الوقاية، واستخدام أدوية أكثر أمانًا وأساليب أكثر شمولًا في العلاج.

وصلت الرسالة إلى مسامع الجميع. ففي عدد من مراكز علاج الألم الحديثة في شتى أنحاء البلاد، يعمل الأطباء على اكتشاف مجموعة متنوعة من البدائل العلاجية التي لا تعتمد على الدواء، بدءًا من التدخُّلات النفسية ووصولًا إلى العلاجات التكميلية. كما يعمل الباحثون أيضًا على الجيل التالي من العقاقير الأفيونية، إلى جانب مسكنات جديدة غير أفيونية ]انظر: "الجيل التالي من المسكنات" أدناه[. وهذه المبادرات تمثل الخطوة الإيجابية الوحيدة لأزمة المواد الأفيونية، إذ يقول شون ماكي -رئيس مركز إدارة الألم بجامعة ستانفورد والرئيس المشارك للجنة الخبراء التي طوَّرَت استراتيجية وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، والتي تتألف من خبراء من هيئات أمريكية عديدة-: "هذه الأزمة تدفعنا إلى إعادة النظر في كيفية اعتنائنا بمرضى الآلام، فأنا لست من مؤيدي العقاقير الأفيونية ولا من مناهضيها، ولكني أدعم المريض". وأكمل: "لن يكون هناك حل أو قرص سحري، فالألم المزمن يحتاج إلى علاج متعدد الجوانب".

نوع مختلف من الألم

في أغسطس عام 2015 دخل ديفيد* الأجير السابق بإحدى المدارس، على كرسي متحرك، مكتب الطبيبة النفسية المتخصصة في علاج الألم، بيث دارنال، بعيادة علاج الآلام بجامعة ستانفورد، وهي أحد مراكز علاج الألم متعددة التخصصات القليلة في البلاد. وكان قد سافر هو وزوجته في صباح ذلك اليوم لمدة ثلاث ساعات من منزلهما إلى العيادة بوسيلة مواصلات مُجَهزة طبيًّا. كان ديفيد قد أجرى جراحة بسيطة في قدمه اليمنى قبل ذلك بيوم واحد فقط، وكان يرتدي حذاءً ورقيًّا أزرق صرفه له المستشفى، ولكن لم يكن شيءٌ ليمنعه من حضور ذلك الموعد الذي انتظر أسابيع للحصول عليه.

بدأت دارنال بأخذ تاريخه الطبي بالتفصيل، إذ وصف لها ديفيد الألم المستمر الذي يشعر به في ظهره وجسمه، والذي بدأ في عام 1995 وشعر بعد ذلك بأنه لم يعد قادرًا على العمل بدوام كامل. وفي ذلك العام تراجعت حالته الصحية كثيرًا، فقد أصيب بالالتهاب السحائي إثر لدغة حشرة القرادة، وشُخِّص بإصابته بالسرطان. وأثرت الأمراض إلى جانب العلاج الكيميائي على أعصابه، مؤديةً إلى شعور مستمر بالألم، مما قاده إلى مزيد من التحديات الجسدية والنفسية.

ينظر الكثير من الخبراء اليوم إلى الألم المزمن على أنه مرض في حد ذاته، فهو مع مرور الوقت يغير أنماط النشاط في مناطق الدماغ المرتبطة –ليس فقط بالأحاسيس الجسدية– وإنما أيضًا بالنوم والتفكير والمشاعر. ولا عجب في أن تُظهِر دراسات أن الألم المزمن يصاحبه ارتفاع في نسب الوفيات، واضطرابات النوم، والاكتئاب والقلق. يتناول ديفيد منذ عشرين عامًا جرعات متزايدة من الأدوية الأفيونية، ومنها "الميثادون"، وهو مسكن أفيوني طويل المفعول، والدواء "ديلوديد" سريع المفعول، وأحيانًا يتناول الدواء الأفيوني "ديميرول" كمساعد. ولكنه إلى جانب هذه الأدوية، كان يعتمد على "الفاليوم" لتهدئة شعوره بالقلق، والدواء "أمبيين" ليساعده على النوم.

بالنسبة لأغلب الناس، قد يكون تناوُل هذا المزيج من الأدوية مميتًا، ومع هذا فقد أصبح تناوله روتينًا يوميًّا لدى ديفيد. استمعت دارنال لقصة ديفيد ثم سألته عما إذا كان أحد قد أخبره بخطورة هذا المزيج من الأدوية، فكانت إجابته أن "لا"، ولكن لديه تجربة شخصية مع هذه الأدوية؛ فقد دخل المستشفى في ثلاث مناسبات متفرقة وهو يصارع الموت. تقول دارنال: "هذه فعلًا هي الأداة الوحيدة التي أُعِطيَت لك كي تتغلب على الألم، ونحتاج إلى استبدالها".

ديفيد ليس وحده على الإطلاق، فوفقًا لاستطلاع للرأي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" Washington Post بالاشتراك مع مؤسسة "كايسر فاميلي فاونديشن" في الخريف الماضي، قال حوالي ثلث المرضى الذين يتناولون أدوية مسكنة بوصفة طبية منذ شهرين على الأقل، إنهم لم يتلقوا من أطبائهم معلومات حول خطورة العقاقير الأفيونية. وقال ثلث المُستطلَعة آراؤهم فقط إن أطباءهم وضعوا خططًا تدريجية لوقف تناولهم لهذه الأدوية. وقال ثلث آخر منهم إن أطباءهم لم يناقشوا معهم قَط إمكانية الخضوع لعلاج تكميلي غير دوائي. يقول ديفيد شورتليف -نائب رئيس المركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية (NCCIH)، وهو جزء من معاهد الصحة الوطنية، مختص بالعلاجات غير الدوائية-: إن علاج الناس بطريقة أكثر فاعلية "يستلزم حدوث تغيير مهم في طريقة تصوُّرنا للألم". ويشرح شورتليف قائلًا: "أصبحنا نفهم الآن أن الألم ليس مجرد شعور ولكنه حالة دماغية، وأن التدخلات الدماغية الجسدية ربما تكون مفيدة في هذه الحالة".

يتألَّف فريق ستانفورد من اختصاصيين في علم نفس الألم، مثل دارنال، وأطباء متخصصين في إدارة الألم، وأطباء نفسيين، وأطباء أعصاب، وأطباء تخدير، وأطباء علاج طبيعي ومهني، وممرضين، ويتعاون أفراد الفريق جميعًا لمساعدة المرضى على تقليل اعتمادهم على الأدوية الأفيونية واستخدام بدائل غير دوائية بدلًا منها. يلتقي أعضاء الفريق أسبوعيًّا لتحسين الخطط العلاجية المُطَوَّرة التي ربما تشتمل على علاج سلوكي معرفي، وعلاج بدني، وتدريب الوعي التام، ويوجا، وارتجاع بيولوجي، ووخز بالإبر. والأهم من هذا كله، فإن النهج المستخدَم مُفَصَّل ليلائم كل مريض على حدة.

بالنسبة لديفيد، فقد بدأ خطته العلاجية بالبقاء في المستشفى لضمان تقليل اعتماده على الأدوية الأفيونية بطريقة آمنة وفعالة. وفي الوقت ذاته ركزت دارنال على علاجه من القلق، ووجهته لزيارة طبيب نفسي محلي لتلقي العلاج الكلامي، بعد خروجه من المستشفى ولوصف نظام استرخاء موجَّه، موضوع على أسطوانة مضغوطة. قالت دارنال لديفيد في نهاية الزيارة الأولى: "شعورك بالقلق يزيد الألم سوءًا. إذا استطعنا التركيز على الأدوات التي تساعد على إيقاف القلق، فإن ذلك يمكن أن يُسهِم في تخفيف الألم".

النظر إلى الداخل

إن تبنِّي نهج شامل كهذا ليس بالأمر الهيِّن أو غير المكلف، ولا بد من توسعة مظلة التأمين الصحي ليشمل العلاجات غير الدوائية، ولجعلها عملية مطبقة على نطاق واسع، ويرى خبراء مثل ماكي أن تعقيد الألم المزمن يوجب ذلك. ولعل أكثر العلاجات التكميلية التي حصلت على أكبر قدر من الاهتمام في الأعوام الأخيرة، هو تخفيف الإجهاد بالاعتماد على تنبيه الوعي التام (MBSR)، وهو عبارة عن ممارسة إكلينيكية غير دينية مستوحاة من ممارسات التأمُّل البوذية. طوَّر جون كاباتزين -الأستاذ الفخري بكلية الطب بجامعة ماساتشوستس- أسلوب "تخفيف الإجهاد بالاعتماد على تنبيه الوعي التام" في السبعينيات، ومنذ ذلك الحين ظهرت صفوف علاجية تطبق هذا الأسلوب في كل ولاية أمريكية وفي أكثر من ثلاثين دولة. وتشير مجموعة من الأدلة المتزايدة إلى أن هذا الأسلوب، الذي يشجع على تشكيل وعي خاص باللحظة الراهنة وخالٍ من إصدار الأحكام، ويعزِّز الوعي الذهني الجسدي، يمكن أن يخفف من حدة مجموعة مختلفة من الأمراض، بدءًا من السرطان والاكتئاب، وصولًا إلى إدمان المخدرات والآلام المزمنة.

في عام 2016، عمل كبير الباحثين الفخريين دانييل سي. شيركين وزملاؤه في معهد أبحاث الصحة الجماعية في سياتل، على اختبار ثلاثة أساليب علاجية لآلام أسفل الظهر المزمنة في 342 شخصًا بالغًا من الشباب والكهول، هي: تخفيف الإجهاد بالاعتماد على تنبيه الوعي التام، والعلاج السلوكي المعرفي المصمم لتغيير الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالألم، والعلاج التقليدي للألم. قارن الباحثون بين المشاركين الذين تلقوا العلاج التقليدي، والذين خضعوا للعلاج بطريقة "تخفيف الإجهاد بالاعتماد على تنبيه الوعي التام" أو للعلاج السلوكي المعرفي، من حيث الانخفاض الملحوظ في "الشعور بوطأة الألم" بعد 26 أسبوعًا؛ ووجدوا أن المجموعتين اللتين خضعتا للعلاج بالأسلوبين الأخيرين أظهرتا تحسُّنًا أفضل بهذا الصدد، كما أظهرتا تحسُّنًا أكبر في القدرات الوظيفية.

يستفيد آخرون ممن يعانون الألم المزمن، من أسلوب "الارتجاع البيولوجي" العلاجي. إذ يقوم المرضى عن طريق أجهزة استشعار ترصد الإشارات الجسدية، مثل توتر العضلات ومعدل ضربات القلب، بتعزيز وعيهم بالعمليات الفسيولوجية، وتعلُّم كيفية التحكُّم في الألم. وقد أَجرى تحليل تَلَوِي عام 2017 تقييمًا لعلاج ألم الظهر المزمن بأسلوب الارتجاع البيولوجي، في 1,062 مريضًا، ووُجد أن هذا الأسلوب لا يقلل من شدة الألم فحسب، بل يحسِّن أيضًا من قدرات المرضى على التكيُّف، ويقلل من حدوث الاكتئاب المرتبط بالألم. وقد اختبر ماكي وآخرون أيضًا تقنية علاجية أكثر تعقيدًا تسمى "الارتجاع العصبي"، توفر للمرضى صورًا للنشاط الدماغي الخاص بهم، باستخدام تخطيط كهربي للدماغ أو التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. يمكن لهذا النوع من العلاج تعليم المرضى كيفية السيطرة على مناطق الدماغ المرتبطة بمداواة الألم.

الوعي التام، واليوجا، والارتجاع البيولوجي، والوخز بالإبر، وسائل يمكن أن تسهم جميعها في علاج الألم المزمن، عبر تغيير علاقة المريض بالألم، بدلًا من تخفيف حدة الإحساس الجسدي.
Credit: Getty Images

تشير أدلة إضافية إلى أن الوخز بالإبر يمكن أن يساعد على تخفيف الألم المزمن في بعض الحالات، وربما يرجع السبب في ذلك -كما يفترض بعض العلماء- إلى تحفيز إشارات مضادة للالتهاب في الجلد، أو التأثير على الأنشطة العميقة في الدماغ. إلا أن الإجراء ما زال مثيرًا للجدل جزئيًّا لصعوبة دراسته. ولكن تحليلًا أُجرِيَ في عام 2014 لتسع وعشرين تجربة إكلينيكية استخدمت الوخز بالإبر في علاج الألم المزمن في حوالي 18,000 مريض؛ أظهر أن الصورة التقليدية للوخز على الطريقة الصينية التي تُمارَس منذ قرون، خففت الألم بصورة أكبر من العلاج من دون إبر أو باستخدام الإبر في غير موضعها. وفي الوقت نفسه، شعر عدد ملحوظ من الأشخاص في المجموعات المرجعية أيضًا بتحسُّن، قد يكون ناتجًا عن تأثُّر قوي بالعلاج الوهمي.

يدعم ذلك الاكتشاف الفكرة القائلة بأن خضوع مريض الألم المزمن لرعاية صحية متخصصة، يمكن أن يخفف الشعور بالألم. يدرس الباحثون كيفية عمل كل هذه العلاجات التكميلية، ويقول شارتليف: "لكننا لن ننتظر العلوم الأساسية لتدلنا على الطريقة المُثلى لعلاج الألم". ثمة إجماع واسع على أن الأساليب العلاجية التي تشمل الوعي التام، واليوجا، والارتجاع البيولوجي، والوخز بالإبر يمكنها أن تنجح عن طريق تغيير علاقة المرضى بآلامهم بدلًا من التخفيف الفعلي لحدة الإحساس الجسدي. يحاول شارتليف وغيره في المركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية أن يتعرفوا الطريقة المثلى لتطبيق العلاجات التكميلية القائمة، ويقول: "يعاني المرضى من الألم، ونريد أن نتوصل إلى ما يخفف آلامهم بالفعل، وهذا هو النهج العملي الذي نتبعه". أجرى المركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية مراجعة شاملة للتجارب الإكلينيكية المنشورة حول مجموعة متنوعة من العلاجات التكميلية مؤخرًا، بهدف التوصل إلى أي العلاجات التي يمكن استخدامها لتحقيق نتيجة أفضل لكل حالة مرضية. وجدت المراجعة أن الوخز بالإبر واليوجا حققا الفائدة القصوى لدى المرضى الذين يعانون آلامًا في الظهر. في حين حقق الوخز بالإبر وتمارين التاي تشي أقصى إفادة في المرضى الذين يعانون آلامًا مزمنة ناتجة عن التهاب المفاصل. أما العلاج بالتدليك فقد خفف آلام الرقبة على نحو قصير المدى، وكانت تقنيات الاسترخاء أكثر فاعلية لمن يعانون الصداع الشديد والصداع النصفي. (انظر: "هل يمكن لأي شيء أن يقضي على صداعي النصفي؟"(

افهم ألمك

ثمة سبب آخر يجعل الرعاية المُفَصَّلَة لكل مريض على حدة تبدو منطقية في حالة الألم المزمن؛ فقد يشعر الأشخاص المختلفون بالنوع نفسه من الألم ولكن بطرق مختلفة تمامًا. فقد اكتشف الباحثون أن مقدار الألم المزمن الذي يصيب أي شخص يعتمد اعتمادًا كبيرًا على ما يسمى بالعوامل البيولوجية النفسية الاجتماعية؛ ومنها: كيف يتفاعل الشخص مع الألم عاطفيًّا؟ وما مصادر التوتر الأخرى التي تؤثر عليه؟ وما مقدار الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه؟ لا يقلل استهداف هذه العوامل من شعور المرضى بالألم فحسب، بل يُسهِم جوهريًّا في تحسين جودة حياتهم. وفي الواقع، فإن الإعاقات المرتبطة بالآلام المزمنة، كثيرًا ما تتسبب في انعزال المرضى وانقطاعهم عن أصدقائهم، مما قد يجعل الألم أكثر حدة.

ولتحديد العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية مقدمًا، يقوم المرضى في عيادة ستانفورد بملء استبانة شاملة على الإنترنت، يذكرون فيها كل شيء، بدءًا من التاريخ المهني، والتجارب السلبية لمرحلة الطفولة، وصولًا إلى عادات النوم ومستويات الغضب. يعتقد ماكي أن جمع هذا النوع من البيانات يمهد السبيل لاختيار العلاجات الفعَّالة المناسبة لكل مريض على حدة. تُعَد الاستبانة جزءًا من قاعدة بيانات مجانية مفتوحة المصدر أنشأها ماكي وزملاؤه في ستانفورد، بالتعاون مع باحثين بمعاهد الصحة الوطنية. هذا النظام، الذي يُطلَق عليه اسم السجل التعاوني لبيانات النتائج الصحية (CHOIR)، يُستَخدَم حاليًّا فى المراكز الطبية فى جميع أنحاء الولايات المتحدة، وسَيُتاح قريبًا في العديد من الدول الأخرى. يحتوي السجل على بيانات مجمعة من أكثر من 15,000 مريض، ويمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام النظام لتتبُّع تقدم المرضى بمرور الوقت، ومقارنة مساراتهم العلاجية بحالات مماثلة.

أظهرت هذه المجموعة من البيانات وجود عامل أساسي يمكن الاعتماد عليه في توقُّع تأثير الألم المزمن على حياة الشخص على نحو أفضل بكثير من أي مقياس آخر، وهو التفكير بطريقة "تقدير الكوارث"؛ أي الميل إلى المبالغة أو إلى تضخيم خطورة الألم، والخوف من وقوع ما هو أسوأ، والتركيز باستمرار على تجربة الألم. ويعاني الأشخاص المحاصرون داخل هذه الطريقة من التفكير، من الشعور بسيطرة آلامهم عليهم، وبأنهم ربما لن يكونوا على ما يرام مرةً أخرى. وتقول دارنال: "يؤدي هذا إلى رغبتهم الشديدة في الهروب من الألم، لذا يسعون للحصول على الأدوية". وإذ إن النظرة الكارثية لها تأثير قوي على الشعور بالألم، تضيف دارنال قائلة: "لذا يبدو لي استهدافها فكرةً عبقرية".

انتهجت دارنال هذا النهج بالضبط مع المريضة أنجيلا*، التي سجلت درجة عالية جدًّا على "مقياس تقدير الكوارث" الخاص بالسجل التعاوني للمعلومات الصحية، في أول زيارة لها إلى عيادة ستانفورد. بعد أن تعرَّضت أنجيلا لإصابة حادة في الرأس، ظلت سنوات تعاني الصداع الشديد، وآلام الرقبة، ومتلازمة الألم العضلي الليفي؛ وهي متلازمة تفتقر إلى الدراسة الجيدة، يشعر المصاب بها بالإرهاق وبآلام في جميع أنحاء الجسم. كانت أنجيلا تتناول المسكنات الأفيونية، فضلًا عن أدوية قوية ومتنوعة للصداع النصفي. ومع ذلك، فإن آلامها كانت تجعلها تستخدم كرسيًّا متحركًا في كثير من الأحيان. وأثَّر ذلك على قدرتها على رعاية أطفالها، وإدارة أعمالها، والحفاظ على علاقات صحية مع زوجها ووالديها. وشأنها شأن العديد من مرضى الألم المزمن، حزنت أنجيلا أيضًا لفقدانها حياتها التي كانت تعيشها قبل الألم. وقالت إنها كانت تستمتع بمجموعة متنوعة من الرياضات ذات الإيقاع السريع، وإنها تشعر بالاستياء، وتصف حالها قائلة: "لم أعد أستطيع حتى أن أتخيل قيامي بها!".

شعور أنجيلا بالعجز أمر طبيعي، والأطباء الذين يرفضون الاعتراف بالألم المزمن، لعدم قدرتهم على تفسيره، لا يفعلون سوى أنهم يزيدون هذا الشعور سوءًا. عندما تفشل العمليات الجراحية أو العلاجات الأخرى في علاج الألم، يتعلم المرضى أن يتوقعوا الفشل. تقول دارنال: "المرضى يأتون إلينا محبَطين للغاية، وقد طحنهم الشعور بالألم، ومهمتنا هي رفع روحهم المعنوية أولًا". وتتمثل الخطوة الأولى في مساعدتهم في استعادة الشعور بالسيطرة، ولو بقدر يسير. وتستطرد قائلة: "الناس بحاجة إلى أن يعرفوا أن آلامهم حقيقية، وأنها ليست خطأهم، وأن هناك بعض الطرق التي يمكننا معالجة الآلام بها".

كما هو الحال مع جميع مرضاها، دعت دارنال أنجيلا وعائلتها إلى ندوة تعليمية مجانية مدتها ساعتان، لإطلاعهم على كيفية تفاعُل الألم مع العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية. كما حصلت أنجيلا أيضًا على أسطوانة مضغوطة تساعد على الاسترخاء مثل التي أُعطِيَت لديفيد. وتوضح دارنال للمرضى الذين ترعاهم أن التجربة السمعية المسجلة على الأسطوانة المضغوطة تعمل على تهدئة الجهاز العصبي، وأنهم ينبغي أن يفكروا عند الاستماع إليها أنهم يخضعون لجرعة من الدواء الذهني الجسدي. وتشدد قائلة: "افعل ذلك بشكل منتظم، اجعلها عادتك الجديدة"، وتضيف: "حتى لو كنت لا تستطيع أن تفعل ذلك لمدة عشرين دقيقة، اجعلها خمس دقائق. فعل شيء أفضل من لا شيء. افعل ذلك دائمًا دائمًا".

شرعت أنجيلا في استخدام الأسطوانة المضغوطة على الفور. كما مارست اليوجا، وبدأت علاجًا منتظمًا بالتدليك، وخضعت لدى دارنال لعلاج كلامي يركز على الألم. والآن، وبعد مرور عدة أشهر، وجدت تحسنًا قابلًا للقياس. إذ تعلمت أن تسيطر على عواطفها عندما تتعرض للضغط، مما أثر إيجابًا على علاقاتها. وانخفض مقياس الكارثية لديها كثيرًا، ولم تعد تأخذ أدوية أفيونية، ولكنها استعاضت عن ذلك بجرعة منخفضة جدًّا من "النالتريكسون"، وهو دواء يحجب المستقبلات الأفيونية ويُعتَقَد أنه يخفف الالتهاب. وأصبحت تستطيع المشي مرة أخرى عدة أميال في المرة الواحدة، دون الشعور بالألم. ولعل الأهم من ذلك، أنها بدأت في وضع أهداف لمستقبلها، وتقول بابتسامة ماكرة: "لا أستطيع أن أرقص كما اعتدت، ولكن يمكنني أن أتحرك قليلا". يُعَد حلم أنجيلا بالرقص -بعد أن قضت سنوات في كرسي متحرك فاقدة الأمل في أن تتحرك بحرية مرة أخرى- انتصارًا في حد ذاته.

*أسماء المرضى تم تغييرها لحماية خصوصيتهم.


تسكين مكلف للألم

الآثار الجانبية للمواد الأفيونية

تعمل المواد الأفيونية على نحو جيد على المدى القصير؛ لأنها تحاكي الجزيئات الشبيهة بالمورفين الموجودة داخل أدمغتنا، التي تسمى "الأفيونيات الداخلية"، والتي يتم إطلاقها لحجب إشارات الألم الواردة. لا تُفرَز المواد الأفيونية الداخلية إلا عند الحاجة إليها وداخل دوائر الألم في الدماغ فقط؛ ولكن العقاقير الأفيونية تذهب في كل مكان في الجسم وتنشط المستقبلات في جميع أنحاء الجسم. ونتيجة لذلك، فإن هذه الأدوية تسبب مجموعة من الآثار الجانبية:

  • في دارات الألم داخل الدماغ: تخفف الأفيونيات الألم، ولكن تَحَمُّل الجسم للدواء يتطور بسرعة، مما يؤدي إلى ضرورة زيادة الجرعات للحصول على التأثير نفسه.
  • في الأمعاء: تُبطئ الأفيونيات من حركة الجهاز الهضمي، مما يؤدي إلى حدوث إمساك.
  • في الحبل الشوكي: يتولَّد لدى بعض الناس شعور شديد بالحكة بسبب المواد الأفيونية.
  • في مسار المكافأة في الدماغ: تنتج الأدوية أحاسيس ممتعة للغاية، وغالبًا ما تؤدي إلى الإدمان.
  • في جذع الدماغ: الأكثر خطورة على الإطلاق، يمكن للمواد الأفيونية أن تحجب الإشارات الصادرة من الخلايا العصبية التي تتحكم في عملية التنفس، مما يؤدي إلى الوفاة بسبب نقص التهوية.

الجيل التالي من المسكنات

يعمل الباحثون حاليًّا على إنتاج مواد أفيونية يمكنها أن تزيل الألم دون التسبُّب في آثار جانبية سيئة. فعلى سبيل المثال، تنتج الأدوية الأفيونية ممتدة الإطلاق المتوفرة بالفعل، شعورًا بالسعادة، أقل من الذي تُحدثه الأدوية التي تطلق المادة الفعَّالة دفعةً واحدة، مما يقلل من احتمالات الإدمان. وما زال هناك مَن يبذل جهودًا أكثر تطورًا في هذا الصدد. اتضح أن تنشيط مستقبلات الأفيون يحفز مسارين للإشارات داخل الخلايا. بشكل عام، يؤدي أحدهما إلى تخفيف الألم، ويسبب الآخر آثارًا جانبية. يركز الباحثون الآن على إنتاج مركبات يمكنها أن تحفز بشكل انتقائي مسارًا دون الآخر.

فعلى سبيل المثال، تجرى الآن تجارب إكلينيكية لاختبار العقار "أوليسريدين"، أو "TRV130"، وهو مركب تنتجه شركة المستحضرات الدوائية الحيوية "تريفينا" الواقعة في بنسلفانيا. في سبتمبر من عام 2016، اكتشف الباحثون مركبًا آخر يسمى "PZM21" استُخدِم لتسكين الألم في الفئران دون آثار جانبية. يقول ويليام شميدت -المستشار الصيدلاني بشركة "نورث ستار" للاستشارات في ديفيس بولاية كاليفورنيا-: "إن الهدف الرئيسي لكل من العقارين "PZM21" و "TRV130" هو الحد من حدوث نقص التهوية الأفيوني، وهو ما ثَبَتَت إمكانية تحقيقه في الدراسات قبل الإكلينيكية (التجارب الحيوانية) والدراسات الإكلينيكية على حد سواء. وعلاوة على هذا، فإن كلا الدوائين أقل ضررًا من حيث إمكانية إدمانه، كما أن تأثيرهما على الجهاز الهضمي أقل، وبالتالي يصبح المريض أقل عرضة للإصابة بالإمساك".

لاكتشاف المركب الجديد "PZM21"، استخدم الباحثون النمذجة الحاسوبية لاختبار كيفية تفاعُل ثلاثة ملايين جزيء افتراضي مختلف، مع بنية مستقبِلات الأفيونيات. واستنادًا إلى تلك التفاعلات، ركز الباحثون على 23 مركبًا منها، واختبروها بعد ذلك على الخلايا في المختبر، إذ نشَّط المركب "PZM21" بقوة مسار تسكين الآلام في تلك الخلايا، ولكنه لم يؤثر على المسار الذي ينتج آثارًا جانبية. أظهر المركب "PZM21" فاعليةً أكثر في الفئران مقارنة بالمورفين من حيث تخفيف حدة الألم. ستحدد التجارب الإكلينيكية المستقبلية التي سَتُجرى على المركب "PZM21" والتجارب الجارية على المركب "TRV130" ما إذا كانا سيحققان الأهداف المرجوة منهما أم لا.