يمتلك علماء الأعصاب عددًا محدودًا من الأدوات التي تُمكِّنهم من فهم الدماغ البشري ومعالجة أمراضه، وفي أغلب الحالات تعتبر الجراحات والأقطاب الكهربائية التي تُزرَع، إجراءات جراحية مفرطة في التوغُّل، فيما تُعدّ التقنيات غير التوغًّلية الموجودة حاليًا -كالتحفيز المغناطيسي- إجراءات غير دقيقة، ومؤخرًا، أوضح عالم التصوير الإشعاعي العصبي راج آيران من جامعة ستانفورد، بالتعاون مع زملائه، طريقة من شأنها تمكين الباحثين من التعامل مع مناطق صغيرة في الدماغ تُستَهدف  بدقة عالية ودون الحاجة إلى تدخلات جراحية توغُّلية.

تستخدم هذه الدراسة، التي نُشِرَت في نوفمبر الماضي في دورية «نيورون» Neuron، تقنية عَمِلَ آيران على تطويرها لسنوات، لكن هذه هي المرة الأولى التي تثبت فيها فاعلية هذه الطريقة بالمستوى المطلوب من الدقة، وتتضمن التقنية حقن أغلفة مصنوعة من الجسيمات النانوية ومملوءة بجزئيات العقار في مجرى الدم، وبعدها يستخدم الباحثون شعاعًا مركَّزًا من الموجات فوق الصوتية لتحرير جزئيات العقار من أغلفتها في الموضع المطلوب، ومن هذا الموضع تتخطَّى جزيئات العقار الحاجز الدموي الدماغي (غشاء بين الشرايين والدماغ يسمح بمرور الجزيئات متناهية الصغر فقط)، فتُحدث الجزيئات تأثيرها على وظيفة الدماغ مباشرةً في ذلك الموضع بعينه.

أظهرت نتائج التجارب التي أجريت على الجرذان أن نشاط العقار، وهو عقار مُخدِّر، كان مقصورًا على حيز مكعّب طول ضلعه 3 ملليمترات، وكان الشعاع مركزًا عليه، وجَّه الباحثون شعاعًا من الموجات فوق الصوتية على القشرة البصرية للجرذان، مع تسليط ومضات ضوئية على أعينها، وقد انخفض نشاط الدماغ في المنطقة المستهدفة عندما سُلِّط الشعاع، وبعدها استُعِيد النشاط في غضون 10 ثوانٍ بعد توقف التحفيز، في وقت زال فيه مفعول المخدر.

يقول جراح الأعصاب نير ليبسمان من معهد صانيبروك للأبحاث في تورنتو، والذي لم يشارك في الدراسة: "التوصُّل إلى تقنية دقيقة من الناحية المكانية والزمانية، وتسمح لنا بالتدخّل بشكل مركّز جدًا في الدماغ يعتبر هدفًا بالغ الصعوبة". ورصد الفريق كذلك انخفاضًا في النشاط الأيضي في المناطق البعيدة في الدماغ المتصلة بالمناطق المستهدفة، وهو ما يشير إلى إمكانية استخدام هذه الطريقة في رسم خرائط الدوائر الدماغية.

لم يجد الباحثون أدلة على حدوث تلف في الأنسجة نتيجة لهذا الإجراء الطبي، يقول ليبسمان: "قام الباحثون بعمل جيد لإثبات سلامة هذا الإجراء"، وتُعتبر هذه الدراسة إجراء لإثبات المفهوم العلمي، إلا أن آيران يقول إن توظيفها في الاستخدامات السريرية من المنتظر أن يتم سريعًا؛ فالأشعة فوق الصوتية شائعة الاستخدام بالفعل في الطب، والجسيمات النانوية تُنتَج من مواد كيميائية تُستخدَم بشكل روتيني في العلاج الإشعاعي وعلاج السرطان، يقول آيران: "علينا فقط أن نثبت أن الجمع بينهما آمن، ونتشاور حاليًا بشأن إجراء أول تجربة على البشر خلال عام أو عامين".

إذًا، ماذا بعد؟

المرحلة التالية هي اختبار ما إذا كانت هذه التقنية يمكنها محاكاة التأثيرات الناجمة عن الجراحات العصبية المُخطَّط لها، عن طريق تخدير المنطقة الدقيقة المستهدفة للتأكد من إمكانية تعطيلها بشكل آمن، وهذا النهج يمكن استخدامه أيضًا في توصيل العقاقير النفسية إلى مناطق محدَّدة من الدماغ، وهو إجراء من شأنه تقليل الآثار الجانبية وتحسين مستوى الفاعلية، يقول آيران: " الاحتمالات الممكنة لا يتصورها عقل".

نُشِرَ هذا المقال في الأصل تحت عنوان "شعاع من الموجات فوق الصوتية داخل الدماغ": ساينتفك أمريكان، 320، 3، 17 (مارس 2019).

doi:10.1038/scientificamerican0319-17