في عالم الإلكترونيات، يشير مصطلح "النسبة الباعية" أو aspect ratio إلى شكل الشاشة لديك. فالنسبة الباعية للصورة التي تظهر على شاشات التلفاز عالية الوضوح الموجودة اليوم تبلغ 16:9، أي أن لها شكلًا مستطيلًا له هذه الأبعاد. أما الصورة على شاشات التلفاز القديمة النمطية فكانت نسبتها الباعية 4:3 –إذ لم تكن مربعة تمامًا لكن شبه مربعة. أما الأفلام وأفلام "أيماكس" IMAX والصور الفوتوغرافية فلها معايير خاصة بها فيما يتعلق بالنسبة الباعية.

إن عدم التجانس هذا بين الأشكال المختلفة قد يؤدي إلى بعض النتائج السيئة. فهل تذكر مشاهدة الأفلام ذات الأبعاد العريضة على شاشات التلفاز النمطية؟ كان جزءٌ كبيرٌ من الشاشة تغطيه أشرطة سوداء أفقية أعلى الصورة وأسفلها، تشبه فتحة صندوق الرسائل ويُطلق عليها اسم letterbox. أما مشاهدة المسلسلات القديمة على شاشات التلفاز عالية الوضوح فتتطلب وجود أشرطة كبيرة سوداء على جانبي الصورة المربعة، التي تُشَبَّه بصندوق البريد القائم على الرصيف ويُطلق عليها اسم pillarbox.

إذا بدا ذلك مربكًا بالنسبة لك، توقف عن القراءة.. فقد دخلنا للتو عصر جحيم النسب الباعية.

المتهم هنا هو الهاتف الذكي. فنحن نشاهد الآن المزيد والمزيد من مقاطع الفيديو على أجهزتنا المحمولة أكثر مما نشاهد على أجهزة التلفاز والحاسوب. لكن الغريب أن شاشة الهاتف عمودية –أي لها شكل مستطيل طويل ورفيع. وهذا الشكل هو أسوأ شكل ممكن لعرض الصور العريضة. إذ تظهر الأفلام والمسلسلات التلفزيونية على شريحة نحيفة من الشاشة، وسط مساحة من السواد.

أعرف أنك تود الآن أن تقول: "لكننا نستطيع قلب الهاتف 90 درجةً أيها الغبي!"، نعم، بالتأكيد نستطيع ذلك، لكننا لا نفعل. فثمة أمر مزعج غير مريح ويثير الضيق في قلب الهاتف؛ لأنك تنتقل من استخدام يد واحدة إلى استخدام يديك الاثنتين. وقليل جدًّا من الناس يتجشم عناء قلب هاتفه لمشاهدة الفيديوهات بعرض الشاشة -نحو 72% من شباب الألفية في حقيقة الأمر لا يفعلون ذلك.

يجاهد منتجو البرمجيات ومقاطع الفيديو لاستيعاب الواقع الجديد: وهو شاشات العرض العمودية. وقد بدأ تطبيق "سنابشات" الأمر؛ فمستخدموه الـ178 مليونًا يلتقطون الصور والفيديوهات ذات الوضعية العمودية بجنون وينشرونها. وتعرض منصة "فيسبوك" الآن مقاطع الفيديو العمودية أمامك في صفحة الأخبار الرئيسية خاصتك دون الحاجة إلى الضغط عليها لتكبيرها، كما يقول المعلنون إن إعلاناتهم ذات العرض العمودي على فيسبوك تجذب انتباه المشاهدين أكثر بكثير من الإعلانات مربعة الشكل. وقد أجرت شركات "إنستاجرام" و"يوتيوب" و"تويتر" بدورها تحديثات على تطبيقاتها لكي تعرض مقاطع الفيديو العمودية أيضًا.

والآن يلتقط المهنيون المحترفون الصور عمودية العرض لمواكبة هذا الاتجاه. "فيرفيد" Vervid هو تطبيق جديد يُستخدم خصوصًا لتشغيل مقاطع الفيديو العمودية. و"فيرتيكال سينما" Vertical Cinema (www.verticalcinema.org) هو مهرجان للأفلام المصورة بوضع عمودي، فيه تُعلَّق شاشات العرض بشكل عمودي. كما تطور شركة "ياهو" (التي أعمل لديها) خدمة عرض جديدة مقابل اشتراك، كل ما يُعرض عليها مصور بوضع عمودي. النتيجة أنه بسبب انتشار مقاطع الفيديو، أصبحنا الآن نشاهد أغلبها على هواتفنا الذكية، وبسبب طبيعة استخداماتنا، فإننا نمسك الهاتف بشكل عمودي، ولأننا نمسكه هكذا، بات تصوير مقاطع الفيديو الاحترافية يتم بالتوافق مع ذلك. حسنًا، هذا رائع.

لكن كل ذلك يضعنا في ورطة كبيرة فيما يتعلق بالنسب الباعية. فشاشات التلفاز والحاسب الآلي لا تزال أفقية. فماذا يحدث عند تشغيل مقطع فيديو مصور عموديًّا بهاتف محمول، على شاشة تلفاز أو حاسوب نقال؟ بالتأكيد رأيت ذلك: تحاول جهات البث ملء المناطق الفارغة على جانبي الصورة بنسخ باهتة من الفيديو الأصلي، وهو أمر مريع. وعلى العكس، فإن الأرشيف الكامل للأفلام والبرامج التلفزيونية عالية الوضوح أفقي. ولن تظهر هذه الفيديوهات حتى شبه جيدة على الشاشات العمودية.

ثم إن هناك قضية ما يُعرض في مقاطع الفيديو نفسها. فمحبو الفيديوهات العمودية يقولون إن اللقطات العمودية تعرض المباني والأشجار والجبال والمشاهد التي يظهر فيها شخص واحد واقف بصورة أفضل. فبدلًا من أن ترى الرأس والأكتاف فقط، ترى الجذع واليدين أيضًا.

وهناك سبب وجيه لاستخدام الأبعاد الأفقية في الأفلام والعروض التلفزيونية؛ فعيوننا موضوعة أفقيًّا، ونقضي حياتنا نتحرك في مسطح أفقي أيضًا. والشكل الأفقي أفضل بكثير من العمودي في عرض أغلب الأشياء في الحياة اليومية، على سبيل المثال، المَشاهد التي يظهر فيها أكثر من شخص وأي أشياء أخرى تتحرك.

بعبارة أخرى، فإننا نشهد تصادمًا هائلًا بين عيوننا وأيدينا، بين المنطق وطبيعة استخدامنا، بين القديم والجديد. فما الحل؟ لن يقلب الشباب هواتفهم على جانبها مطلقًا. ومن ناحية أخرى، لن يحدث في المستقبل المنظور تصميم أجهزة التلفاز ودور السينما وشاشات أجهزة الحاسوب لتكون عمودية. وهذه ليست مشكلة مؤقتة عابرة كما كانت عندما انتقلنا من التلفاز بشكله النمطي إلى التلفاز عالي الوضوح، هذه المرة على الاثنين الوجود معًا. من السهل أن تتنبأ بشكل -أو أشكال- ما هو قادم.. والأمر في حقيقته أشبه بالفوضى العارمة.