يُعَد وباء السمنة العالمي أحد أكبر التحديات الصحية التي تواجه البشرية. ففي عام 2014، كان ما يقرب من 600 مليون شخص، أو 13% من سكان العالم، يعانون من السمنة، وهو رقم ازداد بأكثر من الضعف حول العالم منذ عام 1980. واليوم، 37% من الأشخاص البالغين في أمريكا يعانون من السمنة، هذا بالإضافة إلى 34% يعانون من زيادة في الوزن. وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فإن خبراء الصحة يتوقعون أنه بحلول عام 2030 سيصبح نصف الأمريكيين يعانون من السمنة.

ولو كانت الحميات الغذائية الرائجة وبرامج التليفزيون وقوة الإرادة يمكن أن تُسهم في حل هذه المشكلة، لكُنَّا رأينا بعض التغيير الآن. إن مشكلة السمنة (التي تتسم بزيادة مفرطة في دهون الجسم، وتقاس بما يعادل نسبة 120% أو أكثر من الوزن المثالي) أكثر تعقيدًا من أن يتم حلها باستخدام وصفات ثابتة سريعة. إن التوصل إلى لماذا نأكل ما نأكل، وكيف يتحكم الجسم في الوزن، والوسيلة المُثلى لجعل الأشخاص يغيرون العادات غير الصحية ليس بالأمر السهل، لقد قضى الفريق البحثي في المختبر الذي نعمل به العقدين الماضيين في محاولة -وفقًا للمقاييس العلمية الصارمة- لتطوير وسائل أكثر فاعلية لعلاج السمنة والحفاظ على الوزن الصحي.

وقد تحدى الجزء الأكبر من عملنا المعتقدات الشائعة، وأتاح المجال لاستخدام أساليب جديدة. لقد أثبتنا، على سبيل المثال، أن ممارسة التمرينات الرياضية ليست أهم ما نركز عليه عندما نرغب في إنقاص الوزن، على الرغم من أن لها العديد من الفوائد الصحية الأخرى، من بينها الحفاظ على وزن صحي. وكما شك الكثير من الخبراء، وكما أثبتنا نحن وغيرنا، فإن ما يأكله المرء وكميات الطعام التي يتناولها تؤدي دورًا أكبر بكثير في تحديد ما إذا كان الجسم سيفقد بعض الكيلوجرامات. غير أن أبحاثنا تعمقت أكثر من هذا، إذ أثبتت أن الأشخاص المختلفين يفقدون الوزن بفاعلية أكثر مع أطعمة مختلفة، وهذا من شأنه أن يتيح لنا وضع برامج لإنقاص الوزن مصممة بحيث تناسب كل شخص وفق طبيعة جسمه وتأتي بنتائج أفضل من قوالب النصائح الجاهزة.

ونرى أن هذا الفهم الجديد بإمكانه أن يؤدي إلى تحسين صحة ملايين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم؛ فالسمنة تزيد من مخاطر الإصابة بجميع الأمراض الكبرى غير المعدية، من بينها داء السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والسكتة الدماغية والعديد من أنواع السرطان، بما يكفي لتقليل العمر المحتمل للإنسان بما يقرب من 14 سنة. وتوضح الأبحاث أن الزيادة المفرطة في الوزن أيضًا تتدخل في قدرة الجسم على محاربة العدوى والنوم بعمق والتمتع بشيخوخة صحية، هذا من بين العديد من المشكلات الأخرى. وقد كان حريًّا بنا أن نعرف قبل وقت طويل كيف يمكننا محاربة هذا الوباء.

الاستخدام الفعال للطاقة

من الممكن أن نختزل عملية إنقاص الوزن في صورة صيغة رياضية بسيطة: حرق سعرات حرارية أكثر من تلك التي تتناولها. على مدار عقود، أدرك خبراء الصحة أنه لا يهم كثيرًا كيف تقوم بخلق هذا العجز: طالما أنك تحصل على العناصر الغذائية الصحيحة، يمكنك أن تُنقص وزنك بأمان باستخدام أي مزيج من زيادة التمرينات الرياضية وتقليل كميات الطعام. غير أن هذا الافتراض لا يضع في الحسبان تعقيدات العوامل الفسيولوجية والسيكولوجية للجسم البشري، وينهار بسرعة تحت وطأة الاختبار في التجارب الواقعية. وفي الواقع، فإن دراسة التفاصيل ومعالجتها ووضع إدارة الوزن على أساس علمي أكثر استغرقت وقتًا أطول بكثير، وتطلبت نطاقًا من الخبرة أكبر بكثير مما توقع أي شخص.

كانت الخطوة الأولى لنا، والتي اتخذناها في تسعينيات القرن العشرين، هي تحديد مطلب رئيسي: كم من الطاقة يحتاج الجسم البشري في المتوسط؟ لكن هذا السؤال المباشر ليس سهل الإجابة على الإطلاق. بالطبع يستمد الناس طاقتهم من الطعام، ولكن كي يستخدم الأفراد تلك الطاقة يجب أن يتحلل ذلك الطعام أو يجب أن تحدث عملية الأيض حتى يصبح الطعام بمنزلة الوَقود للسيارة. يساعد الأكسجين الذي نتنفسه على حرق ذلك الوقود، وأي جزء لا يُستخدم على الفور يتم تخزينه في الكبد في صورة جلايكوجين (صورة من الكربوهيدرات) أو الدهون. وعندما لا يصبح هناك متسع في الكبد، فإن الدهون الزائدة تُخزن في مكان آخر في صورة خلايا دهنية. بالإضافة إلى هذا، تخلق عملية الأيض ثاني أكسيد الكربون، والذي نخرجه في عملية الزفير، وكذلك الفضلات التي يخرجها جسم الإنسان في البول والبراز. وتتم هذه العملية بمستويات مختلفة من الكفاءة في أجسام الأشخاص المختلفين، وكذلك في ظل ظروف مختلفة في جسم الفرد نفسه.

على مدار فترة طويلة كانت الوسيلة المُثلى لقياس إنفاق الأشخاص من الطاقة هي أن تطلب منهم العيش  مدةَ أسبوعين في مختبر متخصص، مثل مختبرنا، حيث يمكن للباحثين قياس كل شيء يأكله ذلك الشخص ومتابعة وزنه. وثمة طريقة أخرى أيضًا هي وضع المتطوع في غرفة مغلقة (تُعرف باسم مقياس السعرات الحرارية) وقياس الأكسجين الذي يستنشقه وثاني أكسيد الكربون الذي يزفره، ومن هذه القياسات يمكننا تحديد متطلبات الطاقة الأساسية للجسم. غير أن كلا الطريقتين غير مناسبة تمامًا، كما أنها لا تنجح في محاكاة ظروف الحياة اليومية المعتادة.

ثمة أسلوب آخر أكثر سهولة يعتمد على ما يُعرف باسم الماء المُدعَّم باثنين من النظائر غير المضرة وغير المشعة، وهما الديوتيريوم والأكسجين 18، بكميات ضئيلة. وعلى مدار أسبوع إلى أسبوعين، بعد أن يشرب الشخص ذلك الماء، يبدأ الجسم في إفراز الديوتيريوم وبعض من الأكسجين 18 في البول (وباقي الأكسجين 18 يخرج في عملية الزفير في صورة ثاني أكسيد الكربون)، فيأخذ الباحثون عينات البول ويقارنون مدى سرعة اختفاء النظيرين من الجسم في أثناء تلك المدة. وباستخدام هذه البيانات، يمكنهم حساب عدد السعرات الحرارية التي يحرقها الشخص من دون التأثير على روتين حياته اليومي.

وقد تطورت تلك الطريقة في خمسينيات القرن العشرين، ولكن على مدار عقود كان ذلك الماء باهظ التكلفة مما يحول دون استخدامه مع الأشخاص. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، انخفضت الأسعار وأصبح ذلك الأسلوب أكثر فاعلية، على الرغم من أنه في بعض الأحيان كان معملنا ينفق ما يقرب من ألفي دولار لتنفيذ عملية قياس واحدة. ونتيجة لذلك، استغرق الأمر أكثر من 20 عامًا لجمع بيانات كافية للتوصل إلى مقدار الطاقة التي يحتاج إليها الجسم لتجنُّب زيادة الوزن أو نقصانه.

وقد ساعدتنا التجارب التي أجراها فريقنا وغيره من الفرق البحثية على تحديد أن الإنسان لا يحتاج إلى الكثير من السعرات الحرارية كي يظل نشيطًا وفي صحة جيدة، وأي استهلاك زائد للسعرات الحرارية يؤدي إلى زيادة الوزن سريعًا. وفي هذا الشأن، يشبه الإنسان الكثير من الرئيسيات الأخرى، من بنيها الشمبانزي وإنسان الغاب (أورانج أوتان). فيحتاج الذكر البالغ من سكان الولايات المتحدة الذي يتمتع بوزن صحي وطول طبيعي إلى حوالي 2500 سعر حراري في اليوم للحفاظ على وزنه، في حين أن الأنثى البالغة المتوسطة غير السمينة تحتاج إلى حوالي 2000 سعر حراري، (يحتاج الرجال إلى سعرات حرارية أكثر لأنهم في المتوسط لديهم أجسام أضخم وكتلة عضلية أكبر).

على النقيض من هذا، أوضحت الدراسات أن أنواعًا مختلفة من الكائنات مثل الأيل الأحمر (في إحدى التجارب، كان متوسط وزن الإناث التي تبلغ من العمر 6 سنوات 100 كجم) والفقمة الرمادية (كان متوسط وزن ثلاث إناث بالغات 120 كجم) تحتاج إلى سعرات أكثر بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات لكل كيلوجرام مقارنة بالرئيسيات للحفاظ على حجمها.

من المغري افتراض أن الأمريكيين يحتاجون إلى سعرات حرارية أقل لأنهم يقضون الجزء الأكبر من حياتهم جالسين، غير أن الباحثين سجلوا احتياجات مشابهة من السعرات الحرارية في السكان الأصليين الذين يعيشون حياةً ملأى بالنشاط. فقد قاس هيرمان بونتزر -من كلية هانتر- وزملاؤه احتياجات السعرات الحرارية في قبائل الهادزا في شمال تنزانيا، والتي تعيش على الجمع والالتقاط، وتوصل إلى أن الرجال يحتاجون إلى 2649 سعرًا حراريًّا في المتوسط يوميًّا. أما النساء، واللاتي كن على غرار الرجال أصغر حجمًا من أقرانهن في مناطق أخرى، فكن يحتجن إلى 1877 سعرًا حراريًّا. وتوصلت دراسة أخرى لقبيلة ياكوت في سيبيريا إلى أن الرجال يحتاجون إلى 3103 سعرات حرارية، في حين أن النساء يحتجن إلى 2299 سعرًا حراريًّا، أما أفراد قبيلة أيمارا التي تعيش في سهول جبال الأنديز المرتفعة، فيحتاج الرجال فيها إلى 2653 سعرًا حراريًّا، والنساء إلى 2324 سعرًا حراريًّا.

على الرغم من أن احتياجاتنا من السعرات الحرارية لم تتغير، فإن البيانات الحكومية توضح أنه في المتوسط يستهلك الأمريكيون 500 سعر حراري إضافي (أي تقريبًا شطيرة دجاج مشوي أو اثنين من تاكو اللحم في مطعم للوجبات السريعة) كل يوم مقارنة بالاستهلاك في سبعينيات القرن العشرين. والاستهلاك الإضافي البسيط من 50 إلى 100 سعر حراري يوميًّا -أو ما يعادل واحدة او اثنتين من الكوكيز صغيرة الحجم- يمكن أن يؤدي إلى زيادة الوزن بمقدار 1 إلى 3 كجم سنويًّا، وهذا يصبح بسهولة 10 إلى 30 كجم بعد عقد. فهل من الغريب إذًا أن الكثيرين منا ازداد وزنهم أو أصبحوا يعانون من السمنة؟

سعرات حرارية معقدة

إن الوصفة المعتادة للحفاظ على وزن ثابت –وهي عدم استهلاك سعرات حرارية أكثر من تلك التي يحتاج إليها الجسم للدفء والوظائف والأنشطة الرئيسية– ليست إلا طريقة أخرى لتأكيد أن القانون الأول من قوانين الديناميكا الحرارية لا يزال منطبقًا على الأنظمة البيولوجية: إجمالي كمية الطاقة التي يمتصها النظام المغلق (في هذه الحالة، هذا النظام هو الجسم) يجب أن يتساوى مع إجمالي كمية الطاقة التي يتم إنفاقها أو تخزينها. ولكن ليس في هذا القانون ما يدفع الجسم لاستخدام جميع مصادر الطعام بالكفاءة نفسها، وهو ما يضعنا أمام التساؤل عما إذا كانت جميع السعرات الحرارية تُسهِم بالقدر نفسه في زيادة الوزن.

تشهد الأبحاث التي تُجرى في هذا الصدد تطورًا، أما فهم لماذا استغرقت وقتًا طويلًا للوصول إلى إجابات حاسمة فيتطلب العودة بالزمن إلى أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، إلى المجتمع الصغير في قرية ستورز بولاية كونيتيكت الأمريكية، حيث قام كيميائي يُدعى ويلبور أو. أتواتر ببناء أول محطة بحثية في الولايات المتحدة الأمريكية مصممة لدراسة إنتاج الطعام واستهلاكه. في الواقع، كان أتواتر أول شخص يثبت أن القانون الأول للديناميكا الحرارية ينطبق على البشر كما ينطبق على الحيوانات (إذ كان بعض العلماء في ذلك الوقت يعتقدون أن البشر ربما يمثلون استثناءً للقاعدة).

تغير التصميم التجريبي لمعامل الأيض تغيُّرًا بسيطًا منذ عهد أتواتر. لتحديد كمية الطاقة التي يمكن للجسم أن يستخلصها من المكونات الثلاثة الرئيسية للطعام -البروتينات والدهون والكربوهيدرات- طلب أتواتر من مجموعة من المتطوعين الذكور -كل منهم بمفرده- العيش داخل مقياس للسعرات الحرارية لعدة أيام، ثم قام أتواتر وزملاؤه بقياس كل شيء يأكله ذلك الشخص، وكذلك ما يحدث لذلك الطعام، بدءًا من ثاني أكسيد الكربون الذي يخرجه المتطوع في عملية الزفير إلى كميات النيتروجين والكربون والمكونات الأخرى التي تخرج في البول والبراز. وفي نهاية المطاف، حدد الباحثون أن الجسم يمكنه استخراج أربعة سعرات حرارية من الطاقة لكل جرام من البروتين والكربوهيدرات، وتسعة سعرات حرارية من كل جرام من الدهون (وتُعرف هذه الأرقام الآن باسم عوامل أتواتر).

بطبيعة الحال لا يصل الطعام إلى الجسم في هيئة بروتينات أو كربوهيدرات أو دهون خالصة، فالسلمون على سبيل المثال يتكون من بروتين ودهون، والتفاح يتكون من كربوهيدرات وألياف، واللبن يحتوي على دهون وبروتين وكربوهيدرات والكثير من الماء. وقد اتضح أن الخصائص الفيزيائية للطعام وتكوينه تؤدي دورًا أكبر مما توقع العلماء في تحديد مدى نجاح الجسم في هضم الطعام تمامًا وامتصاص السعرات الحرارية.

على سبيل المثال، في عام 2012 أثبت ديفيد بير -من مركز بيلتسفيل لأبحاث التغذية البشرية في ولاية ماريلاند- أن الجسم لا يستطيع استخراج جميع السعرات الحرارية التي تكون موضحة على الملصق الغذائي لبعض المكسرات، وفق طريقة معالجتها. فاللوز الخام الكامل، على سبيل المثال، اتضح أنه أكثر صعوبة في الهضم مما قد يتوقع أتواتر، ومن ثم يحصل الإنسان منه على سعرات حرارية أقل بمقدر الثلث، في حين أنه يحصل على جميع السعرات الحرارية في زبدة اللوز من خلال عملية الأيض.

كما أن الحبوب الكاملة والشوفان وحبوب الطعام التي تحتوي على نسبة مرتفعة من الألياف أيضًا يهضمها الجسم بكفاءة أقل مما توقعنا. فحصت دراسة حديثة أجراها فريقنا ماذا يحدث عندما يأكل المتطوعون طعامًا من الحبوب الكاملة يحتوي على 30 جرامًا من الأنسجة الغذائية في مقابل الطعام الأمريكي المعتاد الذي يحتوي على نصف مقدار الألياف. وقد لاحظنا ارتفاعًا في عدد السعرات الحرارية التي تُهدر في البراز، وكذلك ارتفاعًا في الأيض. وقد وصل إجمالي هذه التغيرات إلى زيادة صافية تبلغ 100 سعر حراري في اليوم، وهي نسبة يمكن أن يكون لها تأثير واضح على الوزن على مدار فترة من الزمن.

وهكذا أثبت فريقنا البحثي وغيره أنه ليست جميع السعرات الحرارية متساوية، على الأقل فيما يتعلق بالمكسرات والحبوب التي تحتوي على نسبة عالية من الألياف. وعندما يتعرف العلماء المزيد من المعلومات حول كفاءة هضم الأطعمة المختلفة وكيف تؤثر على معدل أيض الجسم، فإننا على الأرجح سنرى بعض الأمثلة الأخرى لهذا التباين تكون بارزة بما يكفي للتأثير على مدى سهولة –أو صعوبة– إدارة المرء لوزنه.

إنفاق الطاقة

لقد حظي ما نأكله بالكثير والكثير من الاهتمام، ولكن دراسة ما يفعله جسم الإنسان بالطعام تنقلنا إلى الجانب الآخر من معادلة توازن الطاقة: إنفاق الإنسان من الطاقة. وفي هذا الصدد، يكتشف الباحثون مجموعة من الاختلافات المثيرة للدهشة أيضًا.

من أشهر النصائح التي يتلقاها مَن يحاول إنقاص وزنه أن عليه ممارسة المزيد من التمرينات الرياضية. ولا شك أن الأنشطة البدنية تساعد على الحفاظ على صحة القلب والدماغ والعظام وكفاءة أعضاء الجسم الأخرى في أداء عملها. غير أن القياسات التفصيلية التي أجريت في معملنا وغيره توضح أن النشاط البدني مسؤول فقط عن ثلث إجمالي إنفاق الطاقة (على افتراض استقرار وزن الجسم)، ويمثل الأيض الأساسي للجسم –أي الطاقة التي يحتاج إليها الجسم للحفاظ على نفسه في أثناء الراحة– الثلثين الآخرين. ومن المثير للاهتمام أن مناطق الجسم التي تتطلب القسط الأكبر من الطاقة هي الدماغ وبعض الأعضاء الداخلية، مثل القلب والكليتين، وليس العضلات المرتبطة بهيكل الجسم، على الرغم من أن تدريبات القوة يمكن أن تزيد من معدل الأيض الأساسي بنسبة محدودة.

بالإضافة إلى هذا، وكما يعرف جيدًا أي شخص وصل إلى منتصف العمر، فإن الأيض يتغير بمرور الوقت. فالأشخاص الأكبر سنًّا يحتاجون للحفاظ على وظائف جسدهم إلى سعرات حرارية أقل مما كانوا يحتاجون إليه وهم أصغر سنًّا. كما يختلف معدل الأيض أيضًا بين الأفراد؛ فقد عملت دراسة نُشرت في عام 1986 على قياس معدل الأيض لدى 130 شخصًا من 54 عائلة. وبعد وضع الاختلافات في العمر والنوع وتركيب الجسم في الاعتبار، توصل الباحثون إلى أن القابلية للتغيُّر بين العائلات تصل إلى حوالي 500 سعر حراري في اليوم. ومن ثَم توصلوا إلى هذه النتيجة التي لا مفر منها، وهي أنه عندما يتعلق الأمر بمعدل الأيض، والقدرة على إنقاص الوزن أو الحفاظ عليه، فإن العائلة تشكل فارقًا.

ولكن دعنا نفترض أنك بدأت تفقد بعض الوزن، فمن الطبيعي أن ينخفض معدل الأيض واحتياج الجسم من الطاقة مع انخفاض وزن الجسم، مما يعني أن معدل إنقاص الوزن سيصبح أبطأ. وهذا وفقًا لمبادئ الفيزياء، فلا يزال القانون الأول للديناميكا الحرارية يُحكِم قبضته. غير أن الجسم البشري يخضع أيضًا لضغوط عملية التطور، والتي ستفضل أولئك الذين يحافظون على مخازن الطاقة في أجسامهم من خلال الاقتصاد في حرق الطاقة، وبالفعل، أوضحت الدراسات أن معدل الأيض ينخفض أكثر من المتوقع إلى حد ما في أثناء الإنقاص النشط للوزن. وبمجرد أن يستقر وزن الشخص على مستوى جديد منخفض، يمكن أن تساعد التمرينات الرياضية في إدارة الوزن من خلال التعويض عن انخفاض الاحتياج إلى الطاقة في الجسم الأقل حجمًا.

الدماغ الجائع

على أية حال، الأمر ليس رهنًا بالكامل بالتغيرات في عوامل أتواتر ومعدلات الأيض فحسب. فقد أثبتت أبحاث متزايدة أن دماغ الإنسان يؤدي دورًا محوريًّا، إذ يعمل على تنسيق الإشارات القادمة من مجموعة كبيرة من أجهزة الاستشعار الفسيولوجية في الجسم بينما ينبهنا إلى وجود الطعام. ثم يقوم الدماغ بعد ذلك بخلق الإحساس بالجوع وإغرائنا حتى يتأكد من أننا سنأكل.

بعبارة أخرى، كان دور الجوع لفترة طويلة يقتصر على إبقائنا على قيد الحياة، ومن ثَم لا مغزى من محاربته بصورة مباشرة. بدلًا من ذلك، من بين المفاتيح الأساسية لإدارة الوزن بنجاح منع الجسم من الشعور بالجوع والإغراء بتناول الطعام من الأساس.

أثبتت اختبارات وجبة الطعام الواحدة التي أجرتها العديد من المختبرات، من بينها المختبر الخاص بنا، أن الوجبات التي ترتفع فيها نسبة البروتين أو الألياف، أو تلك التي لا تتسبب في ارتفاع مفاجئ في مستويات سكر الدم (الجلوكوز) تُعَد بصفة عامة أفضل وأكثر إشباعًا في القضاء على الجوع (الكربوهيدرات أكثر مصادر الجلوكوز في الدم انتشارًا، ولكن البروتينات تولده هي الأخرى). ويشير ملخص نشره أحد أعضاء فريقنا البحثي (روبرتس) في عام 2000 إلى أن استهلاك السعرات الحرارية في الساعات التي تلي الإفطار الذي يحتوي على أطعمة ذات مؤشر جلايسيمي مرتفع (حبوب الإفطار المُعالَجة مثلًا) كان أعلى بنسبة 29% مقارنةً بما يلي تناوُل وجبة صباحية ذات مؤشر جلايسيمي منخفض (على سبيل المثال، حبوب الشوفان الصلبة أو البيض المقلي).

في الواقع، حصل فريقنا مؤخرًا على أول بيانات مبدئية توضح أنه من الممكن أن نقلل الإحساس بالجوع في أثناء إنقاص الوزن من خلال اختيار الأطعمة المناسبة. قبل توزيع 133 متطوعًا على مجموعتين، طلبنا منهم الإجابة عن استبانة تفصيلية حول عدد المرات التي يشعرون فيها بالجوع، ومتى، وما قوة ذلك الإحساس. ثم قسمناهم بصورة عشوائية إلى مجموعة تطبق برنامجًا لإنقاص الوزن يركز على الأطعمة التي تحتوي على نسبة مرتفعة من البروتين والألياف ومنخفضة في المؤشر الجلايسيمي (على سبيل المثال، السمك والبقوليات والتفاح والخضراوات والدجاج المشوي وتوت القمح) أو مجموعة "قائمة انتظار" والتي كانت بمنزلة المجموعة الضابطة.

وجدير بالملاحظة أنه على مدار 6 شهور كان أفراد المجموعة التجريبية يقولون إن مستويات الشعور بالجوع انخفضت إلى أقل من القيم المَقيسة قبل بدء البرنامج، وقد لاحظنا اختلافًا في المقدار أيضًا. وبنهاية الدراسة كانوا قد فقدوا متوسط 8 كجم، في حين أن المجموعة الضابطة ازداد وزنها بمعدل 0.9 كجم.

ومن المثير للاهتمام أيضًا أن المجموعة التي تخضع للاختبار أصبح توقها للطعام أقل أيضًا، مما يشير إلى أن ما يعتبره الدماغ لذيذًا قد تغير أيضًا. ثم أجرينا بعد ذلك مسحًا دماغيًّا لخمسة عشر متطوعًا وهم يرون صورًا لمجموعة متنوعة من الأطعمة، وأوضحت النتائج أن مركز المكافأة في الدماغ أصبح أكثر نشاطًا بمرور الوقت في المجموعة التي تخضع للاختبار استجابةً لصور الدجاج المشوي وشطائر الحبوب الكاملة والحبوب التي تحتوي على ألياف، وفي الوقت نفسه أصبحت أدمغتهم أقل استجابة لصور البطاطس المقلية والدجاج المقلي وحلوى الشيكولاتة وغيرها من الأطعمة التي تؤدي إلى زيادة الوزن.

نظام غذائي شخصي

إن الاختلافات في قدرة الأطعمة على تقليل الإحساس بالجوع، والاختلاف في كفاءة امتصاص الجسم لكلٍّ منها، والقدرة الحقيقية -والمحدودة رغم ذلك- لعملية الأيض بجسم الإنسان على التكيُّف مع التغيُّرات في امتصاص الطاقة تجعل إدارة الوزن نظامًا معقدًا. فلا نتوقف عن التوصل إلى ظروف خاصة تؤثر على الأشخاص المختلفين بصورة مختلفة. على سبيل المثال، كان من الحقائق الثابتة أن الغالبية العظمى من الأفراد الذين يعانون من السمنة تفرز أجسامهم مستويات أعلى نسبيًّا من الإنسولين، وهو الهرمون الذي يساعد الجسم على أيض الجلوكوز، وهذه المقاومة للإنسولين، كما يُطلق عليها، تؤدي إلى مجموعة من المشكلات الأيضية الأخرى، مثل زيادة مخاطر التعرُّض للأزمات القلبية أو الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. وعندما انضم هؤلاء الأشخاص إلى برنامج لإنقاص الوزن مدته ستة أشهر يحتوي على المزيد من البروتين والألياف ونسبة أقل من الكربوهيدرات والأطعمة ذات مؤشر جلايسيمي منخفض، وجدنا أن وزنهم قد انخفض أكثر مما قد ينخفض إذا ما اتبعوا حمية غذائية تعتمد على نسب مرتفعة من الكربوهيدرات والأطعمة ذات مؤشر جلايسيمي مرتفع. وعلى النقيض، كانت النتيجة جيدة بصورة متساوية بالنسبة للأشخاص الذين تنخفض لديهم معدلات الإنسولين عند اتباع حمية غذائية تحتوي على نسب مرتفعة أو منخفضة من البروتينات والكربوهيدرات، وكذلك مؤشر جلايسيمي.

واليوم نساعد المتطوعين في الدراسة بصورة منتظمة على إنقاص وزنهم والحفاظ عليه. وعلى الرغم من أن تلك الدراسة التي ضمت 133 متطوعًا كانت مدتها ستة أشهر وتطلبت أن يحضر المشاركون اجتماعات أسبوعية ويردوا على رسائل البريد الإلكتروني في أوقات كثيرة، فإن 11% فقط منهم خرج من الدراسة. بل إن بعضهم بكى في الزيارة الأخيرة للفريق البحثي لأنه لم يكن يريد أن يخرج من البرنامج؛ إذ إنهم لم ينجحوا في إنقاص وزنهم فحسب، بل إنهم حققوا نجاحًا أكثر مما توقعوا حتى إنهم شعروا بأن البرنامج يساعدهم على التغيُّر النفسي والجسدي أيضًا، أو كما قال أحد المشاركين: "لقد نجح العلم".