ظلَّ ضَعفُ تمثيل المجموعات الإثنية من غير ذوي البشرة البيضاء في البحث العلمي والتجارب السريرية يُشكِّل اتجاهًا مُقلقًا، ومن بين الأمور التي تثير انزعاجًا شديدًا أن قواعد بيانات الجينوم البشري تتحيز بشدة للأشخاص ذوي الأصول الأوروبية، وإذا تُرِكَ هذا التحيّز المتأصّل دون مواجهة، فإنه سيظل يلعب دورًا في تباين معدلات النجاح في المجال الذي يُعرف باسم الطب الدقيق.

تنبع المشكلة من البنية الأساسية للعلم، ففي بداية العهد بالجينوم، غالبًا ما كان تمويل مشروعات التسلسل الجينومي أكبر حجمًا في الدول التي تسكنها أغلبية من ذوي البشرة البيضاء، لذا فإن سكان هذه الدول يحظون بتمثيل أفضل في قواعد البيانات العامة، كذلك أساء العلماءُ معاملة بعض الأقليات فترة طويلة، وتعدّ تجربة توسكيجي للزهري مثالًا صارخًا على ذلك، ويُحجِم الكثيرون من أفراد تلك الجماعات عن المشاركة في الدراسات لأسباب مفهومة.

هذا التحيّز ينطبق أيضًا على الدراسات المُبكّرة استنادًا إلى أنواع التباين الجيني التي انصّب تركيز الأبحاث عليها، ففي البداية، اقتصرت أبحاث العلماء على الفروق الدقيقة في الزوج القاعدي الواحد من الحمض النووي لدى المجموعات المختلفة، دون النظر إلى التباينات الأكبر، لصعوبة تقييمها، لكن اتضح أنها أكثر أهمية مما كان متوقعًا، وأصبح من المعلوم أن تلك التباينات تُسّبب أمراضًا وراثية وتؤثر في طريقة أيض الأدوية لدى مختلف المجموعات الإثنية، وليس الأفراد فحسب، وتمنح التقنيات المتطورة العلماء إمكانية تحديد التباينات التي لم تُكتشف من قبل في كثير من الحالات.

هذه خطوة للأمام تُثير الاهتمام، فنحن نكتشف حاليًا أنه استنادًا إلى بعض هذه الفروق البنيوية، يمكن تفسير أمراض كانت مجهولة السبب فيما مضى، مثل متلازمة كارني، وهي اضطراب نادر يتسبب في ظهور أورام بمختلف أجزاء الجسم، على سبيل المثال، أو طفرة قد تُسهم في حدوث اضطراب ثنائي القطب وانفصام في الشخصية، وهنا أيضًا، من الممكن أن تتباين الآثار بين مجموعة إثنية وأخرى.

يُسعدني القول إن مجتمع الجينوم قد شرع في مواجهة تحدي تحسين التنوع الإثني في قواعد البيانات الخاصة بنا، وبصفتي من كبار العلماء العاملين لدى شركة متخصصة في تقنية تسلسل الحمض النووي، فإنني شاهد على هذه الجهود المبذولة يوميًا، فعلى سبيل المثال، أطلق عدد من الدول مشروعات مرتبطة بمجموعات مُحدَّدة تهدف إلى إنتاج جينومات مرجعية ذات جودة عالية.

وقادت النتائج الممتازة التي تحققت في كوريا والصين واليابان إلى الوصول لموارد للجينوم تُعبِّر بدقة أكبر عن التنوع الطبيعي لدى تلك المجموعات، إضافة إلى نتائج سريرية إيجابية، وهذه التسلسلات الجينومية تعمل على تمكين الدراسات واسعة النطاق التي تُجرى على مجموعات إثنية محدَّدة من تحسين تمثيلها في قواعد بيانات الجينوم بدرجة كبيرة.

قادت هذه المشروعات بالفعل إلى اكتشافات من شأنها جعل التجارب السريرية والرعاية الصحية أكثر نجاحًا بالنسبة للمشاركين الذين لديهم تلك الخلفيات الوراثية، فعلى سبيل المثال، توصَّل مشروع الجينوم الكوري إلى متغيّر جيني لدى مجموعة سكانية محدَّدة يُنظّم طريقة أيض الجسم لبعض الأدوية، وهذه المعلومات ضرورية لتحديد الجرعات وقياس احتمالات استجابة المريض لعلاج بعينه.

في أماكن أقل تطورًا من ناحية البنية التحتية للأبحاث، ومنها مناطق في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، تشهد مثل هذه الجهود تلكؤًا، فقد بدأ معهد أبحاث الجينوم البشري الوطني في جمع بيانات من تلك المناطق، بيْد أن التسلسل والتحليل يُجريان عادة في أماكن أخرى، لكن مع تقدم العمل في مثل هذه المشروعات، ستتحقق اكتشافات مهمة ذات صلة بأي عدد من المجموعات الإثنية.

أحد هذه البرامج تُطلق عليه معاهدُ الصحة الوطنية برنامج "أُول أوف أص" All of Us ويهدف إلى إجراء تسلسل لعيّنة من الأمريكيين متنوعة في الجنس والتوجه الجنسي والهوية الإثنية والعرقية، يكمن الهدف الأساسي من البرنامج في كونه شاملًا، والمشاركة فيه مجانية.

وفي مجال الأمراض النادرة، أثبتْ التسلسل الجينومي نجاحًا ملحوظًا في زيادة معدلات التشخيص، موفرًا إجابات للمرضى الذين ربما لم تُشخَّص حالاتهم بأسلوب آخر، واليوم يظل هذا الأسلوب هو الأكثر فاعلية بالنسبة للمرضى القوقازيين، لأن المزيد من الحمض النووي لديهم يمكن تفسيره باستخدام مستودعات بيانات الجينوم الحالية، ولكن في الوقت الذي نبني فيه بيانات لأشخاص من مجموعات إثنية أخرى، نستطيع أن نتوقع امتداد النجاحات سريعًا لتصل إلى المرضى أيًا كانت خلفياتهم، مما سيؤدي إلى تحقيق تحسن كبير في الرعاية الصحية المقدمة لمئات الملايين من الناس.

إن تحقيق رؤية الطب الدقيق فيما يتصل بأُناسٍ ينتمون إلى أي مجموعة إثنية يتطلب مزيدًا من التمثيل المتنوّع في المستودعات البيولوجية التي تُشكل أساسًا للبرامج السريرية، وتعدّ تقنية تسلسل الحمض النووي المتطورة واحدة من بين أدوات عديدة مطلوبة للإسهام في تحسين عملية جمع بيانات على نحو أفضل بشأن أُناسٍ من جميع المجموعات الإثنية، للوصول إلى الاستخدام العادل لتلك البيانات في الممارسة السريرية.

نُشرت هذه المقالة في الأصل بعنوان "الدراسات الجينومية تحتاج إلى التنوع" في دورية ساينتيفيك أميريكان 320، 3، 7 (مارس 2019).

doi:10.1038/scientificamerican0319-7