يعكف علماء النفس على دراسة الكيفية التي يتخذ بها البشر قراراتهم، وذلك عن طريق إعطاء الناس مشكلات افتراضية. ففي إحدى الدراسات مثلًا وصفتُ أنا وزملائي لأفراد العينة مرضًا افتراضيًّا تسببه سلالتان من البكتيريا. بعد ذلك، طرحنا السؤال التالي: "أيهما تُفضل؟ لقاحًا يحميك من سلالة واحدة أم لقاحًا يمنحك 50% من الحماية ضد السلالتين كلتيهما؟"، واختار أغلب المشاركين في الدراسة اللقاح الأول. وقد استنبطنا من ذلك أن العبارة المتعلقة بالحماية الكاملة قد أثَّرت فيهم، بالرغم من أن كلتا الجرعتين ينتج عنها احتمالات المرض نفسها بوجه عام.

لكننا نعيش في عالمٍ يواجه مشكلات حقيقية وليست افتراضية فحسب، فثمة مواقف تتطلب من الناس أحيانًا اتخاذ قرارات مصيرية في ظل نقص المعرفة أو حالة من اللايقين. ومنذ أعوام، بعد أن بدأتُ التقصي بشأن مسألة صنع القرار مع اثنين من زملائي هما بول سلوفيك والراحلة سارة ليختنشتاين، اللذين كانا يعملان لدى شركة "ديزشين ريسرتش" في مدينة يوجين بولاية أوريجون، بدأنا في تلقِّي مكالمات عن مشكلات فعلية، وقد وردتنا هذه المكالمات من قادة في صناعات أنتجت الطاقة النووية أو كائنات معدلة وراثيًّا. وكانت فحوى مكالماتهم كالتالي: "نحن نمتلك تقنية رائعة، لكنها لا تحوز إعجاب الناس، والأسوأ من ذلك أنهم لا يحبوننا. بل إن البعض يعتقد أننا أشرار. بصفتكم علماء نفس، يتعين عليكم أن تفعلوا شيئًا حيال ذلك".

وقد تحركنا بالفعل، بالرغم من أن ما فعلناه لم يكن على الأرجح ما كان يريده مسؤولو تلك الشركات. فبدلًا من محاولة تغيير عقول الناس، شرعنا في تعلُّم الطريقة التي ينظر بها هؤلاء الناس إلى تلك التقنيات في حقيقة الأمر. ولهذا السبب، طرحنا عليهم أسئلةً صُممت على نحوٍ مخصوص من أجل كشف الطريقة التي كانوا يُقيِّمون بها المخاطر. وقد ساعدتنا الإجابات على فهم أسباب تشكيل الناس أفكارًا ومعتقدات عن قضايا خلافية مثل الطاقة النووية -والتغيُّر المناخي في وقتنا الحالي- في الوقت الذي لا يمتلكون فيه جميع الحقائق.

مؤشرات الموت

في البداية، أردنا أن نفهم إلى أي مدى يعي الناس جيدًا المخاطر التي يواجهونها في حياتهم اليومية. وقد طلبنا من مجموعات تتألف من أشخاص عاديين تقدير أعداد الوفيات السنوية الناتجة عن أسباب مثل الغرق والنُّفاخ الرئوي والقتل، ثم عقدنا مقارنةً بين تقديراتهم والتقديرات العلمية. واستنادًا إلى أبحاث سابقة، توقعنا أن الناس سيعطون تنبؤات دقيقة بوجه عام، لكنهم سيبالغون في تقدير أعداد الوفيات الناشئة عن الأسباب التي تتصدر عناوين الأخبار المثيرة أو التي تُنشَر من آنٍ إلى آخر، مثل جرائم القتل والأعاصير، وسيعطون تقديرات أقل من الواقع بالنسبة لأعداد الوفيات التي تنشأ عن "مسببات صامتة للموت"، مثل السكتة الدماغية وداء الربو، والتي لا تستحوذ على اهتمام الأخبار في كثير من الأحيان.

وبوجه عام، كانت تنبؤاتنا صائبة. فقد بالغ الناس في تقدير أسباب الموت التي أُعلن عنها بكثافة، في حين جاءت تقديراتهم لتلك الأسباب التي لم تحظَ باهتمام كبير أقل من الواقع الفعلي. فصور الهجمات الإرهابية -على سبيل المثال- قد تُفسر السبب وراء حقيقة أن مَن يشاهدون أخبارًا تلفزيونية أكثر يساورهم قلقٌ أكبر بشأن الإرهاب، مقارنةً بالذين قلما يشاهدون تلك الأخبار. لكن ظهرت نتيجةٌ أخرى محيرة عندما سبرنا أغوار معتقداتهم وأفكارهم. فالأشخاص الذين كانوا يعارضون الطاقة النووية بقوة كانوا يعتقدون أنها تتسبب في معدلات وفيات منخفضة جدًّا سنويًّا. فلماذا إذًا يعارضونها؟ هذه المفارقة الواضحة جعلتنا نتساءل إذا ما كان طلبنا منهم أن يتنبؤوا بالمتوسط السنوي لأعداد الوفيات قد أدى إلى تضييق نطاق تعريف المخاطر أكثر من اللازم. لذا في المجموعة التالية من الأسئلة طرحنا عليهم سؤالًا حول ما تعنيه المخاطر في حقيقة الأمر من وجهة نظرهم. وعندما فعلنا ذلك، وجدنا أن أولئك الذين عارضوا الطاقة النووية كانوا يعتقدون أن تلك التقنية لها قدرة أكبر على إحداث كوارث واسعة النطاق. وهذا النمط انطبق كذلك على التقنيات الأخرى.

ولمعرفة ما إذا كانت زيادة المعرفة عن تقنية معينة تُغير من هذا النمط، طرحنا الأسئلة نفسها على الخبراء الفنيين، وقد اتفقوا عمومًا مع الأشخاص العاديين بشأن معدلات الوفيات الناجمة عن الطاقة النووية سنويًّا، فقد وصفوا تلك المعدلات بالمنخفضة. ولكن عندما أعطوا تعريفًا للمخاطر بأنفسهم، استنادًا إلى إطار زمني أوسع، اعتقدوا أن ثمة إمكانية أقل لحدوث مشكلات. وعلى العكس من الخبراء، أكَّد الأشخاص العاديون على ما يمكن أن يحدث في سنة سيئة للغاية. كانت آراء الجمهور والخبراء متباينة؛ إذ ركز كل فريق على أجزاء مختلفة من الحقيقة.

فهم المخاطر

هل يمتلك الخبراء دائمًا فهمًا دقيقًا لاحتمالات وقوع كارثة؟ يُحلل الخبراء المخاطر عن طريق تشريح المشكلات المعقدة إلى أجزاء أكثر قابليةً للفهم. ففي حالة الطاقة النووية، قد تشمل هذه الأجزاء أداء الصمامات ولوحات التحكم وخطط الإخلاء ودفاعات أمن الفضاء الإلكتروني. وفي حالة المحاصيل المعدلة وراثيًّا، قد تتضمن هذه الأجزاء التأثيرات التي تشمل صحة الإنسان وكيمياء التربة وأنواع الحشرات.

وتعتمد جودة أي تحليل للمخاطر ودقته على قوة العلم المستخدم في تقييم كل جزء. فالعلم يتسم بالقوة إلى حدٍّ كبير فيما يتعلق بالطاقة النووية والكائنات المعدلة وراثيًّا. أما بالنسبة لتقنية جديدة مثل المركبات ذاتية القيادة، فالأمر مختلف؛ إذ قد تتمثل عناصر الخطورة في احتمالية "رصد" المستشعرات الليزرية بالمركبة لأحد العابرين للطريق، واحتمالية تصرُّف عابر الطريق بطريقة متوقعة، واحتمالات تحكُّم السائق في مركبته في اللحظة نفسها التي لا يُرصد فيها أو يُتنبأ بعابر للطريق. ففيزياء المستشعرات الليزرية النابضة مفهومة جيدًا، لكن الكيفية التي تتصرف بها في حالة الجليد أو الظلام غير مفهومة على النحو المطلوب. والأبحاث التي تُجرى حول تفاعُل المشاة مع المركبات ذاتية القيادة قليلة للغاية. والدراسات التي تُجرى على السائقين تتنبأ بأنهم لا يستطيعون أن يبقوا يقظين بالقدر الكافي للتعامل مع الطوارئ النادرة الحدوث.

عندما يكون الفهم العلمي غير مكتمل، يتحول تحليل المخاطر من الاعتماد على الحقائق الثابتة الراسخة إلى أحكام الخبراء. وتتسم الدراسات التي تُجرى على تلك الأحكام بأنها غالبًا ما تكون جيدة إلى حدٍّ كبير، شريطة أن يحصل الخبراء على تقييم جيد. فعلى سبيل المثال، عادةً ما يعقد خبراء الأرصاد الجوية مقارنةً بين تنبؤات احتمالية سقوط الأمطار مع مقياس المطر في محطتهم. واستنادًا إلى هذا التقييم الواضح والفوري، فإنه عندما يتنبأ أحد علماء الأرصاد الجوية بأن ثمة احتمالية نسبتها 70% لسقوط المطر، فإن المطر يسقط فعليًّا 70% من المرات التي يتنبأ فيها بذلك. ولكن بالنسبة للتقنيات الجديدة مثل المركبة ذاتية القيادة أو التحرير الجيني، سيحتاج التقييم إلى وقت طويل. وحتى يحدث هذا، سنظل في حالة من عدم التأكد –ولن يعرف الخبراء أنفسهم– بشأن مدى دقة تقديرات المخاطر في واقع الأمر.

العلم الكامن وراء علم المناخ

يأتي دور أحكام الخبراء المعتمدة على التقييم الجيد عندما يتنبأ المرء بتكاليف وفوائد محاولات الإبطاء من وتيرة تغيُّر المناخ أو التكيُّف معه. وتجمع التحليلات المناخية بين أحكام الخبراء من جوانب بحثية متعددة، تتضمن الجوانب البحثية الغنية عن البيان مثل كيمياء الغلاف الجوي وعلم المحيطات، والجوانب البحثية الأقل توقعًا مثل علم النبات وعلم الآثار وعلم الجليد. وفي التحليلات المناخية المعقدة، تعكس أحكام الخبراء هذه معرفةً كبيرةً مدفوعةً بتقييم يستند إلى أدلة. ولكن بعض الجوانب لا تزال غير مؤكدة.

Credit: Jen Christiansen; Source: “Individuals with Greater Science Literacy and Education Have More Polarized Beliefs on Controversial Science Topics,” by Caitlin Drummond and Baruch Fischhoff, in Proceedings of the National Academy of Sciences USA, Vol. 114, No. 36; September 5, 2017

في عام 1979، وقعت عيناي للمرة الأولى على هذه التحليلات كجزء من مشروع يتعلق بالتخطيط لأبحاث المناخ خلال العشرين سنة التالية. وهذا المشروع الذي كانت ترعاه وزارة الطاقة كان يشتمل على خمس فرق عمل. كانت مهمة الفريق الأول التعامل مع المحيطات والمناطق القطبية، وكانت مهمة الفريق الثاني تتعلق بالمحيط الحيوي المُتحكَّم به، أما الفريق الثالث فكانت مهمته تتعلق بالمحيط الحيوي الأقل من حيث مستوى التحكم به، في حين كانت مهمة الفريق الرابع تتعلق بالاقتصاد والجغرافيا السياسية، أما مهمة المجموعة الخامسة التي انضممت إليها فتمثلت في التعامل مع الاستجابات الاجتماعية والمؤسسية للخطر.

حتى في ذلك الوقت، وتحديدًا قبل 40 سنة من الآن، كانت الأدلة قويةً بما يكفي للكشف عن حجم المخاطر التي تُهدد كوكبنا. وقد توصل تقريرنا الشامل الذي يلخص جميع ما توصلت إليه المجموعات الخمس إلى رؤية مفادها "النتيجة المحتملة تتجاوز نطاق التجارب البشرية".

التفكير بشأن أمور لا يمكن تصوُّرها

كيف يتأتى للباحثين إذًا في هذا الجانب الاضطلاع بمهمتهم المتمثلة في إطْلاع الناس على طرق دقيقة يفكرون بها بشأن الأحداث والخيارات التي تتجاوز نطاق خبراتهم؟ في واقع الأمر، يمكن أن يتمكن الباحثون من ذلك إذا هم اتبعوا درسين أساسيين استُقيا من دراسات صنع القرار.

Credit: Jen Christiansen; Source: Risk: A Very Short Introduction, by Baruch Fischhoff and John Kadvany. Oxford University Press, 2011; Redrafted from “How Safe Is Safe Enough? A Psychometric Study of Attitudes Towards Technological Risks and Benefits,” by Baruch Fischoff et al., in Policy Sciences, Vol. 9, No. 2; April 1978

الدرس الأول: حقائق علم المناخ بحاجة إلى توضيح. فهذا العلم بحاجة إلى أن يُترجم إلى لغة تناسب القرارات التي يتخذها الناس بشأن حياتهم ومجتمعاتهم. وفي حين أن معظم العلماء يتمتعون بخبرة في التواصل داخل قاعات الدراسة، فإنهم قد لا يتلقون على أرض الواقع تقييمًا بشأن مدى وضوح رسائلهم أو ملاءمتها.

ويمكن مواجهة هذه المشكلة المتعلقة بالتقييم بطريقة مباشرة، تتمثل في اختبار الرسائل قبل إرسالها. في وسع المرء معرفة الكثير بمجرد طلبه من الناس قراءة رسالة معينة وإعادة صياغتها. عندما طلب باحثو التواصل إعادة صياغة تنبؤات بحالة الطقس مثلًا، وجدوا أن البعض تربكهم عبارة "ثمة احتمالية نسبتها 70% لسقوط المطر". المشكلة في الكلمات وليس في الرقم. فهل يقصد عالِم الأرصاد أن احتمالية سقوط الأمطار هي 70% من عدد مرات التنبؤ؟ أم على مساحة 70% من المنطقة؟ أم أن ثمة احتمالية سقوط 0.01 بوصة من المطر على الأقل في محطة الأرصاد الجوية؟ التفسير الأخير هو الإجابة الصحيحة.

توصلت العديد من الدراسات إلى أن أعدادًا مثل 70% تنقل المعنى بوجه عام أفضل بكثير من "المحددات الكمية اللفظية" مثل "الأرجح" و"بعض" و"غالبًا". أحد النماذج الكلاسيكية على هذا الاستخدام يعود إلى فترة الخمسينيات من القرن العشرين، ونجده في وثيقة من وثائق المخابرات الوطنية الأمريكية، ذكرت أن "هجومًا سوفيتيًّا على يوغوسلافيا في عام 1951 ينبغي أن يؤخذ باعتباره احتمالًا جديًّا"، وعندما سُئل المحللون الذين وقعوا الوثيقة عن نسبة هذا الاحتمال من وجهة نظرهم، أعطوا نطاقًا فضفاضًا من الأعداد ما بين 20% إلى 80%. (ولم يحدث غزو من جانب السوفييت).

يريد الناس أحيانًا أن يعرفوا ما هو أكثر من احتمالية سقوط مطر أو نشوب حرب عندما يتخذون القرارات. هم بحاجة إلى أن يفهموا العمليات التي تؤدي إلى تلك الاحتمالات، أو بعبارة أخرى أن يفهموا طبيعة الأمور. لقد توصل عددٌ من الدراسات إلى أن بعض الجوانب المهمة من أبحاث التغير المناخي ليست مسألة بدهية بالنسبة لكثير من الناس، مثل إمكانية تجادُل العلماء واتفاقهم في ذات الوقت بشأن خطر التغير المناخي، أو كيف يختلف ثاني أكسيد الكربون عن غيره من الملوثات. (وهو أن ثاني أكسيد الكربون يمكث في الغلاف الجوي وقتًا أطول). قد يرفض الناس نتائج الأبحاث ما لم يخبرهم العلماء بالمزيد عن الكيفية التي تُستقى بها هذه النتائج.

الدرس الثاني: الأشخاص الذين يتفقون بشأن الحقائق يمكن أن يختلفوا مع ذلك بشأن ما يفعلون حيالها. فالحل الذي يبدو سليمًا للبعض منهم يمكن أن يبدو مكلفًا للغاية أو غير عادل بالنسبة للبعض الآخر.

فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين يؤيدون وضع خطط لاحتجاز الكربون وتخزينه لأن هذا من شأنه أن يحفظ ثاني أكسيد الكربون بعيدًا عن الهواء قد يعارضون استخدامه في محطات الطاقة التي تعمل بالفحم. هم يخشون عاقبةً غير مباشرة، وهي أن الفحم الأكثر نظافةً قد يجعل إزالة قمم جبلية لأغراض تعدينية أمرًا مقبولًا على نحو أكبر. ومَن يعرفون الهدف من خطط تجارة الانبعاثات -خلق محفزات بهدف تقليل الانبعاثات- قد يعتقدون مع ذلك أنهم سيفيدون البنوك أكثر من إفادتهم للبيئة.

تسلط الأمثلة السابقة الضوء على أسباب الأهمية الكبيرة للتواصل المتبادل في مثل هذه المواقف. فنحن بحاجة إلى أن نعرف ما يفكر فيه الآخرون وأن نجعلهم يشعرون بأنهم شركاء في عملية صنع القرار. سيكشف هذا التواصل أحيانًا عن جوانب من سوء الفهم التي يمكن أن تعمل الأبحاث على التقليل منها. أو ربما يكشف عن حلول تُسعد المزيد من الناس. ومن الأمثلة على ذلك ضريبة الكربون غير المرتبطة بالدخل في مقاطعة بريتيش كولومبيا، والتي تؤدي إيراداتها إلى خفض الضرائب الأخرى، فضلًا عن أنها قد أفرزت دعمًا سياسيًّا كافيًا وواسع النطاق، مكّنها من الصمود أمام التغييرات العديدة في الحكومة منذ عام 2008. وبطبيعة الحال، سيكشف التواصل المتبادل المُحسّن في بعض الأحيان عن خلافات جوهرية، وفي هذه الحالات، يكون القرار للقضاء والشارع وصناديق الاقتراع.

ما هو أكثر من العلم

يكتسب هذان الدرسان المتعلقان بكيفية نقل الحقائق وتفسيرها أهميتهما من منطلق أن القرارات المرتبطة بالمناخ لا تُبنى دائمًا على أساس ما تقوله الأبحاث أو تتوصل إليه. فبالنسبة لبعض الأفراد، تُعد الأدلة العلمية أو التأثيرات الاقتصادية أقل أهميةً مما تكشفه قرارات معينة بشأن معتقداتهم وأفكارهم. وهؤلاء الناس يسألون عن الكيفية التي سيؤثر بها اختيارهم على الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليهم، إضافةً إلى الطريقة التي يرون بها أنفسهم.

فعلى سبيل المثال، هناك أناس يُحجِمون عن تدابير الحفاظ على الطاقة، وليس السبب في ذلك أنهم ضد حفظ الطاقة، بل لا يريدون أن يُنظر إليهم على أنهم مهتمون بالبيئة إلى حد الهوس. والآخرون الذين يلتزمون بتدابير الحفاظ على البيئة ربما يفعلون ذلك باعتبارها لفتةً رمزية، وليس من منطلق إيمانهم بأن هذا الالتزام يُحدث فارقًا كبيرًا. باستخدام استطلاعات الرأي، تمكَّن الباحثون في مؤسسة "ييل كليميت كونكشنز" Yale Climate Connections من التعرُّف على ما أطلقوا عليه اسم "الأوجه الستة لأمريكا" فيما يتصل بالمواقف التي تتراوح بين الانزعاج والرفض. والأشخاص الواقعون على طرفي النقيض هذين هم أولئك الذين يتبنون على الأرجح تدابير الحفاظ على الطاقة. أما دوافع المجموعة المنزعجة فهي مثل ما تتوقع. لكن بالنسبة لمجموعة الرافضين، فإن أفرادها قد لا يرون أي تهديد أو خطر في التغير المناخي، لكنهم لاحظوا أنهم يستطيعون توفير المال عن طريق تقليل استهلاكهم للطاقة.

الدراية بالعلم لا تعني بالضرورة الاتفاق معه. والدراسة التي أجرتها مؤسسة "ييل" واحدة من العديد من الدراسات التي اكتشفت درجةً أكبر من الاستقطاب بين الجماعات السياسية المختلفة مع اكتساب المنتمين إلى تلك الجماعات معرفةً ببعض القضايا المتصلة بالعلم. وخلال أبحاثنا المستمرة، كشفتُ النقاب أنا وكيتلين دراموند -التي حصلت على زمالة ما بعد الدكتوراة في معهد إيرب بجامعة ميشيجان- عن بعض الملحوظات التي يمكن أن تُعطي تفسيرًا لهذه الظاهرة. ومن تلك التفسيرات أنه كلما زادت معرفة الناس، زادت احتمالية معرفتهم بموقف الجماعة السياسية التي ينتسبون إليها من قضية معينة، وزادت كذلك درجة اصطفافهم وراء ذلك الموقف. ثمة تفسير آخر، هو أنهم يشعرون بمزيد من الثقة بشأن مناقشة تلك القضايا. أما التفسير الثالث ذو الصلة فهو أنهم على الأرجح سيرون وينتهزون فرصة التعبير عن أنفسهم أكثر من أولئك الذين لا يمتلكون القدر نفسه من المعرفة بالأمر.

نشطاء من الشباب يحتشدون في مدينة نيويورك في شهر مايو للمطالبة بإجراء فوري بشأن التغير المناخي
Credit: Erik McGregor Getty Images

عندما تكتسب القرارات أهميةً بالغة

بالرغم من أن الباحثين في مجال علم القرار لا يزالون بحاجة إلى تعلُّم الكثير، فإن رسالتهم العامة بشأن طرق التعامل مع مواقف عالية المخاطر ويكتنفها الغموض متفائلة. وعندما يتواصل العلماء بطريقة سيئة، فإن هذا غالبًا ما يُعد إشارةً إلى أنهم وقعوا فريسةً للنزعة البشرية الفطرية نحو المبالغة في تصوُّر أن الآخرين يفهمونهم جيدًا. وعندما يخطئ الأشخاص العاديون، فإن هذا غالبًا ما يعكس اعتمادهم على نماذج عقلية قد خدمتهم جيدًا في مواقف أخرى، لكن هذه النماذج ليست دقيقةً بالقدر الذي يناسب المواقف الحالية. وعندما يختلف الناس بشأن ماهية القرارات التي ينبغي عليهم اتخاذها، فإن ذلك يرجع غالبًا إلى أن لديهم أهدافًا مختلفة، وليس حقائق مختلفة.

وفي كل حالة، تُشير الأبحاث إلى طرق تساعد الناس على أن يفهموا أنفسهم ويفهم بعضهم بعضًا على نحو أفضل. إن دراسات التواصل من شأنها أن تساعد العلماء على صياغة رسائل أكثر وضوحًا. كما يمكن أن يساعد علمُ القرار الجمهورَ على صقل نماذجهم العقلية من أجل تفسير ظواهر جديدة. وعن طريق الحد من سوء التواصل والتركيز على الخلافات المشروعة، يمكن أن يساعد الباحثون في مجال علم القرار في تقليل الصراعات في المجتمع، وتيسير تعامُلنا جميعًا مع الصراعات المتبقية.